الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“فاتن أمل حربي”.. عمل متهم بنبش الموروث ونقد الفتوى الدينية

اتهامات لكاتب المسلسل باستهداف المؤسسة الدينية.. وترحيب من جهات نسوية بالتطرق إلى ملف يؤرق العديد من نساء مصر

كيوبوست

يثير مسلسل “فاتن أمل حربي”، منذ بداية عرضه في السباق الدرامي الرمضاني، حالة من الجدل بين مؤيد ومعارض للعمل الذي يناقش معاناة سيدة تقرر طلب الطلاق من زوجها، فتواجه صعوبات الحياة بمفردها، مع سعي طليقها للتنكيل بها وبابنتَيهما؛ من أجل إجبارها على العودة إليه، مستغلاً ثغرات قانونية في القوانين المنظمة للعلاقات بين الأزواج بعد الطلاق.

إثارة الجدل في العمل جاءت على مستويين بشكل رئيسي؛ الأول بين السيدات والرجال، فالرجال يرون أن المسلسل يظهرهم بشكل سيئ، أما الرؤية النسائية فتدافع عن المسلسل الذي أظهر عوار القانون وعدم قدرته في إجبار الرجل على الوفاء بالتزاماته تجاه طليقته وأبنائه بشكل سلسل.

اقرأ أيضًا: لعبة نيوتن.. نص جريء يجمع عناصر النجاح في مكان واحد

المستوى الآخر من الجدل ارتبط برجال الدين؛ حيث تلجأ فاتن خلال الأحداث إلى رجال الدين؛ من أجل معرفة ما يقوله الشرع حال ما قررت الأم الزواج مرة أخرى بعد الطلاق، ومدى قانونية احتفاظها بحضانة ابنتَيها في ظل ما يتضمنه القانون من النص على انتقال الحضانة إلى أم الأب في حالتها، بينما أثارت الصورة التي ظهر بها الشيخ يحيى، الذي يقوم بدوره محمد الشرنوبي، حالة من الجدل، في وقت صدر فيه بيان عن مركز الفتوى التابع للأزهر، ينتقد المسلسل ويتهمه بتعمد تقديم شخصية عالم الدين باعتباره “جاهلاً، إمعة، معدوم المروءة، دنيء النفس”؛ وهو ما اعتبره المركز تنمراً مستنكراً وتشويهاً مقصودًا مرفوضاً.

مشهد من المسلسل

جدل إبراهيم عيسى

يعتبر الناقد طارق الشناوي، أن إبراهيم عيسي، كاتب العمل، كتكوين مثير للجدل منذ بدايته في الصحافة، وكتاباته دائماً ما تكون محل آراء متعارضة كثيرة، ومواقفه السابقة ربما لعبت جزءاً في حالة الترقب التي جرى بها متابعة العمل، مشيراً إلى أن المسلسل يناقش قضية أعمق من قصة امرأة تريد الطلاق لأسباب متعددة.

تتفق معه في الرأي الناقدة ماجدة موريس، التي تؤكد أن جزءاً من ردود الفعل جاء لكون الكاتب هو إبراهيم عيسى، في الوقت نفسه هناك مشكلة حقيقية يطرحها من مختلف أطرافها، وتطرق إلى الجانب الديني فيها بمراجعة فقهية حتى يكون حديثه دقيقاً من الجوانب كافة.

ماجدة موريس

جاء المسلسل كانعكاس لأفكار إبراهيم عيسي وقناعاته وصراعه الداخلي مع الفقه والفقهاء، حسب حديث الكاتب الصحفي أحمد الصاوي، رئيس تحرير جريدة “صوت الأزهر”، الناطقة باسم الأزهر الشريف، لـ”كيوبوست”، الذي أكد أن المشكلة ليست في الفقه؛ لأن هناك حسماً أزهرياً من جانب شيخ الأزهر لهذا الأمر بالانحياز بشكل كامل لحضانة الأم وحقوقها الزوجية كمطلقة، مع إعطاء تفضيل مصلحة الطفل للقاضي الذي ينظر القضية، مؤكداً أن مصلحة الطفل في جميع الأحوال أن يكون مع والدته ما لم يكن هناك قلق عليهما.

وأضاف أن كاتب المسلسل كان عليه أن ينطلق من الحسم الأزهري لمعالجة القضية؛ خصوصاً أن الحسم الفقهي من الأزهر لهذه القضية لديه قدرة في الحفاظ على العلاقات بين جميع الأطراف بعد الطلاق، مشيراً إلى مفارقة رجوع كاتب المسلسل إلى مراجعة فقهية من الدكتور سعد الدين الهلالي، في الوقت الذي ينتقد فيه آراء الفقهاء ومواقفهم.

أحمد الصاوي

يعتقد الصاوي أن الأفضل عند مناقشة مثل هذه القضايا أن يتم طرح السؤال على أساس ما إذا كان هناك إجماع فقهي أم خلاف بين الفقهاء وليس التشكيك في الفقه بالكامل؛ وهو مدخل أضر بالعمل ولم يكن في صالح القضية التي يناقشها وتضمن توجيه رسائل مناهضة لرجال الدين، لافتاً إلى رواج جملة مهمة للغاية؛ وهي سؤال بطلة العمل عما إذا كان ما يقوله رجل الدين هو كلام الفقهاء أم ما ورد به نص صريح في القرآن.

قضية مهمة

لكن طارق الشناوي يرى أن العمل يتطرق إلى أهمية أن لا نستسلم كمجتمع إلى ما يقوله الفقهاء في كل شيء بالدنيا؛ ولكن علينا أن نعمل العقل، خصوصاً أن هناك إجماعاً بين العلماء على فتاوى منذ أكثر من 100 عام ولا يزال الأمر سارياً على الرغم من تغير الزمان والمكان؛ الأمر الذي يستوجب إعادة النظر فيها، معتبراً أن هذا الأمر يضع العمل ومؤلفه في مرمى النيران؛ لكون الجهات الدينية الرسمية في مختلف أنحاء العالم متحفظة بطبيعتها أمام أي تغيير.

طارق الشناوي

سلَّط العمل الضوء على قضايا في غاية الأهمية، حسب ماجدة موريس، التي تقول إن المسلسل يناقش عدة قضايا وليست قضية واحدة، وكشف للمجتمع عن الكثير من الأمور غير المعروفة للعامة في ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية؛ لا سيما في ظل نص القانون على وجود قضية لكل بند بشكل منفصل، بدلاً من النظر إلى الحالة بشكل عام، وبما يتناسب معها، فضلاً عن الأعداد الكبيرة من القضايا المنظورة أمام محاكم الأسرة كل يوم؛ الأمر الذي يستوجب البحث عن حلول، لأن مَن يدفع الثمن ليس طرفا القضية؛ ولكن الأبناء الذين يتعرضون إلى مشكلات متعددة قد تصل إلى التشرد، والمجتمع أيضاً يفقد دورهم.

في المقابل، ينتقد الصاوي محاولة تكريس دور الجمعيات الأهلية والمساجد باعتبار أنها جهات للفتوى؛ وهو أمر خاطئ، لأن الفتوى مكانها الطبيعي مشيخة الأزهر ودار الإفتاء، مشيراً إلى أن من بين ما يأخذ على العمل هو محاولة ترسيخ أن كلام الفقهاء يختلف عن كلام الله؛ وهو أمر يضر ولا ينفع، لأنه سيضع المجتمع في مأزق كبير؛ لكون الكثير من القضايا الحياتية التي تهم المواطن بحياته ومعاملاته حسمها الفقهاء ولم تحسمها النصوص المباشرة، والدكتور سعد الدين الهلالي، الذي تمت الاستعانة به لمراجعة العمل، لديه فتاوى فقهية في هذا السياق.

مشهد من المسلسل

لكن ماجدة موريس ترى أن المسلسل يعتبر أكثر الأعمال الفنية التي قدمت شرحاً للعلاقات بين الأزواج خلال فترة الطلاق وما بعدها والإطار الحاكم لها عبر القوانين، مشيرةً إلى أننا أمام قضية مجتمعية مهمة يجب نقاشها من أجل تغيير القانون؛ ليكون عادلاً لجميع الأطراف.

رغم اعتقاد كثير من الأزهريين أن العمل يمس بصورة رجل الدين؛ فإن أحمد الصاوي يرى أن رجل الدين شخص لديه مشاعر وأحاسيس، وهذا الأمر لا يعيبه على الإطلاق؛ لكن التحفظ الوحيد هو اللقاءات التي ظهرت داخل المسجد بهذه الطريقة، بالإضافة إلى انشغال الإمام وهو يخطب على منبره بشخص واحد في الصلاة وتوجيه رسائل إليه من خلال الخطبة.

يختتم الشناوي حديثه بالتأكيد أن الدكتور سعد الدين الهلالي، الذي استعان به صناع العمل، على الرغم من كونه ينتمي إلى الأزهر الشريف؛ فإنه يواجه اتهامات من المتزمتين بسبب مرونته، لافتاً إلى أن اختياره من جانب كاتب العمل لم يكن عشوائياً؛ ولكن اختار شخصية ستوفر له مراجعة فقهية مضبوطة للقضية التي يطرحها في العمل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة