الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

فاغنر تزحف إلى إفريقيا: القصة الكاملة لمرتزقة روسيا حول العالم

تلعب فاغنر أدوارًا جانبية مع الكريملين، لكنها قد تسبب لها الإحراج

كيو بوست – أنس أبو عريش

في الـ30 من يوليو/تموز، قتل 3 صحافيين روس في جمهورية إفريقيا الوسطى، خلال عملهم على تحقيق استقصائي خطير حول شركة فاغنر للقوات الخاصة الروسية – شركة المرتزقة الفاعلة بشكل كبير في سوريا وأوكرانيا. على الأقل، هناك صحافيان آخران تعرضوا لمضايقات بسبب متابعتهم للشركة ذاتها؛ فقد ألقي الصحفي ماكسيم برودين من شرفة منزل في إحدى المدن الروسية في إبريل/نيسان الماضي، كما اضطر الصحفي دينيس كورتكوف للاختباء بعد تهديدات بالقتل وصلته بسبب أعماله حول الشركة.

اليوم، هناك دلائل متزايدة على أن فاغنر تقدم مقاتلين مرتزقة لصالح الحكومة في جمهورية إفريقيا الوسطى، ولصالح المتمردين، على حد سواء، على عكس التصريحات الروسية الرسمية التي تدعي بأن القوات الروسية تعمل في البلاد مع القوات الحكومية فقط.

اقرأ أيضًا: سر رحلات إيرباص 320 يكشف غموض تفوق الأسد عسكريًا في سوريا

وفي الوقت الذي تحاول فيه فاغنر منع التحقيقات حول أنشطتها، تذكر المعلومات المتوفرة أن الشركة باتت تلعب دورًا هامًا متزايدًا في صنع السياستين الداخلية والخارجية للبلاد. ورغم أن هذه الإستراتيجية سمحت لروسيا بتحقيق نجاحات عسكرية كثيرة بدون المخاطرة بقواتها الرسمية، إلا أنها تسمح بخلق وضع متفجر: جنود مهرة يقاتلون من أجل المال، يحصلون على أوامرهم من جماعة ما ليست حكومية، ويلعبون دورًا مركزيًا غير متوقع في تشكيل السياسة الخارجية للبلاد.

 

بعد سوريا وأوكرانيا، العين على إفريقيا

بعد التدخل الروسي في سوريا في أيلول/سبتمبر 2015، ظهر الكولونيل السابق في الجيش الروسي ديمتري أوتكين في سوريا، مستفيدًا من خبرته في القتال إلى جانب الانفصاليين في أوكرانيا. وقاد أوتكين نشاطات شركة فاغنر في سوريا، ولعب دورًا كبيرًا في استعادة قوات بشار الأسد لدير الزور وتدمر. وقد كان الحديث يدور عن فرع غير معلن للجيش الروسي، إذ أن عناصره يسافرون إلى سوريا عبر طائرات عسكرية روسية، ويتلقون العلاج في مستشفيات الجيش الروسي، وشاركوا في عمليات إلى جانب القوات النظامية الروسية، كما قدمت لجنودهم ميداليات موقعة باسم الرئيس فلاديمير بوتين. وبدعم من الطيران الحربي الروسي، كان لمقاتلي فاغنر دور محوري في استعادة النظام السوري لمناطق فقد السيطرة عليها سابقًا، وشن الهجمات ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

ويبدو أن تركيز فاغنر حاليًا يتجه إلى إفريقيا؛ فبعد المحادثات الثنائية بين روسيا والسودان في وقت متأخر من العام الماضي، انتشرت لقطات من فيديو مصور يظهر متعاقدين روس يدربون جنودًا تابعين للحكومة السودانية. وفي مارس/آذار 2018، أعلن الكرملين عن وصول 170 “مستشارًا مدنيًا” -بشكل ضمني هم مقاتلو فاغنر- إلى جمهورية إفريقيا الوسطى “من أجل تدريب القوات الحكومية هناك”. وفي نهاية يوليو/تموز، ظهر 500 آخرين من مقاتلي فاغنر بالقرب من الحدود السودانية مع جمهورية إفريقيا الوسطى. كما أن هناك كثيرًا من الشائعات المتداولة حول وجودهم الحالي أو المستقبلي في ليبيا، خصوصًا بعد تصريح أحد قادة الشركة في مارس/آذار، الذي قال إن مقاتليه سيذهبون إلى هناك قريبًا.

هذا التصريح أكد ما قاله صحفي روسي بعد أن تمكن من الدخول إلى إحدى قواعد التدريب الرئيسة للشركة في جنوب روسيا، وجرى إخباره بأن “نصف مقاتلي فاغنر يتجهزون للتوجه إلى إفريقيا”.

 

أطماع مادية ودوافع أيديولوجية

ورغم أن المنطقة ليست حلمًا بالنسبة للمقاتلين الروس، إلا أن الحافز المادي يدفعهم إلى التوجه إلى تلك المنطقة؛ خصوصًا بعد انخفاض راتب المقاتل الشهري، العام الماضي، من 3550$ إلى 2370$، الأمر الذي يفسر الاندفاع إلى إفريقيا رغبة في الحصول على أموال أكثر. وتحدثت بعض عائلات القتلى من هذه الشركة عن الدوافع المادية للقتال في صفوف القوات الأجنبية في كثير من المرات.

إلى جانب العامل المادي، تلعب المحفزات الأيديولوجية دورًا في تجنيد المقاتلين لصالح فاغنر؛ فالمجتمع الروسي أصبح “عسكريًا أكثر” خلال السنوات القليلة الماضية، بالتزامن مع المبادرات الحكومية التي تهدف إلى تجنيد الروس من أعمار صغيرة. تشجع موسكو التجنيد في الميليشيات القومية، تحت مسميات “الحشد الوطني”. وتستفيد فاغنر، برواتبها العالية ومغامراتها الدولية، من شيوع هذا النمط في المجتمع الروسي. أحد قادة الشركة قال ذات يوم: “حتى لو كنت تقاتل على بعد 10 آلاف كيلو متر عن بلادك، لا تزال تقاتل من أجل وطنك”.

لعبت فاغنر أيضًا أدوارًا رئيسة في داخل روسيا، تحديدًا في الشيشان، خلال فترة بدايات الألفية الجديدة التي شهدت استعادة الكرملين لسيطرته على “جمهورية الشيشان القوقازية”. مع ذلك، من الطبيعي أن يقاتل جنود فاغنر إلى جانب الشيشان في سوريا، في هذه الأيام. وإذا ما استمرت الخلافات بين الشيشان وروسيا فيتوقع أن تستخدم الحكومة مقاتلي الشركة لصدهم.

 

علاقة غامضة مع الكرملين

توفر فاغنر للحكومة الروسية إمكانية التهرب السياسي من بعض القضايا العسكرية؛ على سبيل المثال، ألقى تنظيم الدولة القبض على اثنين من مقاتلي فاغنر العام الماضي، وبدلًا من أن تدافع عنهم الحكومة الروسية، نحّت عائلاتهم جانبًا، قائلة إن الأسيرين “قد يكونا متطوعين”، الأمر الذي يعني أنها لم تعتبرهم من ضمن جنودها في سوريا.

اقرأ أيضًا: مقتل مرتزقة روس في سوريا

ومع الانفصال النسبي في العلاقات الغامضة بين القوات الروسية الرسمية وقوات فاغنر، إلا أن الأخيرة قد تتسبب في إحراج الأولى؛ على سبيل المثال، شنت فاغنر هجومًا على قوات كردية مدعومة من الولايات المتحدة، في شباط/فبراير الماضي، وخلال المعركة التي استمرت 4 ساعات، أصيب المئات من الطرفين، الأمر الذي استدعى مشاركة سلاح الجو الأمريكي. المعركة تسببت بإحراج كبير للحكومة الروسية أمام الأمريكيين.

يبدو أن هدف فاغنر هو تحقيق ما تفعله الحكومة الروسية، لكن في بيئات أخرى لم تصلها الحكومة الروسية. ويبدو أن التواجد الحالي للشركة في إفريقيا هو تجسيد لهذه المقولة. وبذلك، يمكن لروسيا أن تدخل أماكن معادية بأقل الخسائر الممكنة، واستغلال تلك المناطق سياسيًا واقتصاديًا من أجل مصالح موسكو.

 

هل تنشأ شركات أخرى؟

وشهدت فترة الـ6 أشهر الماضية تناميًا كبيرًا لدى مواطنين روس للانضمام إلى الشركة للقتال كمرتزقة في دول أخرى، خصوصًا بين الجنود السابقين في الجيش. كما يبدو أن النمط الذي تعمل به الشركة أصبح جذابًا للكثيرين، إذ شهد شهر يوليو/تموز الماضي نشوء شركة صغيرة تدعى “باتريوت” على شاكلة فاغنر، لكنها تقدم خدمات مالية للمقاتلين بشكل أكبر من فاغنر.

اقرأ أيضًا: الحرب الباردة من جديد: هل تمتلك روسيا حقًا ترسانة عسكرية فتاكة؟

ويتوقع أن يحصل المقاتلون في الشركة الجديدة على مليون روبل (حوالي 15 ألف دولار) شهريًا. ومن المتوقع أن تبقى هذه الشركة بعيدًا عن الحكومة الروسية، وأن تعمل بشكل مستقل، رغم أن كلا الشركتين (فاغنر وباتريوت) تقومان أساسًا على خبراء سابقين اكتسبوا قدراتهم القتالية من العمل في الجيش النظامي.

 

المصدر: ذا أتلانتك

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة