الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

غبار الغزو الروسي لأوكرانيا سيكشف عن أوروبا مختلفة

دينيس ساموت♦

مثل كثيرين غيره ربما يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد أساء فهم الوضع الحالي في أوروبا عندما أخذ قراره بتدمير النظام الأمني الأوروبي القائم وغزو أوكرانيا.

بالنسبة إلى المراقبين الخارجيين تبدو أوروبا مفككة ومقسمة ومتآكلة. والمشكلة التي يقع فيها مَن يقيمون العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوروبا على هذا الأساس ترجع إلى حقيقة أن هذا الافتراض لا يعكس إلا جزءاً صغيراً من الواقع.

حاول الكرملين منذ بعض الوقت تضخيم متاعب ومشكلات أوروبا، وتعزيز المشاعر الشعبوية، والتحريض على الانقسام؛ ولكن على ما يبدو فقد وقع هو نفسه في مطلع هذا العام ضحية دعايته هذه. وعلى الرغم من التحذيرات الواضحة والصريحة؛ فإن روسيا أقدمت على غزو أوكرانيا، الأمر الذي أدى إلى تمزيق كل الترتيبات الخاصة بالعلاقات ضمن القارة التي كانت قائمة منذ عقود. لقد استهانت روسيا برد الغرب، وتوقعت أن الولايات المتحدة بعد خروجها غير اللائق من أفغانستان كانت تنسحب من التزامها طويل الأمد بالأمن الأوروبي وتركز بدلاً من ذلك على منطقة المحيطَين الهندي والهادي. لقد كانت موسكو واثقة من أن أي رد فعل أمريكي على تدخلها في أوكرانيا سيكون ضعيفاً. أما بالنسبة إلى الأوروبيين، فقد كان الكرملين على قناعة بأن عملاء موسكو قد رسخوا أقدامهم في كييف قبل أن يجتمع الأوروبيون لاتخاذ موقف موحد، وسيكون لزاماً عليهم التكيف مع الأمر الواقع الجديد كما فعلوا عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم.

اقرأ أيضًا: المجد لأوكرانيا: تحليل الرواية التي تستخدمها كييف لجذب المقاتلين الأجانب

ولكن لسوء حظ الرئيس بوتين لم تتم الأمور كما كان يتوقع. وعندما بدأ الغزو الروسي تجمع الأوكرانيون والأوكرانيات حول قيادة بلدهم وقاتلوا كالأسود واللبؤات ضد الغازي الروسي وما زالوا يقاتلون. والولايات المتحدة التي كان لديها الوقت الكافي لاستيعاب أبعاد الغزو بفضل الاستخبارات الجيدة التي كشفت نيَّات وخطط الروس منذ الصيف الماضي، قامت برد قوي وجمعت الحلفاء وتقدمت لقيادتهم. وقد أدى المستوى غير المسبوق من الوحدة والالتزام في الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ قرارات سريعة كان منها تمويل وتسليح القوات الأوكرانية إلى جانب تقديم الدعم لأكثر من أربعة ملايين لاجئ وفرض خمس حزم من العقوبات -السادسة ستأتي قريباً- على الرغم من كلفة هذه العقوبات المرتفعة على الدول الأوروبية وعلى دافعي الضرائب الأوروبيين.

بوتين في طريقه لترؤس اجتماع لجنة الأمن في موسكو بعد يوم من الهجوم الرسمي على أوكرانيا- سبوتنيك

كان بوتين يدرك أن هنالك ثمناً لا بد أن يدفعه نتيجة غزوه أوكرانيا؛ ولكنه كان يعتقد أنه ثمن سيكون هو وروسيا قادرَين على دفعه. ولكن ما حدث لم يكن في حسبان الكرملين. فقد تحول الغزو إلى حرب دخلت بالفعل أسبوعها السادس. وربما ستكون القوة الروسية المتفوقة قادرة على انتزاع أجزاء من أوكرانيا؛ لكن ذلك سيكون انتصاراً مؤلماً للغاية.

ولكن ما تداعيات ذلك على بقية أوروبا؟ كيف ستخرج أوروبا من هذه الحرب المأساوية العبثية؟

على الرغم من العيوب الكثيرة في الاتحاد الأوروبي؛ فإنه لا يزال يمثل قصة نجاح تضم 27 دولة عضواً والعديد من الدول المرشحة للعضوية والدول المرتبطة والشركاء. وعلى مدى عقود حافظ الاتحاد على السلام بين أعضائه وحقق الازدهار للكثيرين في وروبا، وهو يعتبر بشكل عام من قوى الخير في العالم، وقوة اقتصادية عظمى تمثل سدس الاقتصاد العالمي.

وحتى الآن كانت الأداة التي اختارها في سياسته الخارجية هي القوة الناعمة؛ إذ إن الكثير من الدول الأوروبية خفضت ميزانياتها الدفاعية في أعقاب نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، وركزت على توفير الخدمات الصحية والتعليمية عالية الجودة ونوعية حياة أفضل لمواطنيها. واليوم تقف دول عديدة في انتظار الانضمام إلى الاتحاد.  

اقرأ أيضاً: تداعيات الصراع الروسي-الأوكراني على الحركات المتطرفة والإرهابية

حتى قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية كانت غيوم الحرب تتجمع في الأفق، وهذا ما أثار نقاشاً داخلياً في الاتحاد الأوروبي أدى إلى الإعلان عن “البوصلة الاستراتيجية”، وهي وثيقة ترسم خريطة الإجراءات الدفاعية والأمنية المستقبلية. نُشرت هذه الوثيقة في مارس؛ بينما الحرب في أوكرانيا طغت عليها وتجاوزتها إلى حد ما. ولكن إلى حد معين فقط؛ لأن معظم افتراضات البوصلة الاستراتيجية قد تعززت بالفعل نتيجة ما يجري في أوكرانيا وحولها.

مواجهة روسيا

على مدى العقدَين الماضيَين انجرفت روسيا تحت قيادة بوتن وحلفائه المتشددين في الكرملين من كونها شريكاً للاتحاد الأوروبي إلى خصم له، ومنذ الرابع والعشرين من فبراير إلى عدو. واليوم روسيا والاتحاد الأوروبي ليسا في حالة حرب؛ ولكنهما على حافتها.

من آثار حرب روسيا وأوكرانيا-وكالات

ومن غير المرجح أن تتحسن العلاقات قريباً. وحتى لو قرر بوتين الحد من خسائره في أوكرانيا والالتزام بوقف لإطلاق النار، فإن هذا لن ينهي الأمر. لقد أثارت الحرب سلسلة جديدة من المشكلات من المرجح أنها ستلازمنا لعقود مقبلة. فروسيا متهمة بارتكاب جرائم حرب، ويجادل البعض بأن قيادتها؛ بما فيها الرئيس بوتين شخصياً، يجب أن تخضع للمساءلة أمام العدالة. وهنالك أيضاً مسألة التعويضات التي يرى كثيرون أنه يجب إلزام روسيا بأن تدفعها لأوكرانيا بسبب شنها حرباً ظالمة ضدها. وعلى الأرض في أوكرانيا هنالك احتمال لأن تستمر الاشتباكات المحلية الصغيرة حتى بعد وقف إطلاق النار. ولم يعد هنالك مكان للحوارات الهادئة “بصيغة النورماندي” مع فرنسا وألمانيا كوسيطَين نزيهَين. كما أن العقوبات القاسية المفروضة على روسيا سوف تضعفها؛ ولكن ليس إلى القدر الكافي الذي يجعلها تخضع للضغوط الدولية. والدب الجريح يمكن أن يكون أكثر خطراً من ذي قبل، ومن المرجح أن يكون هذا حال روسيا أيضاً. والآن يجب على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أن يتكيفوا مع العيش إلى جوار بلد معادٍ وخطير.

إحياء حلف شمال الأطلسي

كان حلف شمال الأطلسي إحدى المنظمات التي أعادت اكتشاف ذاتها أثناء الأزمة الحالية. لقد خدم الحلف أوروبا الغربية بشكل جيد في فترة الحرب الباردة؛ ولكنه منذ انتهائها أصبح يعاني الخمول. ولكن ليس بعد الآن. لقد تم إحياء الناتو ويجري الآن للمرة الأولى نشر عشرات الآلاف من جنوده في أوروبا الشرقية. والتزمت دوله الأعضاء بزيادات هائلة في إنفاقها الدفاعي. وقد كانت أوكرانيا بمثابة جرس إنذار لألمانيا على وجه الخصوص، كما أن التحول في الرأي العام في فنلندا والسويد يشي بأن الدولتَين ستتقدمان بطلب الانضمام إلى عضوية الحلف قبل حلول الصيف؛ في تعبير صارخ عن المخاوف في أوروبا. والآن من القطب الشمالي إلى البحر الأسود، يواجه الناتو روسيا ويستعد للأسوأ.

اقرأ أيضاً: من أفغانستان إلى أوكرانيا: خطر المقاتلين الأجانب في أوروبا

هل يمكن وضع هندسة أمنية أوروبية جديدة؟

ينظر كثيرون إلى الوراء بحثاً عن الخطأ الذي وقع، وعن العوامل التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه بهذه السرعة. يمكن القول إن الغرب أساء الأداء في عملية إعادة بناء الأمن الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة، وإن عملية إعادة بناء الهندسة الأمنية الأوروبية الجديدة المريحة بالنسبة إلى روسيا قد فشلت؛ ولكن يصعب القول إن هذا كان خطأ الدبلوماسية. كانت مشكلة العقود الثلاثة الأخيرة؛ خصوصاً العقدَين الأخيرَين هي أن روسيا لطالما كانت ترفض قبول سيادة واستقلال جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وبدلاً من ذلك استمر بوتين وغيره من الكرملين يتحدثون عن مأساة انهيار الاتحاد السوفييتي. وبدأ الكرملين في قضم الأراضي في كل من جورجيا عام 2008 وأوكرانيا عام 2014. وفي هذا العام أصبح الرئيس بوتين أكثر جرأة وقرر أن يستهدف الدولة بأكملها وقام بغزو أوكرانيا ومحاولة احتلالها. وبذلك أصبح أي حديث عن الأمن الأوروبي الجماعي يبدو سوريالياً للغاية.

ولكن حتى عندما يواجه الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو روسيا تبقى بعض الشراكة معها أمراً ضرورياً. يأمل المتفائلون في العواصم الأوروبية أن النظام السياسي الروسي سيجد القوة اللازمة لتصحيح نفسه، واستبداله ببوتين، إذا لم يكن زعيماً ليبرالياً وديمقراطياً، فعلى الأقل زعيماً استبدادياً أكثر براغماتية. ويرى آخرون أن التهديد بعيد الأمد لروسيا لا يكمن في الغرب؛ بل في الصين وأطماعها القديمة في سيبيريا. ولأي سبب من الأسباب ستكون هنالك نقطة في المستقبل عندما ترغب روسيا في إعادة بناء علاقاتها مع أوروبا، لذلك يجب أن تبقى قنوات الدبلوماسية مفتوحة من أجل العودة إلى علاقات حسن الجوار في القارة مع أنه من غير المرجح أن يحدث هذا قريباً.

ناقلة جنود مصفحة يستخدمها المتمردون الذين تدعمهم روسيا في دونيتسك، شرقي أوكرانيا- روسي

القوة الناعمة.. والقوة الصلبة.. والقوة الذكية

إذن أين أصبح الجدل في أوروبا حول استخدام القوة الناعمة مقابل القوة الصلبة؟ لقد ولَّى زمن استخدام أوروبا القوة الناعمة فقط لإظهار قوتها ونفوذها. ولأسباب كثيرة، لا تمتلك أوروبا القدرة ولا الإرادة لنشر القوة الصلبة بين ليلة وضحاها، ولا حتى في المستقبل القريب. لا يزال جيش الاتحاد الأوروبي حلماً بعيد المنال؛ ولكن الاتحاد الأوروبي لديه القدرة على تطوير قدرات متميزة في مجال الدفاع تجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب كمزود للأمن. وفي المستقبل المنظور، يمكن أن يتم ذلك بالتوازي مع تعزيز حلف شمال الأطلسي، والدول الأوروبية غير الأعضاء في الحلف سوف تتقلص إلى عدد قليل من الجزر؛ مثل أيرلندا وقبرص ومالطا والنمسا. لقد بدأت عملية تحمل جزء من أعباء الأمن الأوروبي التي تقع حالياً على كاهل الولايات المتحدة؛ لكن ينبغي للاتحاد الأوروبي ألا يتخلى عن قوته الناعمة التي تتميز بوضع فريد بحيث يمكن تحويلها إلى أصول استراتيجية تجعل منه القوة الناعمة العظمى في العالم. لذلك يجب أن يتم بناء مستقبل الأمن الأوروبي على القوة الذكية، وهي مزيج من القوة الناعمة والقوة الصلبة تزيد من قدرات دول الاتحاد الأوروبي وتجعل من حلف الناتو حلفاً أوروبياً أكثر من كونه أمريكياً.

التداعيات على أصدقاء أوروبا وشركائها في العالم

اعتاد أصدقاء أوروبا وشركاؤها في إفريقيا والشرق الأوسط وحتى في مناطق بعيدة مثل أوقيانوسيا، على الحوار الذي يركز بشكل رئيسي على الاقتصاد -السبب الرئيسي لوجود الاتحاد الأوروبي- وحقوق الإنسان؛ مما يعكس سياسة الاتحاد الأوروبي القائمة على القيم. وكانت معظم الحوارات الأمنية تركز بشكل رئيسي على الإرهاب؛ ولكن هذا سيتغير في المستقبل. الأجندة القديمة سوف تبقى؛ ولكن سوف تُضاف إليها مسألة الأمن. وفي المناطق القريبة مثل منطقة الساحل في إفريقيا، سيقوم الاتحاد الأوروبي الأكثر حزماً باتخاذ إجراء جماعي ويتدخل بشكل مباشر في القتال ضد الجماعات الجهادية. لقد بات ظهور مجموعات بحرية تحمل علم الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر والخليج مسألة وقت؛ ولكن الاتحاد الأوروبي لن يحل محل الولايات المتحدة قريباً في مسرح العمليات. ومع ذلك هنالك العديد من الطرق التي سيتمكن الاتحاد الأوروبي من خلالها من التعاون في المستقبل مع الدول الصديقة في مجالات الدفاع والأمن، وقد تؤدي الأحداث والظروف إلى تسريع هذه العملية.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟  

تكلفة الواقع الجديد

كل ذلك سيكلف أموالاً طائلة. ولا يزال من غير الواضح مدى استعداد دافعي الضرائب الأوروبيين لدفع تكلفة الواقع الأمني الأوروبي الجديد؛ ولكن بينما لا يزال البعض متشككاً أو غير مقتنع، يبدو أن معظم الأوروبيين قد أُصيبوا بالصدمة بسبب عدوان بوتين في أوكرانيا. ربما سوف يتذمرون؛ ولكنهم سيتقبلون حقيقة أن تحمل أعباء دفاعية أكبر هو أمر ضروري. أوروبا ما بعد أزمة أوكرانيا ستكون أكثر كآبة وعلى الأرجح أقل ازدهاراً. ولكن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على الأقل يتمتعون بالمرونة والقدرة اللازمتَين للتكيف مع الواقع الجديد على الرغم من أن كل دولة وكل مواطن سوف يضطر إلى التكيف مع الواقع الجديد إلى حد ما. إن أزمة أوكرانيا هي بالفعل علامة فارقة في القارة، وفي الكثير من النواحي نحن نبحر في مياه مجهولة ينتظرنا فيها مستقبل غامض.

♦دينيس ساموت: مدير لينكس يوروب ورئيس تحرير موقع commonspace.eu. . يكتب بانتظام حول قضايا الأمن الأوروبي وشؤون دول الاتحاد السوفييتي السابق ودول الخليج.   ([email protected])

لقراءة الأصل الإنكليزي: A different Europe is emerging

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة