الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةدراسات

فكر ديوي التعليمي للديمقراطية وإمكانية تطبيقه في دول المتوسط 

بحث منشور لباحثين سعوديين يسلط الضوء على نظام الدراسة في مجتمعات الدول العربية المطلة على حوض البحر المتوسط وما إذا كانت قابلة لاستيعاب أنماط جديدة من التفكير

كيوبوست 

“فكر ديوي التعليمي للديموقراطية المُثلى: إمكانية التطبيق في الدول العربية المطلة على المتوسط” هو عنوان البحث المنشور للباحثين السعوديين د. رضي حسن المبيوق، جامعة شمال آيوا، ود. عبدالله فيصل آل ربح، جامعة جراند فالي.

يعتبر جون ديوي من أبرز المفكرين الذين أثَّروا في منهجية التعليم داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ حتى قارنه بعض الباحثين بأفلاطون من حيث تأثيره في الفكر التربوي. لقد احتفى به عدد كبير من الباحثين التربويين حتى اعتبره بعض معاصريه “آخر الفلاسفة اليونانيين”؛ لأنه كان يُنظر إليه بأنه يتفلسف على الطريقة اليونانية القديمة، رغم كونه أمريكي الولادة والنشأة. وقد انتشرت أفكار ديوي عالمياً عن طريق (١) ترجمة أعماله لأكثر من ٢٠ لغة أجنبية، (٢) انتشار طلبته -وطلبة زملائه- المنتمين إلى مختلف دول العالم. إضافة إلى زياراته الشخصية للعديد من الدول. بهذا أصبح ديوي حاضراً في دروس فلسفة التعليم الحديث بشكل لا يمكن إنكاره. لقد نشر ديوي أكثر من أربعين كتاباً وأكثر من سبعمئة مقالة بحثية. كان أهم أعماله المترجمة للغات عدة، الديمقراطية والتعليم؛ حيث ركَّز ديوي على الديمقراطية بوصفها الحتمية الأخلاقية المركزية في التعليم، وأنها مدار تطلعات العديد من الناس حول العالم. 

اقرأ أيضاً: التعليم: الاستجابة لطبيعة العصر وتطوّره

وساعد الانتشار العالمي لأفكار ديوي على زيادة المتبنين لفكره في المجال التربوي، وبتطور العالم اليوم أصبح الوصول إلى أعمال ديوي أكثر سهولة عن طريق البحث الإلكتروني. نُشر هذا الفصل في كتاب ديوي، التعليم والشرق الأوسط، ويتكون من خمسة أجزاء: (١) الدافع للديمقراطية وعلاقة ديوي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط. (٢) وصف ومناقشة أهداف ديوي الرئيسية للتعليم. (٣) كيف يمكن تحقيق أهدافه التعليمية وتحت أي ظروف. (٤) كيف يمكن تطبيق مُثُل ديوي التعليمية في المجتمعات غير الديمقراطية. وأخيراً (٥) الآثار العامة والتوصيات للممارسة التربوية.

الدافع للديمقراطية وعلاقة ديوي بمنطقة البحر الأبيض المتوسط:

 تشمل هذه الدراسة مجتمعات لدول تطل على البحر الأبيض المتوسط؛ وهي: مصر ولبنان وليبيا والمغرب وسوريا وتونس والجزائر وتركيا. إن القاسم المشترك بين هذه البلدان أن التعليم فيها خاضع لنظام تقليدي، مع العلم أن بعضها أكثر تقليدية من الباقي. وغني عن القول، أن مناقشة إمكانية تفعيل فلسفة وتطبيقات ديوي التعليمية التقدمية في أي من البلدان المذكورة أعلاه ستكون تحدياً على العديد من المستويات: المجال السياسي، والمناهج الدراسية، وإعداد المعلم، ودور المعلم في إطار المدرسة، والطالب، والأسرة والمجتمع. يتطلب اعتماد وتطبيق رؤية ديوي إرادة سياسية وتخطيطاً دقيقاً وخططاً قصيرة وطويلة المدى للتنفيذ السليم. يؤكد أوبري ورايلي في بحثهما المنشور عام ٢٠١٦ أن “تطبيق نظرية ديوي في الممارسة يعتمد إلى حد كبير على الموقف السياسي للبلد في ذلك الوقت؛ لأن هذا سيؤثر بلا شك على السياسة التعليمية ومؤسساتها”.[1]

جون ديوي

نعتقد أن أية دولة مهتمة بتبني نظام ديوي التعليمي يجب أن تبدأ بالتعمق في أهدافه التعليمية. في الجزء التالي، نصف ونناقش أهداف ديوي التعليمية. يعمل وصفنا ومناقشتنا على تعزيز الاتساق والآثار العملية للنقاط البارزة ذات الصلة بأهداف ديوي التعليمية المتناولة في الكتب التي درست ديوي، إضافة إلى المقدمة التي تفضَّل بها محررو هذا الكتاب.

أهداف ديوي الرئيسية للتعليم:

كان ديوي منشغلاً بعمق بمسألة “ما الهدف من التعليم؟”؛ هل هو التعلم واكتساب المعرفة من أجل المعرفة ذاتها؟ هل هو اكتساب مهارات مهنية بهدف الحصول على وظيفة مستقبلية؟ هل هو بناء الشخصية؟ هل يهدف التعليم لتحضير الإنسان للحياة بشكل عام؟ هل هو من أجل التطور الأخلاقي والروحي؟ هل هو خطوة لإعداد المواطن الذي يلائم هيكل الدولة التي تحكمه؟ هل هو عملية إعداد الأفراد لممارسة الحياة الديمقراطية؟ هل الغرض من التعليم هو واحد أو أكثر من هذه الأهداف؟

يحاول هذا البحث أن يكشف عما يهدف له ديوي -البراغماتي والتقدمي- من العملية التعليمية وكيف يجب أن تكون وفقاً لتصوره.

اقرأ أيضاً: اليوم الدولي لمحو الأمية بهدف خلق عالم خال من الجهل

في كتاب الديمقراطية والتعليم لجون ديوي، قدم هذه الأهداف الرئيسية الثلاثة للتعليم: التنمية الطبيعية، والكفاءة الاجتماعية، والثقافة. يمكن اختصار أهداف ديوي الأساسية الثلاثة وتجميعها في أربعة أهداف: الكفاءة الاجتماعية، والتعليم بوصفه حياة، والتعليم بوصفه تجربة تمزج بين النظرية والتطبيق. العناصر الأساسية في هذه الأهداف هي الطفل والمدرسة والمجتمع والمفاهيم المصاحبة للديمقراطية والنمو والخبرة.[2] وفي ما يلي نتناول تلك الأهداف بشيء من التفصيل:

١- التعليم كثقافة: التعليم تطور طبيعي لرغبة الطفل في الاستكشاف والتعلم، وهذا ما يجب أخذه في عين الاعتبار عند صياغة المناهج وسياسات التعليم. إن المعلمين بحاجة إلى التعرف على الفروق الفردية ونطاق اهتمامات الأطفال التي حملوها معهم من منازلهم إلى البيئة التعليمية والتعامل معها بشكل فعال. كذلك يجب أن تتخلل العملية التعليمية أنشطة تفاعلية يقدمها اختصاصيو توعية الأطفال في تفاعلات غنية ومحفزة مع الأفكار والأشخاص والبيئات. بمعنى آخر، يجب أن تتلاءم الأنشطة التي تم تصميمها وتطويرها مع اهتمامات الطفل واحتياجاته وعفويته وقدراته وأن تتوافق معها.

تدعو اتفاقية حقوق الطفل الحكومات لضمان حق الأطفال بالتعليم- acd

٢- التعليم كأسلوب حياة وليس تحضيراً للحياة: هذه العبارة تلخص فلسفة ديوي حول الهدف النهائي للتعليم؛ حيث يجب الاهتمام باحتياجات الطفل الحالية أكثر من التركيز على المستقبل، فالطفل بحاجة إلى المشاركة في الحياة الاجتماعية منذ الطفولة، ولا يمكن تصور حياة ديمقراطية يبدأ الإنسان في تعلم أساسياتها بعد سن البلوغ. وعليه، يجب أن تتخلل الأنشطة المدرسية ممارسات ديمقراطية يُسهم الطفل في عمليتها ويختبرها. إن الحياة الديمقراطية للمدرسة -حسب تصور ديوي- هي الحياة التي يشارك فيها الطلاب بنشاط في عملية الأخذ والعطاء، والتفاعل بنشاط مع الآخرين عن طريق المناقشة وحل المشكلات الحقيقية التي تواجه مجتمعهم وبلدهم؛ لكي يشعر الأطفال ويفكروا ويتصرفوا بطريقة ديمقراطية، يجب أن يبدؤوا معايشة التجربة من سن الطفولة بدلًا من الانتظار حتى يكبروا. وبهذه الطريقة؛ فإن التعليم هو أسلوب حياة.

٣- التعليم كخبرة: يمثل هذا الهدف قناعة ديوي العميقة للتعليم عن طريق/ ومن أجل التجربة. يعتقد ديوي أن البشر يتعلمون بشكل أفضل من خلال التجربة والممارسة، وليس من خلال التلقين. لذلك، يجب أن تكون المدرسة مليئة بالأنشطة والمشروعات التعليمية التجريبية الهادفة؛ حيث يطور الطلاب تدريجياً المهارات اللازمة والكفاءة والثقة من أجل الحياة الديمقراطية.

اقرأ أيضاً:  كيف نجحت فنلندا في محاربة الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي؟

٤- التعليم كتجربة تمزج بين النظرية والتطبيق: حيث إن التعليم النظري يؤثر في التطبيق العملي، والعكس صحيح؛ فالممارسة تنمي الفكر النقدي للنظرية. وعليه، يُتوقع من المعلمين ابتكار طرق إبداعية تساعد الطلاب على تطبيق ما درسوه نظرياً؛ فالأطفال بحس الفضول الذي يمتلكونه يحبون تقمص دور المهن بأن يلبسوا ملابس المهنة التي يتطلعون لها وأن يلعبوا بألعاب تحاكي أدوات تلك المهنة. وهذا مثال على كونهم يستمتعون ببناء أو صنع أو تجهيز الأشياء التي تتيح لهم الفرصة لترجمة أفكارهم إلى واقع ملموس يتناسب مع مرحلتهم العمرية.

كيفية تحقيق تلك الأهداف:

إن تحقيق الأهداف المذكورة وخلق ظروف ملائمة لها يحتاج إلى إعادة صياغة السياسات التعليمية والمناهج وطرق التدريس، وإعداد المعلم، وتهيئة الطلاب، ودور الأسرة، والمجتمع. كل هذه العوامل جديرة بالدراسة في الدول المعنية في حال أرادت إجراء إصلاحات لصالح نظام أكثر تقدماً يضع تنمية الطالب نصب عينَيه. ولنتطرق إلى كل منها في السطور التالية:

سياسات التعليم:

يتطلب قرار تحويل العملية التعليمية -بشكل كامل أو جزئي- إلى نموذج جون ديوي، قراراً من قِبل صانعي السياسات التعليمية في البلدان المعنية بناءً على قناعتهم بأن المُثُل التي يقوم عليها هذا النموذج تقدم إضافة نوعية للتعليم في بلدانهم. ويتطلب ذلك العمل على بناء استراتيجية فعالة يتم من خلالها تنفيذ السياسة الجديدة بشكل عملي واضح وجذاب ومتلائم مع المجتمع.

التعليم كتجربة تمزج بين النظرية والتطبيق

المناهج:

تتمحور رؤية ديوي للمناهج التعليمية حول المتلقي/ الطالب الذي وُجد المنهج من أجل صالحه. وبالتالي يجب أن تتم صياغة المنهج بناء على دوافع الطلاب وسياقهم الثقافي واهتماماتهم الآنية. تنقسم تلك الاهتمامات إلى أربع فئات واسعة تشمل: الحوار، والاكتشاف، والإبداع، والتعبير الفني.

طُرق التدريس:

يؤكد ديوي أساليب التعليم القائمة على التعلم من خلال الممارسة والتجريب، والتي تشمل ممارسة المشاركة الديمقراطية داخل غرفة الصف. وهذا يتطلب الابتعاد عن أسلوب التلقين الذي يتمحور حول المعلم؛ حيث يتم التعامل مع الطالب كمتلقٍّ سلبي في العملية التعليمية. إن الأسلوب الذي يؤكده ديوي (محورية الطالب) يتميز بتحفيز الطالب ليتحلى بالنشاط واكتساب الخبرة عن طريق تعزيز التفاعلات الاجتماعية وإثارة حس الاهتمام عنده، إضافة إلى تحويل العملية التعليمية كمشروع للطالب وليس كفرض عليه. تهدف كل هذه الميزات إلى تعزيز نمو الطلبة وتطورهم.

اقرأ أيضاً: طريقة بريل للكتابة.. مكَّنت المكفوفين من حق الوصول إلى المعلومة

إعداد المعلم:

يتم تقديم دورات عملية للمرشحين للوظائف التعليمية؛ بهدف مساعدتهم على تطوير وتنظيم وتوجيه وتحسين خبرات الطلبة. يتم خلال تلك الدورات غرس فكرة التعليم كممارسة علمية تقوم على التجربة والحوار. وعليه، يجب غرس أهمية طرح الاستفسار والنقد والتفكير لدى الطلبة عند أولئك المرشحين للعمل كمعلمين. إن الممارسة التفاعلية في التعليم، النقطة الأساس التي تمكن المعلم والطالب من خلق تجربة ذات معنى. بالتالي، فإن دور العلم مكمل لدور الطالب في عملية ديناميكية يتفاعل فيها الجميع، دون إغفال دور الأسرة والمجتمع بوصفهما البيئة الحاضنة للتعليم كمؤسسة.

منهجية ديوي التعليمية في منطقة المتوسط:

بناء على المعطيات الحالية، فإن الإصلاحات التعليمية في المنطقة تتحرك ببطء في ظل سيادة المناهج القديمة القائمة على التلقين ومحورية المعلم بدلاً من المتعلم. وعلى الرغم من وجود إيمان راسخ بالتعليم عند صنَّاع القرار؛ فإن الضغوط الاقتصادية والنمو السكاني المتزايد باستمرار تضع المزيد من العراقيل في طريق تطوير العملية المنهجية القائمة على التفاعل بدلاً من التلقين. يظهر هذا بشكل جلي في ضعف البنى التحتية وتكدس الطلاب في الفصول. كل هذه الظروف تعطل عملية التحول نحو منهج ديوي.

إن الممارسة التفاعلية في التعليم، النقطة الأساس التي تمكن المعلم والطالب من خلق تجربة ذات معنى- أرشيف

التعليم التجريبي/ التشاركي:

يُقصد بهذا المصطلح: “العملية التي يتم من خلالها إنشاء المعرفة من خلال تحويل تجربة المتعلم الذي هو في مركز العملية”.[3]

في الختام:

إن أية دولة تهدف إلى تبني رؤية ديوي التعليمية القائمة على التعليم التشاركي والتفاعلي، تحتاج إلى تبني تحول نموذجي رئيسي يبدأ من التركيز على تأهيل المعلم بشكل أساسي قبل المتعلم. يجب أن يكون هذا التحول مدعوماً من قِبل صانعي سياسات التعليم، وأن يقوموا بتبنيه في المناهج الدراسية، ويبدؤوا بتنفيذها في برامج إعداد المعلمين، ليضمنوا التزماً واعياً ومدروساً من قِبل المعلمين والطلاب مع دعم من الأسرة والمجتمع. جدير بالذكر أن مثل هذه الخطوة ستستغرق وقتاً وجهداً من أجل استيعاب التجربة والتعلم منها. وكما يقول ديوي؛ فإن الفوائد المرجوة من هذه الخطوة “توجه الأفراد إلى الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية وضبطها، وتنمي فيهم الذهنية والعادات التي تؤمِّن عملية التغيرات الاجتماعية بسلام دون حدوث اضطراب”.

المراجع:

[1] Aubrey, K. & Riley, A.  (2016). Understanding & Using Educational Theories. Thousand Oaks, CA: Sage Publications Inc.

[2] Taneja, V. R. (1995). Educational Thought and Practice. Sterling Publishers Pvt. Ltd.

[3] Torkington, K.  (1996). The rationale for experiential/participatory learning. Working Papers in Early Childhood Development 16. The Hague: Bernard Van Leer Foundation

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالله آل ربح

أستاذ مساعد بقسم علم الاجتماع، جامعة جراند فالي ستيت بولاية مشغن

مقالات ذات صلة