الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

غذاؤنا اليومي ربما سيصبح سلعاً فاخرة في المستقبل

كيوبوست- ترجمات

إيزابيل غيريتسن

بدأت تأثيرات التغيرات المناخية تظهر جلية في السنوات الأخيرة من خلال الفيضانات والأعاصير ومواسم الجفاف وموجات الحر الشديد.. وغيرها؛ ولكن لا يزال هنالك تأثيرات أخرى لم نشهدها بعد. شبكة “بي بي سي” تلقي الضوء، في مقال نشرته مؤخراً، على إحدى هذه الانعكاسات التي من المتوقع أن تتجلى خلال العقود المقبلة. تقول كاتبة المقال إيزابيل غيريستن: إن الأطعمة الشائعة اليوم كاللحوم والتوابل والقهوة على سبيل المثال، ربما ستصبح سلعاً فاخرة نتيجة التغيرات المناخية وتغير الذوق العام.

 

وترجع غيرستين إلى القرن الثامن عشر عندما كان تناول الكركند شائعاً بين الطبقات الأكثر فقراً أو كان يقدم كطعام للسجناء أو حتى يستخدم كسماد. وتشير إلى أن الكركند لم يتحول إلى وجبة فاخرة إلا مع تطور منظومة السكك الحديدية، وبعد أن بدأ مشغلو القطارات بتقديمه لركابهم الأثرياء الذين لم يكونوا على دراية بسمعته السيئة في الساحل الشرقي للبلاد. وسرعان ما أخذوه معهم إلى مدنهم وبدأ يظهر في قوائم المطاعم الفخمة في أواخر القرن التاسع عشر كوجبة فاخرة.

اقرأ أيضاً: التغيرات المناخية أسهمت في تدمير أربع حضارات قديمة.. فهل حان دورنا؟

ثم تتساءل غيريستن: ما الذي يجعل نوعاً من الطعام وجبة فاخرة؟ وتقول إن الندرة والسعر يلعبان دوراً مهماً بهذا الشأن.

وكما هي الحال بالنسبة إلى الكركند، يرتبط المحار بالمطاعم الفاخرة والمناسبات الخاصة؛ بسبب سعره المرتفع، ولكنه لم يكن يتمتع بهذه المكانة في الماضي؛ ففي القرن التاسع عشر كان وجبة الفقراء، إلى أن تراجعت كمياته مع بداية القرن العشرين؛ بسبب الصيد الجائر والتلوث الناجم عن النفايات الصناعية، وبدأ سعره يرتفع إلى أن أخذ مكانته بين الوجبات الفاخرة.

كان الكركند متوفراً بكثرة إلى درجة أنه كان يستخدم كسماد ويقدم كطعام للسجناء- “بي بي سي”

وفي المقابل، هنالك بعض المأكولات التي كانت متاحة للأغنياء فقط، كالسلمون والسكر، ثم فقدت هالة الرفاهية عندما بدأ الناس بزراعتها وإنتاجها بكميات كبيرة، فانخفضت أسعارها وتوفرت على نطاق واسع. كما أن العديد من الفواكه والخضار كانت لا تتوفر إلا في مواسمها فقط؛ ولكنها أصبحت تتوفر على مدار السنة، وهذا يغير مفهوم تصنيف هذه المواد من حيث مفهوم الرفاهية.

وتشير كاتبة المقال إلى أن شغف الناس بتناول الأطعمة النادرة يأتي بثمن باهظ بالنسبة إلى كوكبنا. فعندما يصبح نوع من الأسماك نادراً يرتفع ثمنه، وهذا يخلق حافزاً لمزيد من الصيد الذي يدفع بهذا النوع إلى حافة الانقراض.       

اقرأ أيضاً: لا ينبغي للتغيرات المناخية أن تؤجج الصراعات

ثم تستشهد غيريتسن بأستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة غلاسكو إستير بابيز، التي تقول: “إن سياق تناول الطعام مهم جداً لخلق الرغبة فيه”. وتشير إلى أن تناول الأطعمة الفاخرة غالباً ما يرتبط بالمناسبات الاجتماعية؛ كالخروج إلى المطاعم وقضاء الإجازات. وترى أيضاً أن الذكريات الإيجابية الدافئة عندما تشارك وجبة مع الآخرين تزيد من تقدير الناس لبعض الأطعمة التي غالباً ما يتم تناولها مع العائلة والأصدقاء في المناسبات والأعياد.

وبينما كانت بعض الأغذية مثل الشيكولاتة والقهوة والتوابل تعتبر مواد فاخرة، فقد أصبحت اليوم مواد أساسية على رفوف المتاجر في الدول المتقدمة؛ ولكن ارتفاع درجات الحرارة وتقلب مواسم الأمطار يهدد بتغير هذا الوضع مرة أخرى خلال العقود القليلة المقبلة.

كان المحار متوفراً بكثرة في القرن التاسع عشر.. وكان طعاماً للمجتمعات الأكثر فقراً- “بي بي سي”

كانت حبوب الكاكاو في ذروة حضارة المايا تعتبر عملة ذات قيمة تستخدم في دفع أجور العمال وتبادل البضائع في الأسواق. وعندما جلبها التجار الإسبان إلى أوروبا احتلت مكانتها في القصور الملكية كسلعة فاخرة، إلى أن اخترع الكيميائي الهولندي كونراد هوتن، طريقة لمعالجة حبوب الكاكاو لإنتاج الشيكولاتة بكميات كبيرة وكلفة منخفضة.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى القهوة التي كانت من المواد النادرة التي تستخدم في الطقوس الدينية في إثيوبيا قبل أن يحضرها التجار الأوروبيون إلى بلادهم في القرن السابع عشر؛ حيث أصبحت تقدم في المقاهي واكتسبت شعبية كبيرة.

اقرأ أيضاً: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

تقول كاتبة المقال إن القهوة والشيكولاتة معرضتان اليوم لأن تصبحا من المواد النادرة مرتفعة الثمن مرة أخرى؛ بسبب تغير المناخ. فربما تصبح مساحات شاسعة من غانا وساحل العاج غير صالحة لزراعة الكاكاو إذا ما وصل معدل الاحترار العالمي إلى درجتَين مئويتَين. وتقول إن تغير المناخ ربما سيقضي على نصف المساحات المستخدمة في إنتاج القهوة على مستوى العالم بحلول عام 2050. وتشير الكاتبة إلى دراسة مفادها أن مساحة الأراضي الصالحة لزراعة القهوة في أمريكا اللاتينية سوف تتراجع بنسبة 88% بحلول عام 2050؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى العديد من المحاصيل؛ مثل التوابل والفانيلا.

اقرأ أيضاً: ترجمات: ما العلاقة بين التغيُّر المناخي وأمراض المحاصيل الزراعية؟

ولمواجهة التغيرات المناخية والحد منها، ربما تتجه بعض الدول إلى فرض ضرائب على اللحوم؛ من أجل تقليص بصمتها الكربونية، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع أسعار اللحوم فيها لتصنَّف كمادة فاخرة.

ربما ستؤدي التغيرات المناخية إلى القضاء على نصف المساحات المستخدمة في زراعة القهوة بحلول عام 2050- “بي بي سي”

تُسهم تربية المواشي بنسبة 14.5% من انبعاثات غازات الدفيئة في العالم، ويُسهم إنتاج اللحوم الحمراء بنسبة 41% منها. ويؤدي إنتاج لحوم البقر في العالم إلى انبعاثات تعادل تلك التي تنتجها الهند على سبيل المثال. وتتطلب مساحات من الأراضي تزيد عشرين مرة على تلك اللازمة لإنتاج نفس الكمية من المحاصيل الغنية بالبروتين؛ مثل البقوليات.

ثم يشير المقال إلى تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يفيد وجود “انفصال مقلق بين أسعار التجزئة للمواد الغذائية وتكاليف إنتاجها الحقيقية”. ونتيجة لذلك، فإن الغذاء المنتج بتكاليف بيئية كبيرة متمثلة في انبعاث غازات الدفيئة وتلوث المياه والهواء وتدمير الموائل الطبيعية، يمكن أن يبدو أقل كلفة من البدائل المنتجة بطرق مستدامة بيئياً.

اقرأ أيضاً: حتى 2030 فقط.. الكوكب أمام فرصة أخيرة للنجاة من كوارث التغير المناخي

فنحن عندما نتناول قطعة من اللحم لا ندفع ثمن التدهور البيئي الذي تسببه صناعة اللحوم، وعلى الرغم من أن فرض ضريبة على اللحوم ربما يقلل من بعض الآثار الضارة لهذه الصناعة؛ فإنها تبقى خطوة غير شعبية من الناحية السياسية. ولكن يمكن لهذا الأمر أن يتغير مع ازدياد أعداد مَن ينظرون إلى تناول اللحوم على أنه أمر لا يمكن أن يستمر من ناحية الاستدامة.

وتختم غيريتسن مقالها بالإشارة إلى قول بابيز: “نأمل أن نحصل في المستقبل القريب على سياسات تسعير أكثر دقة ودعم زراعي يرتبط بالغذاء الذي ننتجه بالشكل الذي يساعد على خلق نظام أكثر استدامة”.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة