الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

غرب البلقان.. وكر الجهاديين وماكينة تفريخ المقاتلين الأجانب

ترجمات – كيوبوست

بلغ عدد الإسلاميين المتسللين إلى الجهاد من مواطني منطقة البلقان نحو 1070 فردًا، جاؤوا من بلدان مثل كوسوفو والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية وألبانيا وصربيا ومونتينيغرو. وكما هو معروف، فقد بدأت رحلات هؤلاء كغيرهم من المجاهدين إلى الأراضي العربية الملتهبة عام 2012؛ حيث عبروا الحدود وهم يحملون أحلامهم بالانضمام إلى الحركات الجهادية؛ كتنظيم الدولة الإسلامية الذي نجح بدوره في استقطاب عدد كبير منهم، تاركًا لفرع تنظيم القاعدة هناك وهو جبهة النصرة (الذي عُرف لاحقًا بهيئة تحرير الشام) أعدادًا أقل.

وبلغت هذه التدفقات مداها بين عامَي 2013 و2014، ثم توقفت عام 2016 وعاودت الظهور في عام 2017، لكن هذه المرة كانت الأمور على الحدود السورية قد تغيَّرت بشكل كبير؛ ما أدى بتلك المحاولات الأخيرة إلى الفشل.

سوريا والعراق

مارَس هؤلاء حياتهم الطبيعية داخل الأراضي السورية والعراقية؛ حيث تزوجوا وأنجبوا، وارتفعت نسبة المواليد الأجانب المنحدرين من أُسر قادمة من البلقان بشكل ملحوظ بين عامَي 2012 و 2019، طبقًا للتقارير الرسمية، بينما بلغ عدد الأطفال المولودين لآباء قادمين من كوسوفو والبوسنة فقط عام 2019 نحو 155 طفلًا، وبإضافتهم إلى عدد المتسللين الأصلي يصبح العدد الإجمالي نحو 1225 وافدًا أجنبيًّا.

اقرأ أيضًا: عودة الجهاديين البلقان إلى بلدانهم: ما هو حجم التحديات المقبلة؟

لكن ما حدث في بداية عام 2018 هو عمليات إعادة رسمية لمقاتلي تنظيم الدولة إلى بلدانهم؛ حيث استقبلت مقدونيا الشمالية في العام نفسه بعض مقاتلي التنظيم الذين تم القبض عليهم من قِبَل القوات الديمقراطية السورية بزعامة الأكراد، ومن ثَمَّ قامت قوات الجيش الأمريكي هناك بإعادتهم إلى بلدهم الأصلي في عملية هي الأولى من نوعها في أوروبا.

اقرأ أيضًا: تحت الرادار: الوجود الإيراني “الخفي” في البلقان

وتبع ذلك عودة نحو 110 مواطنين من كوسوفو إلى بلدهم الأصلي عام 2019؛ حيث تضمنت هذه الأعداد نحو 74 طفلًا و32 امرأة، بالإضافة إلى 4 رجال بالغين مشكوك في كونهم متورطين في حركات جهادية. وتعد هذه العملية هي الأكبر على الإطلاق خلال سنوات الحرب، وبالنسبة إلى بلدان أخرى؛ مثل البوسنة والهرسك، لم يحدث أن استقبل أيٌّ منهما سوى فرد واحد من المشكوك في تورطهم في ممارسة الإرهاب.

مجاهدون بلقان

فبعد حرب تكسير العظام التي شهدها الجهاديون في سوريا، لم يعد هناك من الجماعات النشطة القادمة من منطقة البلقان إلا إحدى كتائب هيئة تحرير الشام؛ الكتيبة التي تتألف بشكل خالص من الألبان وتُدعى “كتيبة زيماتي الألبانية” التي ما زالت تمارس نشاطها حتى الآن في المنطقة الشمالية الغربية من إقليم إدلب السوري. ولا ينفي ذلك وجود مقاتلين آخرين قادمين من منطقة البلقان حتى الآن، لكن تبقى الكتيبة الألبانية هي الكيان البلقاني الوحيد الذي يضم مجموعة عرقية موحدة هناك. وكما هو مفهوم لم يكن للمقاتلين الألبان داخل الأراضي السورية الحفاظ على وحدتهم في كيان مسلح واحد إلا إذا كان لديهم من العدد والقدرات العسكرية ما يكفي.

العائدون إلى الوطن

كانت معدلات الجهاديين المتسللين من كوسوفو والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية كبيرة بالقدر الذي يجعلها من أعلى معدلات النزوح في أوروبا مقارنة بتعداد السكان في تلك البلدان؛ حيث بدأت عمليات النزوح مع اشتعال الحرب الأهلية في سوريا، لذلك عندما بدأت عمليات إعادة النازحين إلى بلدانهم الأصلية، كان غرب البلقان هو الطرف الذي نال نصيب الأسد. وطبقًا للتقارير الرسمية، بلغ عدد العائدين من سوريا والعراق إلى البلقان نحو 460 فردًا؛ منهم 242 مواطنًا قاموا برحلتَي ذهاب وعودة إلى كوسوفو.

اقرأ أيضًا: مخاطر تسلل المقاتلين الأجانب العائدين من دول البلقان الغربية إلى الاتحاد الأوروبي

 وإذا تأملنا الأرقام الرسمية، فسوف نجد أن الاتحاد الأوروبي كاملًا والبالغ تعداد سكانه نحو 500 مليون نسمة قد استقبل 1500 فرد فقط من العائدين إلى أوطانهم، وبمقارنة هذه الأرقام مع تعداد سكان غرب البلقان والعائدين إليه، فسوف نجد أن هذه المنطقة قد شهدت أعلى تركيز للمواطنين الراغبين في الانضمام إلى الجماعات الجهادية من بين كل البلدان الأوروبية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الأحكام القضائية التي وقعت على المتهمين بالإرهاب في البلقان الغربية يمكن وصفها بالأكثر تساهلًا في أوروبا، فبينما تلقَّى المتهمون بجرائم الإرهاب في أمريكا أحكامًا تصل إلى 13.5 عام سجنًا، كانت المحاكم الأوروبية تصدر أحكامًا أكثر لطفًا وصلت إلى 5 سنوات عام 2017، و7 سنوات بالسجن عام 2018!

اقرأ أيضًا: إشكالية إعادة المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم

ولعل الأمر شديد الأهمية بخصوص العائدين إلى مواطنهم، بخلاف هؤلاء الذين تلقوا أحكامًا بالسجن، أن هناك احتمالية قائمة على الدوام لوجود بعض المفلتين من العقاب، وهم في الغالب يتمتعون بكامل حقوقهم كمواطنين الآن في بلدانهم الأصلية. ولا أحد يستطيع نفي قيام بعض شبكات الدعم بمساعدة الجهاديين على العودة دون أن يتم كشفهم من قِبَل السلطات، أو على الأقل توفَّرت لديهم الإمكانية لإخفاء أنفسهم بعض الوقت.

اقرأ أيضًا: مصادر استخباراتية: إيران تعمل بشكل سري في البلقان

هناك مثلًا أحد القياديين الذين تولُّوا تجنيد المجاهدين في تنظيم الدولة السابق، هذا الرجل كان قد نجح في العودة مرة أخرى إلى البوسنة، ويُذكر أنه قام بالسفر إلى سوريا عام 2013، وأنه يحمل كلًّا من جنسية كوسوفو وإقامة دائمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

مجال العمل والتأثيرات المحلية

وقد أثمرت الحرب ضد الإرهاب عن اعتقال المئات من الجهاديين وإدانتهم؛ لكن الأهم من ذلك أنها كشفت عن كثير من المعلومات التي كانت غامضة حول البنية التحتية لتلك الجماعات الراديكالية المنظمة بشكل محكم. وأجابت عن أسئلة مثل كيف يتم تجنيد الأفراد؟ وكيف تقوم بحشد الناس في مناطق بعينها؟ وما دور المساجد غير الرسمية والجمعيات الخيرية ذات الخلفية الدينية في ذلك؟ وماذا عن هؤلاء الذين يتولون إدارتها من رجال دين ومتعصبين؟

مدخل قرية جورنا ماوا شمال شرق البوسنة وقد زُيِّن بشعار تنظيم الدولة

فهؤلاء الناس يسلكون طرقًا متبعة لنشر التطرف وحشد الجماهير في البلقان وفي أوروبا بأسرها؛ حيث يولُّون بعض المنظمات السلفية هناك مهمة مساعدة المتطرفين على دخول سوريا والعراق، ويمكننا وضع أيدينا على بعض الأسماء؛ مثل منظمة الشريعة في بلجيكا، وجماعة ميلاتو إبراهيم، وجماعة الدين الحق. وبالنسبة إلى منظمة الشريعة ببلجيكا فقد أُدين نحو 45 عضوًا من أعضائها بتهمة المشاركة في إرسال المقاتلين إلى سوريا.

ولكل الأسباب السابقة يمكننا اعتبار المقاتلين الأجانب القادمين من منطقة غرب البلقان هم الأخطر على الإطلاق، وهو ما يدفعنا كذلك إلى الالتفات إلى الجانب الخفي من القصة: مَن يقوم بتوفير الغطاء الأيديولوجي والمقومات اللوجستية والدعم المالي لهؤلاء المقاتلين؟ لأن تتبع هؤلاء الناس ومعرفة الكيفية التي يعملون بها سيقودنا إلى تذكر أن مَن يقوم بتوفير الدعم هو نفسه مَن يقوم على الأرجح بالتخطيط للعمليات الإرهابية.

اقرأ أيضًا: التهديد الإرهابي في أوروبا.. من الجيش الجمهوري الأيرلندي إلى تنظيم الدولة الإسلامية

فرنسا هي الأخرى ليست بمعزل عن أخطار الإرهاب، ولم يخلُ تقرير المخابرات الفرنسية المقدم في مارس 2018 إلى مجلس الشيوخ الفرنسي من بعض الأرقام المزعجة؛ حيث قام نحو 1309 من المواطنين والحاصلين على الإقامة في فرنسا بالسفر إلى سوريا والعراق بداية من عام 2012. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فلدينا على الجانب الآخر (ملف تقارير مكافحة التطرف ذي الطبيعة الإرهابية) في فرنسا، والذي تحدث عن وجود 19725 شخصًا يعيشون داخل فرنسا توجد شكوك في ميولهم المتطرفة ونزعتهم لارتكاب جرائم عنف؛ ومن بين هؤلاء يوجد 4000 شخص يمكن وصفهم بالنماذج الخطرة.

يُذكر أن (ملف التقارير) هو قاعدة بيانات تستعين بها أجهزة الأمن الفرنسية لتعقُّب حجم الخطورة التي يشكلها المتطرفون الإسلاميون على المجتمع الفرنسي.

أما في بريطانيا فهنالك نحو 23000 جهادي متطرف يعيشون على أراضي المملكة. وقد وردت هذه الأرقام المفزعة في تقرير أصدره المكتب الخامس للاستخبارات العسكرية البريطانية، ومن بين هذا الرقم تم استدعاء نحو 3000 شخص إلى 500 تحقيق جنائي، كما كانوا مصب اهتمام عمليات مراقبة واسعة استهدفتهم خلال عام 2017 فقط. تلك الأرقام من المتطرفين الذين يمارسون حياتهم داخل حدود المملكة ويشكلون خطرًا على أمنها القومي تبدو كبيرة للغاية؛ حتى إنها تفوق بمراحل تعداد الجهادييين الذين نجحوا في مغادرة بريطانيا للقتال في سوريا والعراق بـ27 ضعفًا، حيث بلغ إجمالي المقاتلين الأجانب القادمين من المملكة نحو 850 شخصًا في 2017.

لقد توصَّلت عمليات البحث إلى الكشف عن نحو 27 صفحة وقناة نشطة على تطبيق “تليغرام” في 11 مارس 2019، كان الجهاديون قد استخدموها للتواصل في ما بينهم، وضمت قنوات الاتصال الإلكترونية عمومًا نحو 6352 متابعًا؛ حيث يقوم جهاديون ومقاتلون من تنظيم داعش بإدارة نحو 13 قناة اتصال، بينما تقوم هيئة تحرير الشام بإدارة 6 قنوات، ويقوم داعمون لجماعات جهادية غير محددة بإدارة النسبة المتبقية البالغ عددها 8 قنوات.

نماذج دعائية لمجاهدي البلقان على قنوات التواصل

وتمتلك هذه القنوات أهدافًا واضحة؛ أهمها العمل على تنمية الحركات الجهادية، حيث يتضمن محتواها مشاركة للأخبار التي تتناقلها القنوات الإعلامية الخاصة بمؤسسات جهادية موزعة في مناطق عمل مختلفة، ولا يمنع الأمر من مشاركة بعض الأدبيات السلفية والخطب الدينية؛ حيث يتولى هذه المهام رجال دين محليون وأجانب سبق سجنهم في قضايا إرهاب. كما لا يخلُ الأمر من نشر مقاطع الفيديو الدعائية والرسوم التوضيحية والأناشيد الجهادية؛ لمشاركتها مع باقي الأعضاء.

يُذكر أن إحدى المحاكم في كوسوفو أصدرت حكمًا جنائيًّا في أواخر عام 2017 على أحد الداعمين لتنظيم الدولة الإسلامية بالسجن لمدة عام ونصف العام؛ حيث تم اتهامه باستغلال مواقع التواصل الاجتماعي للتحريض على شن عمليات إرهابية تستهدف المؤسسات الحكومية والسفارات الأجنبية في كوسوفو.

الخلاصة

يجب اتخاذ الاحتياطات الواجبة تجاه العائدين إلى الوطن من المتطرفين الإسلاميين؛ أهمها توجيه قدر أكبر من الاهتمام والموارد لمراقبة وتقدير حجم الشبكات الإرهابية في المنطقة. ولحُسن الحظ، يمكننا الدفع بأن دول غرب البلقان بدأت في تفهُّم الوضع واتخاذ بعض القرارات اللازمة لمواجهة الموقف، وهو ما يبدو واضحًا في عمليات الاعتقال والإدانة والهجمات الأمنية التي شنتها حكومات البلقان على معاقل الإرهاب في الفترة الأخيرة.

وعلى صناع القرار الانتباه إلى أن المخططات المعتادة للحفاظ على الأمن القومي لبلدانهم ينبغي أن تتغير تبعًا للمعطيات الجديدة؛ مثل التغيرات الديمغرافية التي تتبعها الحركات الجهادية، حيث تقوم المجموعات المتبقية من مجاهدي غرب البلقان في سوريا بإعادة تشكيل نفسها، وهم يخضعون الآن على غير العادة لقيادة مجموعة من الزعماء البعيدين عن موقع المعركة.. كل هذه التحديات ينبغي أن تصب في صالح مكافحة الإرهاب كأولوية للأمن القومي.


 الكاتب: أدريان شتوني، متخصص في السياسة الخارجية وشؤون الأمن لمنطقة غرب البلقان وشرق المتوسط.

 المصدر: مركز مكافحة الإرهاب

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة