الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

فايز السراج.. وقيادة ليبيا نحو المجهول

كيوبوست

لطالما اُعتبرت ليبيا بلداً ناجحاً اقتصادياً في السابق؛ حيث مكَّنت إيرادات النفط العالية البلادَ من التمتع بأحد أعلى مستويات الدخل في إفريقيا، ومنحتِ السكان، الذين تخطوا ستة ملايين نسمة، تعليماً وخدماتٍ صحية مجانية. وفي أعقاب الثورة، حلم العديد من الليبيين بتطور بلادهم على غرار دول الخليج العربي، بفضل عدد السكان الصغير المماثل والموارد الطبيعية الوفيرة. ومع ذلك، أصبحت ليبيا دولة فاشلة بسببِ الحرب الأهلية والفساد النابع في المقام الأول من الحكومة، والقطاع العام، والشركات الخاصة.

الموارد والفساد

تمتلك ليبيا 48 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكّدة حتى عام 2014، وهو ما يُشكِّل 38% من احتياطيات إفريقيا النفطية المؤكّدة، وتاسع أكبر كمية على مستوى العالم؛ ما يجعل ليبيا تستحوذ على أكبر احتياطيات نفط خام مؤكَّدة في إفريقيا، إضافة إلى كونها خامس أكبر مالك لاحتياطيات الغاز الطبيعي المؤكَّدة في القارة.

اقرأ أيضاً: صراع بين نسختين من النظام الإقليمي في ليبيا

وقد كانت ليبيا تتمتع بنمو مرتفع في معدل التنمية البشرية، وهو مؤشر لمستوى رفاهية الشعوب في العالم، قبل الإطاحة بنظام القذافي، ومع ذلك، كان من المعروف على نطاق واسع حجم الفساد والاستبداد الذي كان يمارسه النظام؛ حيث تلقّى نظام القذافي رشاوى بمبالغ ضخمة من الشركات الغنية، لعقد صفقات غير قانونية في قطاع الطاقة، كما تم الاحتفاظ بما مجموعه 65 مليار دولار من صندوق الثروة الليبي؛ المؤسسة الليبية للاستثمار، في حسابات خاصة بدلاً من توجيهها إلى النفقات العامة. وكانت الرشوة والاختلاس من الممارسات الشائعة بين موظفي الحكومة دون رقابة، كما استخدم القذافي الثروة النفطية لبناء نظام المحسوبية، وشراء القبائل والمعارضين بأموال لم يتم حسابها مطلقاً.

وعلى الرغم من آمال الشعب الليبي بعد الثورة؛ فإن الفساد وسوء الإدارة تواصلا حتى بعد الإطاحة بنظام القذافي؛ حيث استمر نظام المحسوبية في حكومة ما بعد القذافي، وقامت السلطات الانتقالية بتحويل ما لا يقل عن 20 مليار دولار من إيرادات الدولة للحكومة والميليشيات والسكان والموظفين الحكوميين على شكل إنفاق مُفرِط أو رواتب متعددة أو لأسماء وهمية، أو حتى هِبات لشراء الولاءات كما فعل القذافي، بدلاً من استخدام تلك الأموال لتطوير الموارد البشرية والبنية التحتية وتنويع الاقتصاد.

السراج مع الرئيس التركي أردوغان- MEO

فساد الحكومة

لطالما اعتمد رئيس الوزراء في حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، على الميليشيات المحلية في طرابلس؛ لحمايته ومنحه حرية الحركة والحكم الفضفاض؛ وذلك من خلال استيعاب بعض عناصر الميليشيات في الحكومة والإغداق على هذه الجماعات من موارد الدولة، وإتاحة وصولهم إلى الأموال العامة بعدة طرق؛ منها منح المناقصات الحكومية للسلع الأساسية واستغلال الدعم الحكومي لبعض السلع.

وفي عام 2017 على سبيل المثال ذكر تقريرٌ صادرٌ عن ديوان المحاسبة أن طرابلس قد أنفقت نحو 200 مليار دولار بين عامي 2012- 2017؛ وهو ما شكَّل صدمة لليبيين الذين عجزوا عن تفسير كيفية صرف هذه الأموال دون أن يروا أي إنجازات ملموسة ودون أن يتمكنوا من حصولهم على رواتبهم لشهور.

اقرأ أيضاً: لماذا يهتم الأوروبيون بالصراع في ليبيا؟

ومن بين كل المخاوف من سوء الإدارة والفساد، تبقى السيطرة على المؤسسات الاقتصادية والمالية المهمة وتحقيق الشفافية بها هي الهاجس الأكبر، وتشملُ تلك المؤسسات كلًّا من مصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمؤسسة الليبية للاستثمار (الصندوق السيادي الليبي) والتي تقع جميعها تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني، وتمتلك مجتمعةً أكثر من 130 مليار دولار.

وأحدث مثال على أسباب القلق حيال تلك المؤسسات العملاقة، هو الصفقة المشبوهة بين مصرف ليبيا المركزي ونظيره التركي، والتي شملت ضخ المصرف المركزي الليبي أربعة مليارات دولار بشكل وديعة دون فوائد في المصرف المركزي التركي؛ ما عدّه الكثيرون دعماً لاقتصاد أنقرة. وفي أبريل الماضي، اتهم مسؤولون بمصرف ليبيا المركزي رئيس الوزراء فايز السراج، بالفساد وحمَّلوه مسؤولية تدهور أوضاع الشعب الليبي، وحذروا من العواقب الوخيمة على الصحة، والغذاء، والأمن القومي، والصمت عن الفساد، والسوق السوداء، وتقويض الاقتصاد الوطني.

مصرف ليبيا المركزي- أرشيف

مصير مظلم

تمثل ليبيا فرصة تجارية أساسية لنمو وازدهار الحرب والميليشيات المتطرفة والدول الداعمة لها كتركيا؛ حيث إنه من المعروف على نطاق واسع مثلاً وجود نشاط مزدهر لغسيل الأموال الليبية في تركيا، وكذلك غسيل أموال لشركات تركية تعمل في ليبيا؛ خصوصاً في مجال البناء، بمبالغ تزيد على 19 مليار دولار من العقود المعلَّقة.

اقرأ أيضاً: كاتب روسي: قد يدفع اقتصاد أردوغان ثمنا باهظا لوجوده العسكري في ليبيا

وبالنظر إلى الثروات الليبية الضخمة والفساد وسوء الإدارة الواضح في حكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج، فإن الوضع في ليبيا آخذٌ في التدهور. ومن غير المستبعد أن تزداد ميليشيات السراج نهماً بمرور الوقت، حتى يصبح إشباعها مستعصياً؛ مما يؤدي إلى توليها زمام السلطة والإفساد أكثر، ومما يوحي بمثل هذه السيناريوهات حالة الاحتقان الشديد التي سادت عناصر الميليشيات التابعة لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج، بعد أن علمت أن حجم رواتب المرتزقة السوريين أعلى بكثير من رواتبهم. وقد كشف تقرير لصحيفة “الجارديان” البريطانية، مطلع العام الجاري، عن سفر مقاتلين سوريين من تركيا للقتال في ساحات القتال في ليبيا مقابل الجنسية التركية، وراتب شهري يبلغ 2000 دولار أمريكي.

اقرأ أيضاً: خلافات السراج ومعتيق تكشف عن تعمق الفساد في ليبيا

تسعى ميليشيات السراج للحصول على موارد مالية من الحكومة منذ 2011، وقد استخدمت العنف لتحقيق ذلك، حتى تم استيعابها من خلال التنازلات التي قدمتها الحكومة، وستبقى هذه الظاهرة مؤشراً مخيفاً على انفجار السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في البلاد التي تحاول سلطتها المعترف بها دولياً استغلال الفساد للبقاء في السلطة، تماماً كما هي حال كل المستبدين والمرتزقة في التاريخ.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة