الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

فرنسا تترصد لتحركات “الإسلام الإخواني- السلفي”.. فهل تنجح؟

مراقبون لـ"كيوبوست": معظم الفاعلين في الإسلام السياسي المتطرف داخل فرنسا هم أبناء الأحياء الهامشية والمعزولة

المغرب- حسن الأشرف

يبدو أن فرنسا عازمة على التصدي بقوة لما تعتبره “الأيديولوجية الإسلامية الراديكالية” أو “الإسلام السلفي”، بتعبير وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، وذلك من خلال إغلاق بعض المساجد، أو مراقبة حملات إسلامية ضد العلمانية في المدارس، تصفها باريس بالمتشددة.

وتحدثت وسائل إعلام فرنسية، مؤخراً، عن كون لجنة وزارية بفرنسا حذرت من حملة تشنها أوساط إسلامية تُنعت بكونها متشددة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تستهدف العلمانية داخل المدارس.

اقرأ أيضاً: بعد فرار ايكويسن… فرنسا تستعد لطرد المزيد من دعاة التطرف

ويرى مراقبون في هذا الصدد أن هذه الدعوات ستُسهم في التضييق على المسلمين بشكل أكبر، وإنعاش اليمين المتطرف، بينما يعتبر آخرون أن ما يحصل هو صراع سببه المواجهة بين منظورَين متشددَين؛ منظور العلمانية الفرنسية، ومنظور السلفية والإخوانية لبعض الموضوعات الدينية؛ مثل الحجاب واللباس الشرعي.

فرنسا تتربص بالإخوانية والسلفية

وقرر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، الأربعاء 28 سبتمبر 2022، الشروع في إجراءات الإغلاق الإداري لمسجد في إقليم الراين الأسفل، بتهمة تسهيل “انتشار الأيديولوجية الراديكالية” و”الإسلام السلفي”.

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان

ووَفق الوزارة ذاتها، إمام المسجد المعني معروف بمشاركته في “أعمال تبشير” راديكالية في الإقليم لعشرات السنين، وكان يظهر “عداء واضحاً تجاه المجتمع الفرنسي، ويضاعف التصريحات الاستفزازية والمعادية لقيم الجمهورية، ويشجع المؤمنين على هذه الرؤية الراديكالية”.

الاتهامات الموجهة إلى إمام المسجد كونه ينشر “الإسلام السلفي” ويضفي الشرعية على تعدد الزوجات، ويطلق خطابات تمييزية ضد اليهود والمثليين جنسياً والنساء، كما أن العديد من الشباب الذين يحضرون المسجد أصبحوا “متطرفين”، وبعضهم “ترك فرنسا للدراسة في المدارس القرآنية في مصر أو في اليمن”، وَفق وزارة الداخلية الفرنسية.

اقرأ أيضا: لماذا يتعاطف اليسار الفرنسي مع الإسلام السياسي؟

وفي السياق ذاته، رصدت لجنة وزارية فرنسية حسابات إسلامية في مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على “التشكيك بمبدأ العلمانية في المدرسة الجمهورية”، كما رصدت “استراتيجية” هذه الحملات من قبيل “التشجيع على ارتداء ملابس تظهر انتماء دينياً داخل المدرسة، والتحريض على الالتزام بأوقات الصلاة داخل المدرسة أيضاً، وابتزاز الشابات المسلمات اللواتي يخلعن حجابهن عبر نشر صورهن”.

الوثيقة الداخلية التي نشرتها صحف فرنسية أبرزت أن “هذه الأدبيات والرسائل هي سمة من سمات (استراتيجية الإخوان المسلمين والسلفيين)، الهادفة إلى إدخال الممارسات والطقوس الدينية إلى قلب المدرسة الجمهورية”.

المسجد الكبير بفرنسا

العلام: إتاحة الفرصة لليمين المتطرف

عبدالرحيم العلام

ويعلق الدكتور عبدالرحيم العلام، الأستاذ بجامعة مراكش، على الموضوع بالقول إنه ربما من الصعب توصيف الأمر على أنه “حملة إسلامية متشددة”، لأن التشدد الإسلامي لا يُقصد به في العادة تلك الدعوات إلى الالتزام بالحجاب وأداء الفرائض الدينية وغيرها من الشعائر الدينية المنتشرة في الدولة الإسلامية وأيضاً في الكثير من الدول الغربية؛ حيث التشدد في هذه الحالة يمكن أن توصف به الدعوة إلى ممارسة العنف ضد العاملين في المدارس الفرنسية، والتحريض على مقاومة القانون والتشهير بالملتزمين به.

واسترسل العلام، في حديث مع “كيوبوست”، بأن وصف الأمر بأنه ضد العلمانية يتضمن نوعاً من عدم الدقة، لأن المبدأ العلماني لا يتناقض في الأصل مع ارتداء الرموز الدينية وأداء الشعائر، وهذا ما هو الأمر عليه في الكثير من الدولة الغربية العلمانية؛ مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليونان وغيرها من الدول التي تسودها العلمانية الصلبة، أما فرنسا فهي لائكية من حيث التعريف؛ إذ تختلف النسخة الفرنسية من العلمانية عن باقي العلمانيات السائدة في الدول الغربية، حيث تتصف اللائكية الفرنسية بالتشدد حيال الدين، وذلك نظراً للعلاقة التاريخية المتوترة بين الجمهورية والدين.

واعتبر العلام أن قانون 2004 المتعلق بالرموز الدينية، لم يكن في مقدوره أن يعالج أساس الصراع بين الدين والسياسة في فرنسا دون أن تواكبه أو تسبقه سياسة تثقيفية وتوعوية، حتى لا يتحول المنع المفروض على الرموز الدينية إلى وقود يذكي الحرب بين التشدد وقيم العلمانية في فرنسا؛ وهو الأمر الذي يبدو أن فرنسا تعيشه هذه الأيام بخصوص الدعوات إلى مواجهة تبعات القانون والتحريض على مقاومته.

تحاول فرنسا مواجهة الإسلام المتطرف بالقانون- وكالات

وأكمل المحلل ذاته قائلاً: “يبدو أن الشخصيات والحركات الدينية حددت الساحة التي ستتواجه فيها مع اللائكية الفرنسية؛ حيث ستكون الرموز الدينية في المدارس أحد الأسلحة القوية في المعركة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأمور مرتبطة بالحياة اليومية للمسلم، وذلك بما أن فرنسا قد اختارت الطريق الأسهل أو الأسرع للحسم ضد الرموز الدينية، ألا وهو طريق المنع بدل طرق التثقيف والتوعية والتحسيس والحوار وتشجيع التنوير الديني”.

عصيد: التصادم مع الدولة الحديثة

من جهته، قال الكاتب والحقوقي أحمد عصيد: إن ما يحدث هو صراع عبثي سببه المواجهة بين منظورَين متشددَين، منظور العلمانية الفرنسية التي تتدخل في لباس الأشخاص بحُجة حياد المؤسسات في موضوع الرموز الدينية، ومنظور السلفية الوهابية والإخوانية التي تعتبر “الحجاب” فريضة دينية، كما تعتبر شعر المرأة “عورة”، بينما لا وجود لهذا الصراع في دول غربية أخرى.

أحمد عصيد

ويرى عصيد، في حديث مع “كيوبوست”، أن “الحركات الإسلامية المتطرفة تعتبر ما تسميه بالحجاب مظهراً أيديولوجياً يسمح للمسلمين بالتعبير عن هويتهم الدينية في الفضاء العام بشكل استعراضي يتوجه أساساً ضد الدولة العلمانية ويمثل نوعاً من التحدِّي؛ حيث لم يعُد المسلمون من الجيل الثالث يقبلون العيش بإسلام شخصي في الحياة الخاصة، لأن الطابع الأيديولوجي للإسلام السياسي (باعتباره مشروع دولة) يتضمن التصادم مع الدولة الحديثة وليس التعايش والتساكن أو القبول بقيم الجمهورية؛ لأن الدولة الإسلامية في فكر الإسلاميين لا يمكن أن تقوم إلا على أنقاض الدولة العصرية الحديثة”.

وأشار عصيد إلى أن عوامل تاريخية؛ منها الصراع الدموي ضد الكنيسة منذ الثورة الفرنسية، أفضت إلى بروز وغلبة منظور علماني متشدِّد لدى الدولة الفرنسية؛ مما أدى إلى مزيد من التصعيد ضد التيار الإسلامي المتطرف داخل فرنسا، فهما يمثلان النقيض من بعضهما؛ ولذلك لا يمكن أن يتعايشا.

اقرأ أيضاً: فرنسا تنتهج مقاربة جديدة تجاه مواطنيها المسلمين

واستطرد المحلل: “نظراً للصرامة التي أصبحت الدولة الفرنسية تواجه بها مظاهر التطرف الإسلاموي على ترابها، والتي من آخر إجراءاتها طرد الخطباء والأئمة المتشددين خارج التراب الفرنسي؛ فقد أصبحت التنظيمات الإخوانية والسلفية تفضل التعامل بالإنترنت وبأسماء مستعارة أو من جهات مجهولة في نوع من (حرب العصابات) الإلكترونية؛ حتى تتجنب المحاسبة، خصوصاً بعد دخول القانون ضد (الانفصالية الإسلامية) حيز التطبيق، والذي أدَّى إلى شعور الجمعيات الإسلاموية بالاختناق بعد أن كانت تتحرك بحرية وتحظى بتمويلات كبيرة من الخارج”.

ولفت عصيد إلى أن “معظم الفاعلين في الإسلام السياسي المتطرف داخل فرنسا هم أبناء الأحياء الهامشية والمعزولة؛ مما يجعل فرنسا مسؤولة عن الوضع الحالي بنسبة كبيرة، حيث أنشأت وربَّت على مدى عقود (مارد) الإسلام السياسي داخل الغيتوهات المغلقة التي بنتها بنفسها”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة