الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

فرنسا والصين.. دولة اللون الواحد

عادل مرزوق♦

في أكتوبر من العام الماضي 2020، أعلنت الحكومة الفرنسية عن مقترح قانون “تعزيز قيم الجمهورية”؛ واحد من أكبر النصوص القانونية في ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون. يتكون القانون من 54 بنداً، ومرت تسميته بعدة تغييرات؛ بدءاً من قانون “الانعزالية الإسلامية”، مروراً بـ”مكافحة الإسلام الانفصالي”، ووصولاً إلى قانون “تعزيز القيم الجمهورية”.

في 23 نوفمبر من العام ذاته، أعلنت وزارة الزراعة والأغذية الفرنسية عن حزمة تعليماتٍ فنية تتعلق بحماية الحيوانات خلال عملية الذبح. وعليه، أصبح لزاماً على المسالخ اعتباراً من يوليو من العام الجاري صعق الدواجن قبل ذبحها؛ وهو ما يتعارض مع طريقة الذبح الشرعية وَفق الديانتَين الإسلامية واليهودية. المساجد الكبرى في المدن الفرنسية اعتبرت القرار مانعاً لتهيئة الظروف الملائمة للذبح وفق الأصول الإسلامية، وأن القرار يمثل “رسالة سيئة للمجتمع المسلم قبل رمضان”. اللافت في هذا البيان هو أن هذه الهيئات الإسلامية أعلنت أنها ستناقش الملف مع المجتمع اليهودي في فرنسا. هذه مقدمة أولى.

اقرأ أيضًا: “اليسار الإسلاموي” و”البوتقة الإسلاموية” في فرنسا 2-2

المقدمة الثانية تتعلق بما كشفت عنه، أواخر أبريل 2018، صور أقمار اصطناعية عن وجود معسكر مسيّج في إقليم شينجيانغ الصيني؛ حيث تتهم منظمات حقوقية السلطات الحكومية باحتجاز ما يصل إلى مليون مسلم من أقلية الإيغور. تنفي السلطات الصينية هذا الادعاء وتؤكد أن هذه المعسكرات ليست سوى مراكز للتأهيل المهني ومكافحة التطرف. وبينما تؤكد تحقيقات محايدة أن هذه المدارس تهدف إلى “تنشئة جيل من الإيغور منقطع تماماً عن الثقافة والعادات والتقاليد والديانة الإسلامية”، تشير شهادات موثقة إلى أن الإجراءات تشمل منع إطلاق اللحى أو ارتداء النقاب، ومعاقبة مَن يرفض مشاهدة التليفزيون الرسمي، والإجبار على تعلم اللغة الصينية وإعلان الولاء للصين كدولة.

محنة الإيغور في الصين يجب أن توقظ العالم – “ذا ستيتسمان”

من خلال هاتين المقدمتَين، ولئن كان ثمة اختلافٌ بيِّن بين لائكية فرنسا “الناعمة” وهي ترتكز على سن سلسلة من القوانين المقيدة لما تعتبره الأقليات (المسلمة وغير المسلمة) المقيمة على أراضيها -مواطنين ومقيمين- حقوقاً والتزامات واجبة، حسب دياناتهم وثقافاتهم الخاصة من جهة، وبين شيوعية الحزب الحاكم في الصين “العنيفة” وهي تشيد معسكرات اعتقال لمواطنيها من الإيغور من جهة أخرى، إلا أن قاسماً مشتركاً بين التجربتَين يمكن مُلاحظته والالتفات إليه؛ قاسمُ الدولة التي يُراد لها أن تكون بلون واحد، لغة وثقافة واحدة.

فرنسا والصين.. القاسم المشترك

ما تُلح عليه النخبةُ السياسية والمثقفة في فرنسا، في معرض تبرير القرارات الحكومية التي تثير جدلاً واسعاً من فترة وأخرى، هو ضرورة ‏تفهُّم [لائكية] الدولة وخصوصيتها التاريخية، وهي خصوصية حادة نسبياً، في فصل الدين عن السياسة والدولة.

وبالتوزاي مع ذلك، ما تطلبه الحكومة المركزية في الصين، على لسان عديد من المسؤولين الصينيين، لا يختلف كثيراً، وهو تفهُّم أن أقلية الإيغور -11 مليون مسلم تعود أصولهم إلى الشعوب التركية ويشكلون نحو 45 في المئة من سكان إقليم شينجيانغ- عبر تشكلهم السياسي والديني والثقافي الراهن، يمثلون خطراً حقيقياً، ثقافياً وسياسيًا، على مشروع مستقبل الدولة واستقرارها. تعتقد الصين أن استمرار هذه العزلة الإيغورية والنزعات الانفصالية والتطرف في أوساط هذه الأقلية سيُصيب الصين في مقتل؛ ما يعني تعطُّل مبادرة “طريق الحرير” التي تعتبر أقوى مبادرات الصين الاقتصادية- الثقافية (أندريه فلتشك -صحفي أمريكي- globalreserch.ca).

اقرأ أيضًا: ما جذور الإبادة الثقافية في شينجيانغ؟

تتبنى فرنسا هوية وثقافة لائكية لمواطنيها أياً كانت دياناتهم أو أيديولوجياتهم السياسية. وعليه، تعتبر السلطات الفرنسية أن القبول بكانتونات/ هويات دينية (إسلامية أو يهودية أو غير ذلك) يمثل تهديداً جدياً لقيم الجمهورية وديمومتها. وفي ما يخص قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول (ص) التي يتجدد الجدل حولها بين فترة وأخرى، تتمسك غالبية النخب السياسية والثقافية الفرنسية بأن طبيعة فرنسا (المجتمع والدولة) وظروف نشوء الجمهورية وثقافتها ترفض المساس بحرية الرأي والتعبير، وبما يشمل السخرية في تناول الأديان والشخصيات الدينية؛ موضوعاً ورموزاً.

قبالة ذلك، يؤكد المسؤولون الصينيون أن بكين لن تتراجع وهي مصممة على “تجفيف منابع التطرف الديني ومساعدة مَن يواجه خطر التطرف في الحصول على مستقبل أفضل”.

من “قيم الجمهورية” إلى “الصين” الموحدة

تنتقد المؤسسات الإسلامية في فرنسا قانون “قيم الجمهورية”، وتؤكد أن نصوصه تستهدف المسلمين بشكل خاص، وأنه يفرض قيوداً على كل مناحي حياتهم.

تظاهرة ضد الإرهاب في فرنسا- وكالات

وإذ ينص القانون على نقاط تبدو حساسة بالنسبة إلى المسلمين؛ مثل فرض رقابة محكمة على المساجد والجمعيات، وتمويل المنظمات المدنية، ومنع كشف العذرية للفتيات قبل الزواج وضرورة الحصول على ترخيص للتعليم الديني قبل الالتحاق بالمدارس الحكومية (بند موجه إلى مدارس تحفيظ القرآن) وإلغاء تصريح الإقامة لمتعددي الزوجات، تشمل بنود أخرى في القانون المقترح طيفاً أوسع من الأقليات المقيمة في البلاد، يشمل ذلك اعتبار التثقيف “العلماني” إلزامياً لموظفي القطاع العام كافة، ومنع جميع الرموز الدينية في الأماكن العامة، وإلزام جميع مؤسسات الدولة أو التي تقدم خدمات حكومية على ضمان احترام مبادئ العلمانية، وحيادية الخدمة العامة، كذلك يقترح القانون فرض غرامات مالية تصل إلى 75 ألف يورو على المخالفين.

اقرأ أيضًا: في حربها ضد الانفصالية.. فرنسا تغلق 9 مساجد متطرفة في شهر واحد!

في الصين، تتهم السلطات الحكومية مَن يتم احتجازهم في معسكراتها من الإيغور بالمتشددين الإسلامويين الذين يحملون نزعات انفصالية. كما تتهم بكين أطرافاً دولية (الولايات المتحدة وتركيا) باستغلال جماعات من أقلية الإيغور وتدريبهم للانخراط في منظمات وجماعات إرهابية متطرفة، داخل الصين وخارجها. وعليه، تهدف المعسكرات التي تقيمها بكين إلى إعادة تثقيف هذه الفئة، وتسهيل اندماجها داخل المجتمع الصيني الكبير في المقام الأول، وبما يشمل تحصينها من التورط في أية أيديولوجيات متطرفة.

شاهد: فيديوغراف.. إجبار نساء الإيغور على تقاسم الفراش مع مراقبين

وفي تحقيقٍ قامت به مجموعة “BBC” البريطانية عام 2019، أظهرت شهادات بعض الذين أكملوا فترات الاحتجاز أن السلطات الصينية تقوم بفصل الأبناء عن أسرهم، كما تجبر السلطات النساء على تناول أقراص منع الحمل وتخضعهن لعمليات تعقيم قسرية؛ لمنعهن من الإنجاب مدى الحياة. قبالة ذلك، تؤكد تقارير عدة -بعضها مصور- أن قوات الحزب الإسلامي التركستاني (حزب انفصالي مسلح من الإيغور تموله أنقرة) شارك في عمليات عسكرية واسعة على الأراضي السورية لمصلحة تركيا؛ وهو ما يؤكد ما تسوقه بكين من اتهاماتٍ للإيغور وأنقرة معاً.

خاتمة

بعيداً عن الجدل في مدى صلابة وصوابية ما تقدمه الحكومتان الفرنسية والصينية مع مبررات للإجراءات والقوانين سالفة الذكر، الذي يبدو مهماً في متابعة سياسات كل من باريس وبكين على حد سواء، هو السؤال ما إذا كانت هذه الاستراتيجيات، الناعمة والمتشددة على التوالي، قادرة على الوصول إلى الأهداف التي تضعها السلطات نصب أعينها.

هل بالإمكان أن تكون آليات الحراسة والتقنين داخل الدولة، بوصفها سيرة واحدة، فهماً واحداً، ثقافة واحدة، تاريخاً ومستقبلاً واحدًا، كافية للحفاظ على استقرار الدولة وضمان ديمومتها وحيويتها؟! 

العلمان الصيني والفرنسي – أرشيف

الجدير بالنخب السياسية والثقافية في فرنسا والصين، بل وفي كل مكان، هو أن تسعى لتأسيس فهم أفضل وأكثر حداثة للرموز والخصوصيات التاريخية والسرديات المؤسسة للدول. إن الذي يبعث على القلق حقاً، هو أن نكون عاجزين أو مرتبكين في فهم واستيعاب مجموع ودلالات المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تحدث داخل بلداننا. بالتأكيد، لا يعني ذلك القبول بأي ثقافات أو توجهات -تاريخية أو ناشئة- تتبنى سرديات مولدة/ صانعة للكراهية أو محرضة على العنف أو أن تعنون خصوصياتها بما يتخطى سيادة الدولة وحاكميتها. رغم ذلك، يجب أن لا يكون للدولة الحقُ في “أتمَتةِ” من يعيشون فيها أو أن تُجبر قوانين المواطنة الصالحة سيدة “نباتية التغذية” على الجلوس أمام مائدة يتوسطها ديكٌ روميٌّ في أعياد الميلاد.

♦رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر (المملكة المتحدة).

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عادل مرزوق

رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

مقالات ذات صلة