الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةمجتمع

فرنسا.. الرؤية بالألوان

تحدٍّ جديد لإحجام فرنسا العميق عن الحديث حول العرق

كيوبوست- ترجمات

أثناء طفولتها في لا كورنيوف، إحدى ضواحي باريس القديمة، رقية ديالو تقول إنها لم تشعر بالسواد؛ وهي ابنة لأبوَين من السنغال وغامبيا، وتتذكر “كوني سوداء لم يكن يعني شيئاً؛ فقد كنا كثيرين”. ولكن عندما انتقلت كشابة إلى باريس بدأ الناس يسألونها: من أين أتت؟ أدركت السيدة ديالو “أنهم لم يقصدوا لا كورنيوف؛ كان السؤال متعلقاً بلون بشرتي”.

اليوم تنتمي السيدة ديالو إلى جيل من الكتاب والناشطين الفرنسيين الذين يؤكدون هويتهم كسود بطريقة تتحدى إحساس فرنسا بأنها مصابة بعمى الألوان. وهذا يثير جدلاً صاخباً ومعقداً حول كيف وهل ينبغي التفكير في العرق. إن الأمر حساس بشكل خاص في فرنسا بالنظر إلى نموذجها الكوني الذي يفترض أن جميع المواطنين يتمتعون بحقوق متساوية؛ كأفراد وليس كجماعات. ويعبر ذلك جزئياً عن رفض لطرق التعريف التي كان يتبعها نظام فيشي في فترة الحرب. فمن غير القانوني أن يتم جمع البيانات على أساس الأصل العرقي أو الديني. ولا تعترف الجهات الرسمية بالأقليات العرقية ولا تحصيها؛ فالهوية من المفترض أن تكون فرنسية فحسب.

شـاهد: فيديوغراف.. رسائل معادية للسامية تستهدف وصيفة ملكة جمال فرنسا

ولكن واقع التمييز العنصري على مدى سنوات يعني أن فرنسا قد فشلت في تحقيق قيم المساواة. وتظهر الدراسات التي تستخدم مقاييس غير مباشرة للعرق؛ مثل الأصل القومي للوالدين، أن الفرنسيين من ذوي الأصول المغاربية أو من جنوب الصحراء الإفريقية يجدون صعوبة في استئجار منزل أو الحصول على وظيفة. كما أنهم غائبون بشكل غير متناسب عن استوديوهات التليفزيون الفرنسية، ومجالس الإدارة والحكومة. في فترة الثمانينيات، التي شهدت ظهور مجموعات مثل “sos Racisme”، كانت هذه المجموعات المناهضة للعنصرية تركز اهتمامها بشكل أساسي على المساواة الاجتماعية، وليس المساواة العرقية. واليوم هنالك جيل جديد يعبر عن نوع مختلف من الصحوة العرقية؛ وهذا ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى الاستجابة على الرغم من تشكيكه في الطريقة التي تُناقش بها المسألة.

أثار الرئيس ماكرون سخط بعض دوائر الشرطة، الشهر الماضي، عندما أقر أن “ذوي البشرة غير البيضاء” يتعرضون إلى التوقيف من قِبل الشرطة الفرنسية، أكثر من غيرهم. كما أقر أيضاً بأن “كونك أبيض البشرة، يمكن أن يكون امتيازاً”. قد تكون هذه التعابير شائعة ومستخدمة في الولايات المتحدة؛ ولكنها ليست كذلك على الإطلاق في فرنسا. وعد ماكرون بعقد “مشاورات وطنية” حول التمييز، وسوف يطلق منصة دائمة لمناهضة التمييز في فبراير عبر الهاتف والإنترنت؛ لغرض تسجيل الشكاوى والاستجابة لها.

الآلاف يتظاهرون ضد عنف وعنصرية الشرطة في باريس- “بوليتيكو”

الفكرة هي رفع مستوى الوعي تجاه التمييز، وتوفير الأدوات الضرورية لمكافحته. وإذا قرر السيد ماكرون أن يفعل المزيد تجاه مسألة التمييز العرقي، فهذا لا يعني أنه يتفق مع الطرق التي يسعى بعض الناشطين في فرنسا لتوجيه النقاش حولها. في الوقت الحاضر هنالك خلاف بين “الكونيين” الذين يميلون إلى محاربة التمييز من خلال تعزيز نموذج “عمى الألوان” القائم، وبين آخرين يرون أنه بالإمكان هدم هياكل العنصرية من خلال “عنصرة” المجتمع الفرنسي. تقول السيدة ديالو: “لدى فرنسا فلسفة عالمية نظرية؛ وهي قاطعة بالنسبة إلى تجربة الكثير من الفرنسيين، فنحن نرفض الكلام عن العرق؛ لذلك ليس لدينا المفردات لمناقشته. هذه حالة إنكار، حالة من رفض وضع الكلمات على الأشياء التي لا نرغب في الاعتراف بوجودها”.

ويأتي القسم الأكبر من هذا التوجه من الطلاب وسواهم من المطلعين على الحوارات التي تدور في أروقة الجامعات الأمريكية. كثيراً ما نفتقد المفردات في اللغة الفرنسية؛ فكونك أسود البشرة في مجموعة ساينس بو، في جامعة باريس، يستدعي الحاجة إلى دروس في “نظرية العرق النقدية”، وفي “الطبيعة المترابطة للتصنيفات الاجتماعية التي تخلق أنظمة متداخلة للتمييز أو الظلم”، وفي “الدراسات المناهضة للاستعمار”. وعندما تسمع في فرنسا حديثاً حول تفوق العرق الأبيض أو العنصرية المنهجية؛ “فهي طريقة تفكير أمريكية مشتقة من مجتمع قائم على العبودية والقمع”، على حد تعبير شاترتون ويليامز، الكاتب الأمريكي المختص بشؤون العرق والمقيم في باريس.

اقرأ أيضاً: في حربها ضد الانفصالية.. فرنسا تغلق 9 مساجد متطرفة في شهر واحد!

والسيد ماكرون متعاطف إلى حد ما؛ فأثناء حملته الانتخابية في عام 2017، استفز الأوساط الفرنسية المحافظة عندما وصف الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية”. وهو يتفق مع الرأي القائل بضرورة فعل المزيد من أجل تدريس الصورة الكاملة للتاريخ الفرنسي. وفي العام الماضي، طلب ماكرون من المؤرخ بنجامين ستورا، أن يراجع أرشيف التاريخ الاستعماري الفرنسي في الجزائر. لكن الرئيس ماكرون يرسم الخط؛ ليس فقط على فكرة تهميش الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ، بل في أمور أخرى أيضاً.

كما أنه يرفض “عرقنة” المجتمع الفرنسي، بطريقة قد تؤدي به إلى الانقسام -خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأشكال المتطرفة من الإسلاموية- وتقوض عالميته. وقد صرح لمنصة “بروت” الإلكترونية، قائلاً: “نحن لسنا بلداً مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي عانت التمييز والفصل”.

بدلاً من محاربة العنصرية الممنهجة.. فرنسا تريد “إصلاح” الإسلام- “ذا واشنطن بوست”

التحدي الذي تواجهه فرنسا هو ما إذا كان بإمكانها استيعاب هويات عرقية أكثر وضوحاً في شكلها الحالي؛ بطريقة لا تسحق الاختلافات التي تفرض وجودها، ولا تتخلى عن نموذج عمى الألوان. قال جايمس بولدوين، الكاتب الأمريكي، ذات مرة، إنه في فرنسا “تحررت من أعباء العرق”. والسيد ويليامز يردد صدى الفكرة نفسها اليوم؛ إذ يقول: “أنا رجل أسود مختلط العرق، ولكن في فرنسا هويتي الرئيسية هي جنسيتي. وأنا لست أول أمريكي يشعر بالتحرر عند خروجه من ثنائية أسود- أبيض”.

يرى البعض، ومن بينهم سيبيث ندياي، المتحدث السابق باسم حكومة ماكرون، أنه على فرنسا البدء بمناقشة مسألة جمع الإحصاءات على أساس الخلفية العرقية. من الصعب جداً قياس التنوع، فضلاً عن إثبات وقوع التمييز عندما لا يكون هناك اعتراف رسمي بالجماعات العرقية. وتستند الدعوى القضائية بشأن التمييز حالياً إلى مدَّعٍ ينتمي إلى عرق “حقيقي أو مفترض” وإلى مفهوم العرقية. كتب ندياي، في صحيفة “لوموند”، العام الماضي: “يجب ألا نتردد في تسمية الأشياء بأسمائها، في القول إن تلك البشرة ليست عديمة اللون”.

اقرأ أيضًا: إمام مسجد بوردو لـ”كيوبوست”: المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لا يمثل كل مسلمي فرنسا

يقول حكيم القروي، من معهد مونتين للأبحاث: جزء من صعوبة النقاش هو أن المدافعين غير المتشددين عن النموذج الفرنسي يعتبرون أن مجرد “الاعتراف بالاختلافات هو طعن في هذا النموذج”. قد تكون الكونية الفرنسية أكثر مرونة مما يعتقد مؤيدوها المتشددون. قال باب ندباب، المؤرخ الفرنسي ومؤلف كتاب “الشرط الأسود”: “تحدثنا بحرية في مسألة العرق حتى ضمن الفكرة الكونية”. لم يصبح الحديث عن العرق غير شرعي إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وحقبة ما بعد الاستعمار. وربما تكون فكرة ماكرون عن الكونية أكثر تحديداً مما يسمح به منتقدو ماكرون.

لطالما تحدث عن الهوية التعددية لفرنسا، وقال مؤخراً: “يجب أن نكون قادرين على أن نكون فرنسيين بشكل كامل، وفي الوقت نفسه نحتفظ بانتماء آخر”، وسوف يكون التحدي في الحفاظ على التوازن الصحيح، مع ضمان أن أولئك الذين لا يشعرون بالاعتراف الكامل بهم في فرنسا، يمكنهم الازدهار فيها بحق.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة