الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

فرنسا واليونان وتركيا.. سياسة القوة الجديدة في شرق المتوسط

صفقات الأسلحة الحالية بين فرنسا واليونان هي أكبر من مجرد صفقة تجارية أو رد فعل مؤقت.. بل هي انعكاس لخطوط الصدع الجديدة في شرق المتوسط

جان لوب سمعان♦

في منتصف سبتمبر، أعلن رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، خطةً جديدة لتعزيز القوات المسلحة الوطنية في بلاده. وتشمل الخطة شراء أربع فرقاطات، وأربع مروحيات بحرية، بالإضافة إلى شراء 18 طائرة مقاتلة فرنسية من طراز “رافال”. ويأخذ هذا الإعلان الأخير بُعداً جيوسياسياً حقيقياً؛ فاليونان ليست الدولة الأوروبية الأولى التي تختار الطائرة المقاتلة الفرنسية فحسب، بل إن عملية الشراء هذه تتم وسط أزمة بحرية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط بين اليونان وتركيا وقيام فرنسا بنشر سفنها الحربية لدعم القوات اليونانية. وبعبارةٍ أخرى، حتى لو لم تؤدِّ الأزمة الحالية إلى مواجهة شاملة، فإن شراء هذه الأسلحة يدل على نيّة أثينا بعيدة المدى في تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع باريس، في إطار سعيها لتحقيق التوازن في مواجهة التعنت التركي.

اقرأ أيضاً: الحرب بين اليونان وتركيا أصبحت الآن احتمالاً حقيقياً

تقارب استراتيجي

في الحقيقة، فإن الدافع وراء هذا التقارب الاستراتيجي بين فرنسا واليونان هو علاقات البلدين المتوترة مع تركيا؛ فمنذ خمسينيات القرن الماضي لا تزال اليونان تخوض نزاعاً مريراً مع تركيا حول وضع جزيرة قبرص، فالقادة اليونانيون يرون أن الطائفة الأرثوذكسية القبرصية تنتمي إلى الهوية الوطنية اليونانية، بينما تنظر الحكومة التركية إلى الجزيرة على أنها امتداد للأناضول؛ نظراً لوجود الأقلية التركية فيها. وقد أدَّى هذا النزاع في نهاية المطاف إلى تقسيم الجزيرة بحكم الأمر الواقع إلى كيانَين: الجمهورية القبرصية المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي، وجمهورية شمال قبرص التركية التي تعترف بها تركيا فقط.

اقرأ أيضاً: الحشود في شرق المتوسط تستحضر برنامجاً عسكرياً جديداً في اليونان

بالإضافة إلى هذا النزاع التاريخي، كانت اليونان وتركيا على خلافٍ متزايد حول رسم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما؛ وهي المساحة البحرية التي تنص عليها اتفاقية قانون الأمم المتحدة للبحار، والتي يمكن لكل دولة أن تمارس عليها سيادتها بشكل كامل. وتركيا التي لم توقع على هذه الاتفاقية ترى أن هذه المنطقة يجب أن تُحدد انطلاقاً من البر اليوناني الرئيسي وليس من الجزر اليونانية الصغيرة التي تتداخل مع المنطقة التركية. ولا ترجع أسباب هذا النزاع إلى مسائل قانونية فحسب؛ ففي العقد الأخير أصبحت منطقة شرق المتوسط موقعاً جذاباً للتنقيب عن الغاز. وفي الواقع فقد أدَّتِ النتائج المتوقعة من هذه الاحتياطيات البحرية إلى قيام اليونان وقبرص ببناء شراكة مع إسرائيل، في خطوة أثارت غضب حكومة أنقرة، وأدت إلى نشر سفن حربية تركية بانتظام في المنطقةـ في استعراض للقوة التركية.

سفن البحرية الفرنسية- وكالات

وفي غضون ذلك، كانت التوترات الفرنسية- التركية تختمر منذ وقت طويل؛ فمنذ صعود رجب طيب أردوغان في تركيا عام 2003، شكَّكتِ الحكومات الفرنسية المتتابعة في التوجهات الجيوسياسية الجديدة لأنقرة. ففي البداية، كانت فرنسا تعارض دائماً رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن المعارضة الفرنسية كان ينظر إليها على أنها رد فعل معادٍ للمسلمين؛ فإنها كانت في الأساس متعلقة بشكل رئيسي بالسياسة الدولية. فتركيا أردوغان الجديدة كانت تتحول إلى دولة قمعية في الداخل، وتبني روابط استراتيجية مع دول مثل إيران، في الوقت نفسه الذي كانت فيه فرنسا تحاول الضغط على طهران لوقف أنشطتها النووية السرية. ونتيجة لذلك بدأ التوتر يظهر على شكل مشاحنات حول عضوية تركيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي ونمت لتصبح خلافاً دبلوماسياً حقيقياً. ويعرب مسؤولون فرنسيون عن قلقهم المتزايد من أن تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، كانت تلعب على “الحبلين” في القضية النووية الإيرانية.

اقرأ أيضاً: بوثائق سرية.. “نورديك مونيتور” تكشف التجسس التركي على اليونان

صراع في ليبيا

ومؤخراً، تبلور الصراع في ليبيا حول الخلاف بين باريس وأنقرة؛ فمنذ أواخر عام 2014 تقارب الفرنسيون مع المشير خليفة حفتر، الذي كان يتحدى علانية الحكومة في طرابلس. ورأى صناع القرار في فرنسا أن حفتر هو الرجل القوي الذي يمكنه ترويض الإسلاميين في ليبيا، والذي يمكنه منع تدفق المقاتلين جنوباً إلى منطقة الساحل؛ حيث ينتشر الجنود الفرنسيون في إطار عملية “برخان”. ولكن الأهم من ذلك هو أن حكومة فايز السراج، وفي خضم هجوم حفتر على طرابلس، دعت تركيا إلى نشر جنودها في ليبيا؛ لتصبح أكبر قوة أجنبية فيها. وهذا الأمر أطلق حرباً كلامية بين الرئيسَين ماكرون وأردوغان؛ حيث أدان كل منهما ألاعيب الطرف الآخر الخطيرة التي تقوض مستقبل ليبيا.

المشير خليفة حفتر- “ميدل إيست مونيتور”

وقد بلغ هذا الأمر ذروته عندما تعرَّضت فرقاطة فرنسية إلى المضايقة من قِبل سفن حربية تركية في شرق المتوسط. كانت البحرية الفرنسية تحاول إيقاف سفينة شحن متجهة إلى ليبيا يشتبه في أنها تنقل أسلحة، في انتهاك لحظر الأمم المتحدة، وذلك في سياق مهمة المراقبة البحرية لحلف شمال الأطلسي المعروفة باسم “سي غارديان”. أنكرت تركيا الادعاءات الفرنسية بأن السفينة كانت تنقل مواد عسكرية إلى ليبيا، وطالبت فرنسا بالاعتذار. ونتيجة لذلك، جمَّدت فرنسا مساهمتها في مهمة حلف شمال الأطلسي، وبعد شهرين نشرت قوتها البحرية لتقف مع اليونان في مواجهة تركيا.

اقرأ أيضاً: في جزيرة كاليمنوس اليونانية.. التهديد التركي موجود في كل مكان

من هذا المنظور، يتضح أن صفقات الأسلحة الحالية بين فرنسا واليونان هي أكبر من مجرد صفقة تجارية أو رد فعل مؤقت على المواجهة البحرية بين تركيا واليونان؛ بل هي انعكاسٌ لخطوط الصدع الجديدة في شرق المتوسط، حيث تنشأ مواجهة تدريجية بين معسكرَين. فمن جهة تعمل كل من فرنسا واليونان وقبرص وإسرائيل على تقوية علاقاتها السياسية والعسكرية، وفي المقابل تعمل تركيا على تعزيز مكاسبها في ليبيا من خلال إعادة فرض نفوذها في المتوسط. 

اقرأ أيضاً: تحركات أردوغان تقلق فرنسا.. ماذا تريد أنقرة من مالي؟

من غير المرجح أن تؤدي هذه المواجهة إلى حربٍ في الوقت الراهن، فعلى الرغم من أن فرنسا قد نشرت بحريتها دعماً لليونان؛ فهي في الوقت نفسه تدعم رسمياً جهود ألمانيا المستمرة للتوصل إلى حل دبلوماسي، ولكنه يبقى من الصعب التوصل إلى حل للقضايا الأساسية من خلال الحوار الجاري بين أوروبا وتركيا. وتشير التطورات الأخيرة إلى درسَين رئيسيَّين؛ الأول هو إحجام الولايات المتحدة الأمريكية عن لعب دور في النزاع الأوروبي- التركي الذي انعكس في لا مبالاة إدارة ترامب. أما الدرس الثاني فهو الاعتقاد المتنامي في باريس وأثينا بأن تركيا، على الأقل تحت حكم أردوغان، تفهم فقط سياسة القوة. وبعبارة أخرى؛ ليست المحادثات الدبلوماسية اللبقة هي التي قد تغيِّر حسابات الزعيم التركي، بل عرض القوة العسكرية والعزيمة الصلبة.

♦باحث مقيم في أبوظبي، متخصص في الشؤون الاستراتيجية.

لقراءة الأصل الإنجليزي: Samaan France Greece Turkey

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة