الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

فرحة بين الأنقاض.. عرس إيزيدي في سنجار

عروسان إيزيديان يعقدان قرانهما بين أنقاض مدينة سنجار لإلقاء الضوء على دمار المدينة.. حيث ذبح مسلحو "داعش" آلاف الإيزيديين وسبوا آلاف الإيزيديات

كيوبوست- ترجمات

سنان محمود♦

كان من المفترض أن يكون حدثاً صاخباً؛ ولكن ماهر قاسم وسايفي عيسى استغلا زفافهما كي يبعثا برسائل هادئة.

شكَّل العروسان، في فستان الزفاف الأبيض الزاهي وبدلة التوكسيدو الرسمية بأناقتهما وهدوئهما، تبايناً صارخاً مع المكان؛ حيث أنقاض سنجار مسقط رأسيهما.

قال ماهر قاسم لصحيفة “ذا ناشيونال”: “الرسالة الأولى هي أنه على الرغم مما مررنا به؛ فإنه لا تزال الحياة مستمرة، ونحن، خصوصاً الشباب، لن نستسلم أو نغادر أرضنا. والرسالة الثانية موجهة إلى الحكومة العراقية والعالم لتذكيرهما بأن سنجار لا تزال مدمرة، ولتحفيز جهود إعادة إعمارها”.

في أغسطس 2014، واجهت مدينة سنجار الشمالية وأرض أجداد الإيزيديين الذين يتبعون ديناً قديماً، مصيراً قاتماً.

اقرأ أيضاً: كيف أعاد “داعش” العبودية؟

بعد نحو شهرين من بدء اجتياح عناصر “داعش” مناطق في العراق واحتلالها مدناً كبيرة في شمال وغرب البلاد، وصل الإرهابيون الذين يصفون الإيزيديين زوراً بأنهم عبدة الشيطان، إلى سنجار.

العروسان في مدينة سنجار

نزح عشرات الآلاف من الإيزيديين إلى جبل سنجار القريب؛ حيث قامت القوات العراقية، بدعمٍ أمريكي، بإنقاذ معظمهم، وقُتل الآلاف أو اختطفوا على يد مقاتلي “داعش”؛ حيث قاموا بفصل الرجال عن النساء، وباعوا النساء سبايا، وقتلوا الرجال.

تم تحرير سنجار عام 2015؛ ولكن الثمن كان باهظاً، فقد هُدم الجزء الأكبر من المدينة؛ إما على يد مسلحي “داعش” الذين فجَّروا بيوت الإيزيديين، وإما بسبب العمليات العسكرية التي جرَت لاستعادة المدينة.

وقد كانت عائلة قاسم من بين المحظوظين الذين لم يعانوا فظائع “داعش”؛ فقد تمكن معظم أقاربه من الفرار إلى محافظة دهوك القريبة التي تقع في المنطقة الكردية الآمنة عند وصول المسلحين الذين تمكنوا من اعتقال والدته المُسنة وأخيه وأبناء أخيه. أطلق المسلحون سراح والدته وأبناء أخيه بعد أسبوع؛ بينما قضى شقيقه الأكبر ثمانية أشهر في السجن، حيث انضموا إلى آلاف الإيزيديين في مخيمات اللاجئين الداخليين في المناطق الكردية.

وبعد أربع سنوات عاد قاسم إلى مدينته للمرة الأولى؛ ليعمل متطوعاً مع منظمة دولية غير حكومية

قال الشاب ذو السبعة والعشرين عاماً وخريج كلية الاقتصاد والإدارة: “لا أستطيع أن أصف مشاعري عندما دخلت المدينة ورأيت الدمار الهائل. انتابني مزيج من المشاعر، كنت سعيداً لمجرد أني وضعت قدمي على أرضي من جديد؛ ولكن في الوقت نفسه انتابني شعور بالصدمة وخيبة الأمل والغضب الشديد”.

في يوليو عادت العائلة كلها إلى سنجار؛ حيث قدَّم جارهم العربي بيته لهم مجاناً؛ لأن منزلهم كان قد سوّي بالأرض.

اقرأ أيضاً: مقابلة خاصة.. كاتب إيزيدي يروي تفاصيل جرائم “داعش” بحق الإيزيديات

قال قاسم: “لم يبق شيء في سنجار؛ وهي الآن مدينة مخيفة. بعد كل هذه السنين من تحرير المدينة لا تزال البيوت والمباني مدمرة، ولا توجد خدمات عامة لائقة؛ خصوصاً الكهرباء وماء الشرب”.

منذ تحريرها تخضع المدينة ومحيطها لسيطرة العديد من المجموعات المسلحة؛ بما فيها الجيش العراقي والجماعات الشيعية والميليشيات الكردية والإيزيدية.

العروسان في سنجار

تحالفت بعض الفصائل الإيزيدية مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي الذين شاركوا في الجهود العسكرية لاستعادة المدينة. وحزب العمال الكردستاني هو جماعة انفصالية تخوض معارك منذ عقود مع تركيا؛ من أجل الاستقلال.

اقرأ أيضاً: في سنجار.. يبدو التعايش بين الإيزيديين والعرب مستحيلاً

وفي محاولة لتعزيز الأمن ومساعدة الآلاف من النازحين الداخليين للعودة، عقدت حكومتا بغداد والمنطقة الكردية صفقة في الشهر الماضي. وتدعو الصفقة بشكل رئيسي مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى مغادرة المدينة، وتعيين 2500 عنصر أمن محلي.

وقد تم إرسال وحدات من الجيش العراقي وقوات الشرطة إلى سنجار في الأسبوع الماضي. يقول قاسم، معبراً عن قلقه بشأن ما تحمله الأيام المقبلة: “سنجار تملؤها الأحزاب مختلفة الولاءات، والوضع فيها أشبه ما يكون بلغم سينفجر عند اقتراب أي شخص منه”.

ترافقت العودة مع بعض الفرح؛ فقد وقع الشابان في الحب عندما كانا يعملان متطوعَين في منظمات غير حكومية

تقول العروس سايفي عيسى، التي غادرت سنجار مع عائلتها منذ عام 2014: “منذ ذلك الحين خططنا أن نقيم زفافنا بين أنقاض سنجار؛ لنؤكد انتماءنا إلى أرضنا وتاريخنا رغم كل ما جرى. لم أتمالك أعصابي عندما عُدت أول مرة، وانفجرت بالبكاء؛ الكثير من أقربائنا وأصدقائنا قُتلوا أو فروا من البلاد أو لا يزالون يعانون ويلات الأَسر”.

وحسب منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، فإن تنظيم داعش قد سبى نحو 7000 امرأة وفتاة وقتل المئات من الرجال. وما يقارب نصف النساء والفتيات اللاتي جرى أسرهن تمكنّ بطريقةٍ أو بأخرى من الفرار، أو أُطلق سراحهن بعد أن دفعت عائلاتهن فدية للمسلحين. ولا يزال نحو 3000 امرأة في عِداد المفقودين. ولا تزال مئات المقابر الجماعية التي دفن فيها قتلى الإيزيديين قائمة لتذكِّر بفظائع “داعش”.

اقرأ أيضاً: تجاوزات تركيا داخل الأراضي العراقية مستمرة.. والأكراد يطالبون بوقفها

وعلى عكس الكثير من الشباب الإيزيديين، فإن الزوجَين مصممان على البقاء في سنجار رغم الصعوبات التي يواجهانها كل يوم. تقول سايفي: “سوف نعمل من أجل مدينتنا، ونخطط للمزيد من الأنشطة المشابهة؛ لجذب انتباه العالم، ولإبقاء مأساة سنجار ماثلة أمام عيونه”.

♦صحفي عراقي غطَّى شؤون العراق منذ أكثر من 18 عاماً، وعمل مع وكالة “أسوشييتد برس” بوظيفة مراسل أول في العراق. ويكتب في العديد من الصحف العربية والأجنبية؛ بما فيها “ذا ناشيونال”.

المصدر: ذا ناشيونال نيوز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة