الواجهة الرئيسيةمقالات

فاطمة المرنيسي تحفر في التراث الإسلامي لإنصاف المرأة العربية

كيوبوست – إلهام الطالبي

اختارت عالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي، النضال من داخل النسق الثقافي الإسلامي، والحفر في ذاكرة التراث الإسلامي؛ لإعادة الاعتبار إلى المرأة العربية، معتبرةً أن الإسلام أعطى المرأة مكانةً وحقوقًا.

قرأت المرنيسي التراث الإسلامي دون أي عداء أيديولوجي للإسلام؛ بل عادت إلى المراجع الدينية، مُستعينةً بفقهاء مغاربة متنورين؛ لفهم واستيعاب النصوص التي وصفتها بـ”الصعبة على المسلم المعتدل”.

اقرأ أيضًا: حقائق عن حال المرأة العربية في العام الأخير.. هل هذه الإصلاحات كافية؟

لا يُمكن محو عائشة من تاريخ الإسلام

استهلَّت عالمة الاجتماع المغربية كتابها “حريم السياسة”، متسائلةً: هل يُمكن للمرأة قيادة المسلمين؟ مُعلنةً بذلك رغبتها في تفكيك ونقد القراءات الأصولية للنصوص الدينية، مستحضرةً الأدوار القيادية لعدد من النساء العربيات المسلمات.

تعتبر المرنيسي أنه لا يُمكن محو عائشة من تاريخ الإسلام، مشيرةً إلى أنها لعبت دورًا حاسمًا في حياة الخليفتَين أبي بكر وعمر، وأسهمت في عدم استقرار الخليفة الثالث عثمان، بعدما رفضت أن تقدم له المساعدة في الفترة التي كان محاصرًا فيها من قِبَل المتمردين.

وتقول عالمة الاجتماع المغربية في مؤلفها “حريم السياسة”: “أما بالنسبة إلى علي، الخليفة الرابع؛ فإنها أسهمت في إسقاطه، آخذةً قيادة المعارضة المسلحة التي تنكَّرت لشرعية خلافته. ولسوف يُسمِّي المؤرخون هذه المواجهة بـ(حرب الجمل)، استنادًا إلى ما كانت تمتطيه عائشة؛ لكي لا ترتبط في ذاكرة صغار المسلمات اسم المرأة باسم المعركة”.

غلاف كتاب “الحريم السياسي”

“لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً”

وظَّفت المرنيسي في مؤلفها مناهج علوم الاجتماع؛ لفهم وتفكيك سياق رواية أبي بكرة لحديث “لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً“، متسائلةً: لماذا رواه إبان الحرب التي قادتها عائشة ضد علي؟

 تُوضح عالمة الاجتماع المغربية أن أبا بكرة لم يمنحه الإسلام فقط مكانةً اجتماعية وثروة واحترام الناس؛ بل منحه أيضًا هويةً بعدما كان مجهول النسب يُعاني الفقر، وهذا حسب الكاتبة؛ ما يجعل من أبي بكرة رافضًا أية حرب أهلية تُدمر استقرار المجتمع الإسلامي الذي منحه كثيرًا.

تستشهد المرنيسي بقول مالك إنه لا يجوز اعتماد حديث لراوٍ سبق أن كذب في تعامله مع الناس أو في حياته اليومية. وترى الكاتبة أنه يجب استبعاد أبي بكرة؛ لأنه حسب رواية ابن أثير، فأبو بكرة قد أُدين في عهد عمر بن الخطاب، بتهمة الشهادة الزور؛ وبالتالي فأحاديثه لا يصح اعتمادها.

اقرأ أيضًا: كيف ترى الأديان السماوية الثلاث سيادة الرجل على المرأة؟

أحاديث قيَّدت المرأة العربية

ترى مؤلفة “السلطانات المنسيات” أن تضخم الأحاديث الكاذبة المزيفة راجعٌ إلى أن العالم الإسلامي كان منذ وفاة النبي محمد ممزقًا بسبب الفتن، وصراعات المصالح لأجل السلطة.

أضاءت المرنيسي على البقع المعتمة في حياة الرسول ونسائه، مُزيلةً اللبس عن بعض النصوص التي قيَّدت المرأة العربية إلى يومنا هذا.

وذكرت في مؤلفها “الحريم والسياسة” واقعة تقدُّم هند بنت عتبة إلى الرسول بعد فتح مكة، مُخاطبةً إياه: “إننا نريد مبايعتك أنت، ومعك نريد أن نبرم ميثاقنا”، مشيرةً إلى حضور المرأة وقوتها في الفضاء السياسي.

غلاف كتاب “سلطانات منسيات”

سكينة حفيدة النبي أول متمردة على الإسلام السياسي

حفرت عالمة الاجتماع المغربية في سيرة سكينة، حفيدة النبي من ابنته فاطمة وزوجها علي، الخليفة الرابع الذي ترك الخلافة لمعاوية، وكان قد جرى اغتياله، وكان مصير أبنائه مأساويًّا كمصيره. تشير المرنيسي إلى أن الصراعات بين المسلمين، آنذاك، كانت سببًا في تمرد سكينة على الإسلام السياسي وضد كل مَن ينتهك حرية الفرد؛ بما في ذلك الحجاب، لتكون بذلك أشهر النساء اللواتي قاومن الحجاب، ورفضن السماح لأزواجهن بالتعدد، وتعد سكينة شخصية متمردة لم تُخفِ احتقارها للعائلة الأموية الحاكمة.

أم سلمة سفيرةَ النساء في عهد النبي

وسلَّط كتاب “الحريم السياسي” الضوء على علاقة النبي بنسائه، مشيرًا إلى أنه كان محاطًا بنساء متميزات ومرموقات؛ مثل أم سلمة سفيرة النساء في عهدها والمكلفة بإيصال جميع تساؤلات ومطالب النساء إلى النبي محمد.

اقرأ أيضًا: الجدل القديم الحديث حول حق المرأة في الإجهاض

حسب الكاتبة، فالرسول اعتمد قاعدةَ التواصل مع زوجاته؛ لأنه لم يُبعدهـن عن حياته السياسية، بل يتشاور معهن، وفي أغلب الأحيان يأخذ برأيهن في الأمور، “وقلما يبدو أن نساء النبي اعتبرن المسائل الحربية والسياسية غريبة عنهن”، تشير المرنيسي.

تحليل شخصية أبي هريرة

تتناول مؤلفة “الحريم الغربي” علاقة أبي هريرة بعائشة، قائلةً: “وحسب رواية ابن مسروق، أنه عندما ذكر حديث أبي هريرة أن الكلب والحمار والمرأة تقطع الصلاة أمام عائشة أم المؤمنين، فردت عليهم: تقارنونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت النبي على أهبة إقامة صلاته، وكنت ممددة على الفراش بينه وبين القبلة، ولكي لا يشرد ذهنه كنت أتحاشى أن أتحرك”، ويشير ابن مسروق إلى أن المؤمنين اعتادوا على أن يأتوا إلى عائشة؛ ليتأكدوا مما يسمعونه من أقوال، واثقين في أحكامها.

حاولت المرنيسي فهم شخصية أبي هريرة وعلاقته بالنساء، وكيف أثَّر ذلك على الأحاديث التي كان يرويها. ركزت عالمة الاجتماع المغربية، في بحثها، على التحليل النفسي لشخصية الراوي والسياق الاجتماعي والتاريخي. وأشارت في كتابها إلى أن أبا هريرة لم يكن يحب الأثر النسوي، مؤكدةً ذلك في حديثه: “لا تدعونني أبا هريرة، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، لقَّبني بأبي هر، والذكر أفضل من الأنثى”.

أبو هريرة.. راوي الأحاديث أغرق حياة المرأة العصرية اليوم

تُسلط الكاتبة في مؤلفها “الحريم السياسي” الضوء على معارضة عائشة لأحاديث أبي هريرة، وكيف وصفته قائلةً: “إنه غير موهوب، وعندما يكون ملتمسًا يعطي أجوبة فاسدة”.

ترى المرنيسي أن أبا هريرة موضوع التناقضات، وأنه روى أحاديث أغرقت حياة المرأة العصرية اليوم.

في المقابل، تُقارن عالمة الاجتماع المغربية بين عمر بن الخطاب وأبي هريرة، وكيف كان عمر يتجنّب رواية الأحاديث، ويخشى أن لا يكون مستقيمًا أو دقيقًا، معتبرًا أن للذاكرة قابلية للخطأ.

الخوف الخرافي من المرأة

تسرد المرنيسي مجموعةً من الأحداث؛ لتقرب القارئ من أسباب الخوف الخرافي من المرأة، هذا التوجس الذي أراد الرسول إزالته وتحرير المرأة منه.

اقرأ أيضًا: زواج المتعة بالعراق غطاء لدعارة الأطفال واستغلال النساء

تروم عالمة الاجتماع المغربية لكسر جدار الصمت وطرح قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب يستفز القارئ ويدعوه إلى العودة إلى الكتب والمراجع الدينية؛ لنبش ذاكرته بنفسه، متخلصًا من قيوده الفكرية.

غلاف كتاب “شهرزاد ترحل إلى الغرب”

 فالمرأة العصرية مطالبة، حسب المرنيسي، بالعودة إلى تراثها وإعادة قراءته من جديد؛ لاستعادة حقوقها، مشددةً على أهمية التخلص من الخوف الذي يسكن الباحث خلال عودته إلى التراث؛ بل يجب أن يتصالح معه وأن يفهم ذاته من خلاله.

تعتمد كاتبة “شهرزاد ترحل إلى الغرب” أسلوبًا استفزازيًّا قد لا يروق لأصحاب الأحكام الجاهزة، خلقت الجدال والنقاش الفكري والنقدي الذي بلغ أحيانًا حد القذف والشتم والتكفير.

دمجت بين البحث التوثيقي والبحث التاريخي والبحث الاجتماعي، ونجحت في أن تجمع بين المناهج الثلاثة في التحليل، موظفةً أسلوبًا سرديًّا ولغةً رشيقةً متحررةً من المفاهيم الأكاديمية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة