الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

فك شيفرة دبلوماسية الإمارات في جنوب آسيا

مقال خاص لـ"كيوبوست" تشرح فيه الكاتبة والباحثة الهندية أديتي بهادوري أفق الوساطة الإماراتية لحل الأزمات بين الهند وباكستان

أديتي بهادوري♦

في الخامس والعشرين من فبراير، وفي خطوةٍ أثارت دهشة الجميع، أعلنت الهند وباكستان وقف إطلاق النار عبر خط السيطرة، وقطاعات أخرى متنازع عليها. وجاء البيان المشترك الذي صدر في 25 فبراير، كالتالي: “اتفق الجانبان على التقيد التام بجميع الاتفاقيات والتفاهمات ووقف إطلاق النار على طول خط السيطرة، وجميع القطاعات الأخرى اعتباراً من ليل 24/ 25 فبراير”.

بينما رحبت الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، كانت الإمارات العربية المتحدة الدولة الوحيدة الأخرى التي أصدرت بياناً بشأن التطورات، فقد أكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي أن دولة الإمارات العربية المتحدة تربطها علاقات تاريخية قوية مع جمهورية الهند وجمهورية باكستان الإسلامية، وأنها تثني على جهود البلدين في التوصل إلى هذا الإنجاز. وأكد البيان الرسمي أنها “خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن والازدهار في المنطقة”، كما قالت وكالة الإمارات الإخبارية.

اقرأ أيضاً: جماعة جيش محمد.. هل تتسبب في حرب نووية بين الهند وباكستان؟

وبينما كان المحللون والمعلقون يحاولون فهم هذه الخطوة، فإن ما حدث منذ توتر العلاقات بين البلدين قد عاد للظهور في أعقاب هجوم بولاواما الإرهابي في كشمير الهندية، والضربات الهندية الدقيقة في داخل كشمير الباكستانية، وكذلك عملية إعادة تنظيم ولاية جامو وكشمير الهندية التي جردت الولاية من امتيازاتها الخاصة؛ حيث بدأت التفاصيل بالظهور. فقد اتضح أن كلاً من الهند وباكستان كانتا تجريان اتصالاتٍ سرية من خلال ممثلي وكالات الاستخبارات في كل منهما منذ أكتوبر 2020.

والسبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الهند بعد أن واجهت نزاعاً مسلحاً على حدودها الشرقية مع الصين في صيف 2020، كانت حريصة على تهدئة حدودها الغربية، كي لا تضطر إلى خوض حرب على جبهتَين.

أدى النزاع الحدودي إلى اندلاع اشتباكات مسلحة بين الصين والهند- أرشيف

والسبب الآخر هو أن الولايات المتحدة لعبت دوراً في خدمة قضيتها الأهم في تسهيل التوصل إلى اتفاق سلام في أفغانستان، وسحب قواتها من ذلك البلد بحلول الأول من مايو 2021، كما تعهدت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ولتحقيق هذه الغاية فالولايات المتحدة تحتاج إلى تعاون باكستان بعد أن ضاعف ترامب من ضغطه على باكستان؛ لتحريضها على العنف في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: تاريخ طويل من الصدام.. إليكم تسلسل النزاع الهندي الباكستاني منذ البداية

ولكن الصحفي الهندي سوشانت سينغ، أشار في تقرير نشرته صحيفة “فورين بوليسي”، إلى دور دولة ثالثة -الإمارات العربية المتحدة- في توصل الخصمين اللدودين إلى وقف إطلاق النار، والجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومن تداعيات وقف إطلاق النار مفاوضات حول مياه نهر السند بين الهند وباكستان التي تجري حالياً في نيودلهي. وقال سينغ: “أخيراً أكد مسؤولون كبار من كلا البلدين أن دولة ثالثة غير متوقعة، وهي الإمارات العربية المتحدة، قد لعبت دوراً مهماً في التقريب بين البلدين، منذ بداية المفاوضات عام 2020”.

في وقتٍ لاحق، ألقت العديد من وسائل الإعلام الهندية الضوءَ على هذا الأمر؛ ففي وقتٍ سابق من هذا الأسبوع أكدت صحيفة “بلومبيرغ” أن الإمارات العربية المتحدة قد لعبت من وراء الكواليس دوراً في التوسط في اتفاق وقف إطلاق النار، نقلاً عن مسؤولين كبار. ومع ذلك لم يصدر أي تصريح رسمي عن أي من الجانبين؛ ولكن يمكن للمراقب أن يقرأ بين السطور. لم ينف أي مسؤول هذه التقارير الصحفية، كما أنه في الأشهر القليلة الماضية (منذ بداية الاتصالات السرية بين البلدَين الجارَين في أكتوبر 2020) التقى وزير الخارجية الهندي الدكتور جايشانكر، مرتين مع نظيره الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان. كانت المرة الأولى في نوفمبر من العام الماضي في أبوظبي؛ حيث التقى جايشنكر مع ولي العهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. كانت تلك زيارة جايشنكر الخارجية الأولى منذ الإغلاق العام بسبب جائحة “كوفيد-19”. وأعقبت زيارته زيارة مماثلة قام بها وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي في الشهر التالي. وقبل نحو أسبوعين من إعلان 25 فبراير، أجرى وزير الخارجية الإماراتي اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء عمران خان، ناقشا فيه القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وبعد وقتٍ قصير قام بزيارة سريعة إلى نيودلهي في مارس.

شاهد:  قصة التوتر التاريخي بين الهند وباكستان

محمد بن زايد يستقبل وزير الخارجية الهندي أثناء زيارته إلى الإمارات العربية المتحدة- “ذا ناشيونال”

 ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى جنوب آسيا؟ التأكد من أن هذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها الإمارات في الدبلوماسية الهادئة بين الهند وباكستان.

في عام 2019 لعبت الإمارات العربية المتحدة (إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية) دوراً هادئاً في إطلاق سراح الطيار الهندي أبيناندان، الذي أَسَرته القوات المسلحة الباكستانية عندما نفذت الهند ضربات دقيقة في داخل باكستان في أعقاب هجوم انتحاري في كشمير الهندية تم بتحريض من باكستان وأدى إلى مقتل 40 مقاتلاً من القوات الهندية شبه الحكومية. وقد حمل إطلاق سراح الطيار شعوراً بالارتياح إلى المنطقة فقد حافظ على ماء وجه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بينما أبرز رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، كرجل دولة قادر على نزع فتيل التوتر المتراكم في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: التطرف الهندوسي: هل يقود إلغاءُ الاستقلال الذاتي لكشمير إلى عدمِ الاستقرار؟

كما انخرطت الإمارات العربية المتحدة في دبلوماسيةٍ هادئة مرة أخرى، بعد الخطوة الهندية، في إعادة تنظيم وضع جامو وكشمير، وتجريدها من الامتيازات الخاصة، وحكمها الذاتي الاسمي. كان رئيس الوزراء الباكستاني قد شنَّ هجوماً إعلامياً استهدف معظمه رئيس الوزراء الهندي شخصياً، قبل أن تصدر تقارير تفيد أن كلاً من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد حثتا عمران خان على تخفيف لهجة خطابه.

ولذلك لم تكن الأخبار الحالية مفاجئة لأحد؛ فالإمارات العربية المتحدة تتمتع بعلاقاتٍ تاريخية مع كل من الهند وباكستان ترجع إلى سنوات ما قبل الاستقلال. وعلى مرِّ السنوات، أصبحت الإمارات موطناً لجاليات كبيرة من الهنود والباكستانيين. ومن خلال تحويلات هؤلاء المالية والاستثمارات المستقلة برزت الإمارات العربية المتحدة بوصفها مساهماً رئيسياً في اقتصادات البلدين. فهي ثالث أكبر شريك تجاري للهند، وتسهم في ما نسبته 8% من واردات الطاقة الهندية، وتسهم في بناء احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.

محمد بن زايد يستقبل رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان- وكالات

بينما تقوم باكستان تاريخياً بتنفيذ التزاماتٍ أمنية وعسكرية في الإمارات منذ عام 2003، فقد عملت الهند والإمارات؛ مثل عددٍ من دول مجلس التعاون الخليجي، على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن، ومكافحة الإرهاب. كانت الهجمات الإرهابية التي وقعت في مومباي عام 2008 بمثابة دفعة كبيرة لهذا التعاون؛ حيث جاء الإرهابيون من باكستان عبر البحر. ومثل هذه الهجمات لها تداعيات كبيرة على دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتمتع بساحل طويل، والتي عانى مواطنوها الإرهاب في جنوب آسيا. وقد خضع دور باكستان في التحريض على الإرهاب، وتوفير المأوى للعديد من الجماعات الإرهابية، إلى تدقيقٍ كبير، ونتيجة لذلك قامت الهند والإمارات بتسليم عددٍ من المطلوبين بتهم الإرهاب، وغسيل الأموال. وكلا البلدين يأخذ خطر الإرهاب على محمل الجد، كما أن باكستان أيضاً قد وقعت ضحية للإرهاب، وهي الآن تدرك مدى حماقة استخدام الإرهاب كأداة لسياساتها الخارجية.

اقرأ أيضاً:  عضو الحزب الهندي الحاكم لـ”كيوبوست”: المادة 370 السبب الجذري للفساد والإرهاب في كشمير

في الأشهر الأخيرة، حاول عمران خان أن يحول ولاء بلاده تجاه تركيا وماليزيا بعيداً عن القوى السنية التقليدية؛ مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ومع ذلك، فمن الناحية الاقتصادية لا تزال باكستان مرتبطة بهذه الدول من خلال المنح المالية السخية والمساعدات التي تتلقاها منها، والتي تمنح كلاً من الإمارات والسعودية نفوذاً فيها. وعلى الجانب الآخر، تلتزم الهند والإمارات بالتعددية الدينية والتسامح. وينظر الكثير من الهنود إلى الإمارات على أنها دولة نموذج للدولة المسلمة الليبرالية.

تقدر الخسائر البشرية في حال وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان بأكثر من 21 مليون ضحية- “فيرست بوست”

تعتبر الهند وباكستان جارتَين نوويتَين عدوتَين، وهذا ما يجعل المنطقة نقطة اشتعال نووي محتملة. وموقع الإمارات الجغرافي يجعل منها امتداداً لهذا الجوار. ولذلك، فإن انخراط دولة ليبرالية متسامحة مثل الإمارات في الجهود الدبلوماسية بين هاتين الدولتين ليس أمراً مفاجئاً؛ بل هو أمر يبشر بالخير، ليس لكلا البلدين فحسب، بل لمنطقة جنوب وغرب آسيا بأسرها. وستكون الخطوة التالية دفع البلدين إلى إعادة سفير كل منهما إلى عاصمة البلد الآخر، بعد أن قامت كل منهما باستدعاء سفيرها، بعد أن قامت الهند بإعادة تنظيم ولاية جامو وكشمير في أغسطس 2019.

♦محررةً في موقع “International Affairs Review“، الذي يسلِّط الضوءَ على وجهات نظر الجنوب في القضايا العالمية

لقراءة الأصل الإنكليزي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة