الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمجتمع

غزوة البوركيني.. تستنفر فرنسا مجددًا

باريس- كيوبوست

فاجأت مجموعة مؤلفة من عشر نساء، يوم الأحد الماضي، رواد مسبح عمومي في مدينة غرونوبل الواقعة جنوب شرق فرنسا، عندما نزلن للسباحة بشكل جماعي وهن يرتدين مايوه السباحة الإسلامي المعروف بـ”البوركيني”، مدعومات من جمعية مدافعة عن حقوق النساء. وعند نزولهن إلى حرض السباحة أخبرهن مسؤول المراقبة أن ما يرتدينه مخالف للقانون، لكنهن أصررن على النزول وسبحن لمدة ساعة وسط تصفيق بعض الحضور؛ حتى وصلت الشرطة وتم تغريم النساء العشر بدفع مبلغ خمسة وثلاثين يورو.

جدل سياسي

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل إنه أعاد إلى المشهد الفرنسي صور عام 2016 عندما أُوقفت سيدة مسلمة ترتدي “البوركيني” على شواطئ مدينة نيس عقب عملية الدهس الإرهابية الشهيرة التي عرفتها المدينة؛ حيث أصبح هذا اللباس يرتبط في الذهنية الفرنسية بالإسلام السياسي المتشدد. صدرت حينها مجموعة من القرارات داخل بلديات المدن الساحلية تمنع ارتداء هذا اللباس، وتبرر ذلك بأسباب صحية أو أمنية؛ ليقرر مجلس الدولة في فرنسا، أعلى هيئة قضائية إدارية في البلاد، تعليق قرارات منع “البوركيني” في جنوب البلاد؛ وهو ما أشعل حينها عاصفة من الجدل لم تهدأ، وتستثيرها كل عام درجات الحرارة العالية ورغبة الفرنسيات المسلمات في ممارسة السباحة على الشواطئ وفي المسابح العامة.

واقعة مدينة نيس الشهيرة 2016

لكن غزوة “البوركيني” الجديدة فتحت الباب واسعًا أمام الأحزاب السياسية؛ خصوصًا تلك التي تنتمي إلى اليمين أو اليمين المتطرف؛ لوصف ما حدث في غرونوبل برسالة سياسية، واستفزاز إسلامي، وخروج على مبادئ العلمانية من قِبَل فئات تريد فرض شروطها على المجتمع الفرنسي، وهو ما أكده عضو حزب الجمهوريين الذي ينتمي إلى يمين الوسط في فرنسا ماتيو تشاموسي، لافتًا إلى أن “الإسلام السياسي يتقدم خطوة خطوة، وقضية المرأة تتراجع”.

اقرأ أيضًا: ما وراء مقولة الرئيس الفرنسي: “عندما ينطلق العنف تتوقف الحرية”

ظهور أول

ظهر “البوركيني” لأول مرة في فرنسا في عام 2009 قادمًا من أستراليا؛ حيث تُقيم مخترعته وهي أسترالية من أصل لبناني، أرادت أن توفر للمرأة المسلمة ثياب سباحة محتشمة، توفر لها الراحة؛ لكنَّ جدلًا حادًّا اندلع في ألمانيا وبلجيكا حول هذا اللباس، لتفتح فرنسا هذا الملف بقوة بعد ذلك وبشكل تزامن مع استهداف الإرهابيين أهدافًا مدنية راح ضحيتها عشرات الأرواح في هذا البلد.

وفي أغسطس 2016، رفضت إدارة مسبح في شمال مدينة مرسيليا طلبًا تقدمت به جمعية محلية لإقامة نزهة في المسبح لنساء يرتدين “البوركيني”.

وفي 13 أغسطس 2016، تزعّم عمدة مدينة “كان” الفرنسية، عريضة وقعها عدد من العُمد تمنع ارتداء “البوركيني” على الشواطئ التابعة للبلديات، ورفعت منظمات حقوقية دعوى ضد القرار؛ لكن المحكمة الإدارية أيَّدته.

حملة منظمة

ما حدث في حوض السباحة العمومي في غرونوبل لم يكن إلا جزءًا من حملة منظمة تقوم بها جمعية تُدعى “تحالف مواطني غرونوبل” منذ عام تقريبًا، وشاركت فيها نحو 600 سيدة؛ الهدف منها مكافحة سياسات تمييز تمارس ضد النساء المسلمات في فرنسا؛ بعضهن تحدثن إلى وسائل إعلام دولية، وأكدن رغبتهن في تشارك المسابح العمومية مع أطفالهن، مع ضرورة الحفاظ على خصوصيتهن، وهو أمر يشعرن أنهن محرومات من ممارسته بحرية في فرنسا.

بينما تحدثت ناشطة نسوية عن استغرابها من القوانين التي تسمح بارتداء ثياب تغطي الجسم بالكامل في حالات صحية معينة؛ لكنها تمنعه تمامًا  لو تم ارتداؤه لأسباب دينية.

اقرأ أيضًا: العصفور الأسود.. التطرف اليميني يقض مضجع فرنسا

 ملهمة هذه الحملة هي روزا باركز، وهي مواطنة أمريكية أُلقي القبض عليها في عام 1955؛ لرفضها التخلِّي عن مقعدها لراكب أبيض في مونتغمري، بولاية ألاباما؛ كان يطلب من الركاب السود، آنذاك، أن يدفعوا ثمن تذاكر السفر في مقدمة الحافلة، وأن ينزلوا منها ويتوجهوا إلى الباب الخلفي؛ ليجلسوا في المؤخرة. بل كان يتحتم عليهم أيضًا التخلِّي عن مقاعدهم للركاب البيض، إذا أخذت الحافلة في الاكتظاظ.

بعدها تحول احتجاج روزا باركز إلى حملة مقاطعة للحافلات؛ ما أدى في نهاية المطاف إلى القضاء على سياسة الفصل العنصري في الحافلات في الولايات المتحدة؛ إلا أن البعض يرى أن المقارنة بين العنصرية ضد السود التي كانت سائدة في أوروبا  قديمًا، ومنع البوركيني في المسابح العمومية مغالطة واضحة، فالمسلمون لا يواجهون عنصرية ضدهم في فرنسا، وإنما الجدل حول العلمانية والخصوصيات أكثر منها عنصرية وتحيُّزًا ضد ديانة محددة أو عرقية.

مسابح إسلامية

وكان الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو، قد لفت في كتابه الأخير “أوراق قطرية” إلى ظهور مراكز إسلامية ملحقة بمساجد في فرنسا، وتحتوي على حمامات سباحة تخصص ساعات للرجال وأخرى للنساء في ظل إصرار الحكومة على تغريم النساء اللواتي يُقدمن على ارتداء “البوركيني” في الشواطئ العامة، مشددًا على خطورة استمرار هذه المراكز الممولة بمبالغ ضخمة من مؤسسة قطر الخيرية، في فرض قوانينها القائمة على أُسس دينية؛ ما يشكل تهديدًا لقيم العلمانية في فرنسا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات