الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

غياب المساواة يقوض القوة العسكرية

الانقسامات العرقية والطبقية والاجتماعية يمكن أن تضر كثيراً بالقدرات القتالية للجيوش.. ومجتمع الاستخبارات يتجاهل تلك العوامل في تقييمه قوتها

كيوبوست- ترجمات

جايسون لايال♦

أثارت الحرب في أوكرانيا جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت الطرق المتبعة في تقييم القدرات العسكرية صحيحة، ومع أن المحللين الأمريكيين أصابوا في توقعاتهم بأن روسيا ستغزو أوكرانيا في فبراير، فقد أخطؤوا تماماً في توقعاتهم بأن أوكرانيا ستسقط في غضون أيام. كتب جايسون لايال في موقع “فورين أفيرز” مقالاً يبحث فيه عن أسباب طول أمد هذه الحرب، وعدم قدرة الجيش الروسي على حسمها كما توقع كثيرون.

يرى لايال أن هنالك خطأ ما في كيفية تفكير مجتمع الاستخبارات الأمريكي بشأن القوة العسكرية وكيفية قياسها، ويشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أطلقت مراجعة داخلية شاملة لكيفية تقييمها للقوات العسكرية الأجنبية؛ بعد فشلها في تقييم الأوضاع في أفغانستان وأوكرانيا وغيرهما. ويشير إلى الجذور المشتركة لهذه الإخفاقات الاستخباراتية التي تتمثل في أنها تتجاهل الدوافع غير المادية للقوات العسكرية، والتفاوتات الاجتماعية داخل الجيوش وتأثيراتها في ساحة المعركة.

اقرأ أيضًا: روسيا تعلن عقيدة بحرية جديدة

أثبتت المؤشرات القابلة للقياس الكمي، مثل عدد الدبابات والجنود، أنها تعطي دلالات خاطئة عن أداء الجيوش، وما إذا كانت ستكسب الحروب. فحتى أكبر الجيوش وأفضلها تجهيزاً يمكن أن يفشل في ساحة المعركة؛ إذا كان يفتقر إلى التماسك والتصميم الذي يتمتع به أعداؤه. فالانقسامات العرقية والطبقية والاجتماعية يمكن أن تضر كثيراً بالقدرات القتالية لهذه الجيوش، ومجتمع الاستخبارات يتجاهل هذه العوامل في تقييماته.

تنفق الدول ثرواتٍ في تقييم قدرات جيوش بعضها بعضاً، وتنفق ثرواتٍ أكبر في محاولة إخفاء قدراتها العسكرية الحقيقية. وتجد أجهزةُ الاستخبارات نفسها مجبرةً على إصدار أحكامٍ وتقييماتٍ بناء على معلومات غير كاملة. كما أن التحيزات المعرفية، والسياسات الداخلية تؤديان في كثير من الأحيان إلى تشويه التقييمات، ولذلك غالباً ما يفضل المحللون الاعتماد على المقاييس الكمية أو العوامل الموضوعية؛ بما فيها أعداد الجنود، والإنفاق العسكري، ودخل الفرد، والتقنيات الجديدة، وجميع البيانات التي توفرها الأقمار الاصطناعية، والتنصت الإلكتروني، وأعمال التجسس وغيرها.

مقاتلون شيشان في أوكرانيا- أرشيف

يقول لايال إن الجيوش تعكس مجتمعاتها؛ ولذلك لا ينبغي للمحللين أن يسلموا بأن القوة المادية تترجم إلى انتصارات في ساحة المعركة؛ فهنالك الكثير من الجدل بين الباحثين حول مصادر الفاعلية العسكرية واعتمادها على عوامل غير مادية، مثل الأيديولوجيا، وشكل النظام الحاكم، والثقافة. وبما أن الجيوش تعكس الانقسامات المجتمعية للدولة؛ فإن ترك هذه الانقسامات دون إدارة صحيحة سيخلق احتكاكات تقوض القوة العسكرية. ومثال ذلك هو عزل السُّنة عن الحياة السياسية في العراق؛ الأمر الذي أدى إلى توترات طائفية في الجيش العراقي، أدت إلى فرار العديد من الجنود السُّنة في عام 2014؛ مما مهد الطريق لسيطرة “داعش” على الموصل رغم تفوق الجيش العراقي بالعدة والعتاد. الأمر الآخر الذي يميل المحللون إلى إغفاله؛ هو العوامل غير الملموسة، مثل معنويات الجنود، أو تماسك الوحدات العسكرية، والجانب الإنساني للحرب. وحتى عند النظر في هذه المسائل، يعتبر كثيرون الجيوشَ وحدةً متجانسة، وهذا أمر يخالف الواقع. وفي ظل هذا الواقع؛ فإن الحفاظ على الانضباط والنظام يشكل تحدياً كبيراً يعادل تحدي مواجهة العدو.

ولذلك؛ فإن التقييم الصحيح يتطلب فتحَ الصندوق الأسود للجيوش، ومعرفة تكوين المجموعات الاجتماعية التي يتكون منها الجيش، ومستوى عدم المساواة الكامنة بين هذه المجموعات، ثم معرفة كيفية تعامل الدولة مع كل مجموعة داخل جيشها. فغالباً ما يتم منح بعض المجموعات كامل الحقوق والامتيازات، بينما يتم التعامل مع مجموعات أخرى على أنها تتكون من مواطنين من الدرجة الثانية، والأسوأ من ذلك، عندما يتعرض أبناء هذه المجموعات إلى القمع السياسي العنيف. وكلما ازداد التمييز بين هذه المجموعات، زاد تراجع أداء الجيش في ساحة المعركة. وفي أثناء الحروب يمكن لمعالجة هذا التمييز أن يحسن قليلاً من أداء ساحة المعركة؛ لكنه لا يمكن أن يتغلب على إرث قمع الدولة قبل الحرب، الذي غالباً ما يؤدي إلى تآكل القدرة القتالية حتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى. إن انعدام المساواة يؤدي إلى فقدان الثقة بين الفئات المهمشة والدولة، ويؤدي إلى تآكل الروابط بين الجنود وبين الضباط ومرؤوسيهم. كما أن الجيوش التي تعاني عدم المساواة تميل إلى أن تكون قسرية تجاه أفرادها؛ خوفاً من التمرد الجماعي، وغالباً ما تستخدم التهديد أو العنف لخلق نوع من التماسك بين صفوفها؛ الأمر الذي يترك القادة في مواجهة حرب داخل حرب؛ من أجل فرض الانضباط وحشد القوة القتالية الكافية للمعركة. وفي أحيان كثيرة، تشجع الجنود على أعمال السلب والاغتصاب؛ كنوع من المكافأة على استمرارهم في الخدمة.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب والمتطوعون والمرتزقة

يرى لايال أنه من السهل رصد وجود عدم المساواة في الجيوش؛ فالدول لا يمكنها إخفاء هياكل مجتمعاتها، أو أعمال القمع فيها، كما أن التركيبة العرقية للدول يمكن أن تعطي مؤشراً على وجود الانقسامات في صفوف جيوشها، بينما يمكن للتقسيمات الطبقية أو الأيديولوجية أن تكون أكثر بروزاً في جيوش أخرى. كما يمكن رسم صورة للروح المعنوية للجيوش، ومدى تماسكها، ومدى ثقة الجنود بقياداتهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعكس صورة واضحة عن الروح المعنوية للجيوش

كما يمكن لغياب المساواة أن ينعكس في الطريقة التي تُجند بها الجيوش مقاتليها وتنشرهم في ساحة المعركة؛ إذ غالباً ما تقوم الجيوش، التي تفتقر إلى المساواة، بالتجنيد القسري من المجتمعات المهمشة؛ لحماية النظام من المشاعر المناهضة للحرب بين الأغلبية. ومن بين أسباب تعثر الغزو الروسي لأوكرانيا كان اعتماد الجيش الروسي على مجموعات من الأقليات غير الروسية، والمرتزقة القرغيزيين، والمجندين الروس الذين تم انتزاعهم من مناطق نائية فقيرة.

وفي الختام، يقول لايال إن رصد العوامل غير المادية في الجيوش لن يكون كافياً بحد ذاته، ولكنه سيشكل عاملاً مهماً في تحسين دقة التوقعات وبتكلفة قليلة للغاية بالمقارنة مع تكاليف التكنولوجيا المتطورة كالأقمار الاصطناعية والتنصت الإلكتروني.

♦رئيس مؤسسة جايمس رايت للدراسات الدولية في جامعة دارتموث، ومؤلف كتاب “الجيوش المنقسمة: عدم المساواة وأداء ساحة المعركة في الحرب الحديثة”.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة