الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

عيد ميلاد فيروز.. “سفيرتنا إلى النجوم”

كيوبوست- مدى شلبك

كانت واحدة من المقولات الراسخة للأديب والسياسي البريطاني وينستون تشرشل: “كل الأشياء العظيمة بسيطة، ويمكن التعبير عن الكثير منها بكلمة واحدة: الحرية، والعدالة، والشرف، والواجب، والرحمة، والأمل”. كل مفردة من هذه المفردات العظيمة، تصلُح لفيروز، التي على عظمتها، كقامة فنيّة ذات سجل موسيقي غني جمع الشرق بالغرب، وتطرّق لمواضيع الحياة المتنوعة، بقيت كما هي، بسيطة ومتواضعة وطفلة في كل الأوقات، وبيتها كما وصفه من رآه يشبه بيوت جدّاتنا، لا نعرف عن حياتها الشخصية الكثير، لكن يقال إنها تحب السهر والدعابة.

واحتفلت “جارة القمر”، واحتفل محبوها، بعيد ميلادها الـ87، يوم الأحد 20 نوفمبر، وليس كما هو شائع 21 نوفمبر، وشاركت ابنتها ريما رحباني عبر صفحتها على “فيسبوك”، فيديو لفيروز وهي تطفئ شمعة عيد ميلادها. وبعدها نشرت مقطعاً نادراً يعود للعام 1989م من بروفات أغنية “مصر عادت شمسك الذهب”

الطفولة والبداية

وُلدت فيروز، واسمها الحقيقي نهاد حداد، عام 1935م، لأبوين لبنانيين؛ هما وديع حداد وكان يعمل في مطبعة، وليزا البستاني. وكانت الطفلة الأولى بين أربعة أطفال، وخلال طفولتها أحبت فيروز الغناء، تحديداً لأسمهان وليلى مراد.

فيروز بعمر المراهقة

وخلال أربعينات القرن الماضي، اكتشِفت موهبةُ فيروز من قِبل الأخوين فليفل، خلال جولة لهما في مدارس بيروت بحثاً عن مواهب غنائية لتشكيل كورال يؤدي أغاني وطنية في الإذاعة اللبنانية، ولكن والدها لم يكن مقتنعاً بأن تغني ابنته على الملأ، إلا أنه وافق لاحقاً بعد جهدٍ كبير بذله محمد فليفل لإقناعه.

والتحقت فيروز بالمعهد الموسيقى الوطني في بيروت، والتقت بالموسيقي حليم الرومي خلال تأديتها لأغنية “يا زهرة في خيالي” لفريد الأطرش في لجنة تحكيم كان هو أحد أفرادها، فأحب صوتها، ثم لحّن لها أغنيتها الأولى (عاشق الورد) وأطلق عليها اسم “فيروز”.

عقد قران فيروز وعاصي الرحباني

ثم تعرفت فيروز على عاصي الرحباني في الإذاعة اللبنانية، وتزوجته عام 1954م، وأنجبت منه أربعة أطفال أكبرهم زياد، وشكَّلت مع عاصي، وأخيه منصور، ثلاثياً موسيقياً، علماً بأن منصور لم يجد في فيروز الصوت المراد لأداء موسيقى الرحابنة، لكنه اعترف لاحقاً أنه “كان مخطئاً إلى حد كبير، ولم يكن يمتلك رؤية عاصي البعيدة”.

فيروز وجه لبنان المتفرد

تُعتبر فيروز إحدى قامات العصر الذهبي، والتي انطلقت بمشروعها الفني مع الأخوين رحباني في عام 1950م، مشكلة صورة لطبيعة لبنان المستقل والمتفرد بهويته.

وسجلت فيروز أول أغنية لها مع الأخوين رحباني في عام 1952 بعنوان “عتاب”، كما أصدرت ألبومها الأول الذي حمل اسم “يسعد صباحك يا حلو” عام 1955م، وبنفس العام دُعيت من قبل الإذاعة المصرية لإنتاج وتسجيل أغانٍ داعمة للقضية الفلسطينية، في زمن الزعيم جمال عبدالناصر، فأصدرت ألبوم “راجعون”.

فيروز برفقة الأخوين رحباني

 

في حين نمت شهرتها عند مشاركتها في مهرجان بعلبك الدولي عام 1957م الذي يقام في معبد “جوبيتر” في مدينة بعلبك، فقدمت استعراضاً موسيقياً بعنوان “أيام الحصاد”، وكرمها الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون بمنحها وسام “فارس”.

اقرأ أيضاً: قصص وراء الأغاني التي أحببناها

وظهرت فيروز والأخوان رحباني في معظم الدورات التالية للمهرجان، فقد أصبحت جزءاً أساسياً منه، وعامل جذبٍ للجمهور حتى أُطلق عليها “عامود بعلبك السابع”، وقدمت العائلة بالتعاون مع فنانين آخرين تمثيلياتٍ تطورت لمسرحياتٍ موسيقية طويلة، كتبها الأخوان رحباني لفيروز التي كانت تغنِّي وتمثِّل، حتى توقف المهرجان مع بدء الحرب الأهلية عام 1975م.

فيروز في مسرحية “ميس الريم”

ووصل عدد المسرحيات الموسيقية التي غنت ومثلت بها فيروز إلى 22، أكثرها شهرة “المحطة” و”ميس الريم” و”لولو” و”ناس من ورق”، إضافة إلى ثلاثة أفلام طويلة مثل “سفر برلك”، و”بنت الحارس”، و”بياع الخواتم” للمخرج المصري يوسف شاهين. كما شاركت فيروز في مهرجانات لبنانية أخرى، مثل افتتاح مهرجان الأرز في صيف عام 1964، إضافة إلى مهرجانات خارج لبنان.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية التزمت فيروز الحياد فلم تنحز إلى جهة، ولم تغنِ داخل لبنان حتى لا تحسب على طرفٍ ما، الأمر الذي زاد من التفاف اللبنانيين حولها، ورفع ثقتهم بها كرمز يمثّل لبنان فقط، وغنّت خلال الحرب “بحبك يا لبنان يا وطني بحبك” أكثر أغانيها الوطنية شعبية، وخصصت فيروز جزءاً كبيراً من أعمالها للبنان مثل ألبوم “دبكة لبنان” و”لبنان الحقيق جايي” خلال سبعينات القرن الماضي، وغير ذلك.

مشوار فني غني

وجسّدت فيروز حالة فنية راسخة قائمة على صوت جميل ومدروس وغير انفعالي، دقيق بمخارج حروف واضحة.

فيما تطرّقت أغاني فيروز لمواضيع الحياة على تنوعها، فقد غنّت للحب، فقالت “أنا لحبيبي وحبيبي إلي”، لكن نُكران الحبيب جعلها تُغنّي “لا انت حبيبي ولا ربينا سوى”. كما غنّت لكل الأوقات؛ للصبح غنّت أغنية السيد درويش “الحلوة دي”، ولليل والسهر “سهار بعد سهار” ألحان الموسيقار المصري “محمد عبد الوهاب”، وللقمر غنّت “نحن والقمر جيران”، وهذا ما يفسر تلقيبها بـ”جارة القمر”.

ودشنت فيروز مراحل الحياة بأغانيها التي بلغت أكثر من 800 أغنية ضمن عشرات الألبومات، فغنّت للطفولة أغاني، مثل “يلا تنام ريما” و”يارا اللي جدايلها شقر” التي تصلي ليكبر أخوها، وتطرقت لحب المراهقة بأغنية “مشوار”، وللشيخوخة عندما دندنت “بيتك يا ستي الختيارة بذكرني فبيت ستي”.

كما غنت فيروز للأوطان والمدن العربية لا للحكّام، فقد أصدرت أغانيَ، مثل “غنيت مكة”، و”زهرة المدائن”، و”أحب دمشق”، و”تونس يا وردة البلدان”، و”أردن أرض العزم”، وغيرها.

اقرأ أيضاً: فيروز.. أيقونة عبرت كل الحدود الفاصلة

واتسم مشوار فيروز بالشمولية والغنى، فإلى جانب كونها تطرقت لمواضيع وألحان متنوعة، غنت القصائد، وللشاعر اللبناني سعيد عقل غنت “سيف فليشهر”، و”قصيدة لبنان” و”مر بي”، كما غنت لجبران خليل جبران “سكن الليل” و”أعطني الناي وغني”.

وأحيت فيروز جزءاً أصيلاً من الموسيقى العربية ألا وهو الموشحات ضمن ألبوم “أندلسيات”، كما اشتهرت فيروز بالعتابا والمواويل، ورنّمت التراتيل فقد أصدرت ألبوم “الجمعة الحزينة” التي أصبحت موسيقى للجميع، ولم تعد التراتيل بسبب فيروز حبيسة لجدران الكنيسة.

فيروز ما بعد الأخوين رحباني

انفصلت فيروز عن زوجها عاصي دون حدوث طلاق، ما أدى إلى انفصالها الفني عن الأخوين رحباني، وعملها مع ملحنين وشعراء بارزين، منهم المؤلف الموسيقي اللبناني فليمون وهبي الذي لحن لفيروز أكثر أعمالها روعةً وإبداعاً، مثل “لمّا ع الباب”، و”يا ريت منن” للشاعر اللبناني جوزيف حرب.

إضافة إلى “أسامينا”، و”طلع لي البكي”، وغيرها من الأعمال التي جاءت تمثيلاً جلياً للخط الموسيقي الشرقي في أعمال فيروز.

فيروز وفليمون وهبي

 

كما تعاونت فيروز مع محمد محسن، وإلياس الرحباني، والمؤلف اللبناني زكي ناصيف ضمن ألبوم صدر عام 1995م، تضمن أغاني ساحرة، مثل “ع دروب الهوى”، و”أهواك”، و”بناديلك يا حبيبي”.

وأصدرت فيروز برفقة ابنها الأكبر؛ الموسيقار زياد الرحباني، عدة ألبومات ظهرت فيها شخصية زياد الموسيقية، فقد ضمت ألحاناً مستجدة على فيروز، فيها من الموسيقى الشرقية والجاز والبلوز، كما كتب زياد كلمات تلك الأغاني، فكانت مختلفة عن كل شيء سابق قدمته فيروز، وتوقّفت كثيراً حتى وافقت على كلمة “ملّا أنت” بأغنية “كيفك أنت”، ضمن ألبومهما الأشهر الذي يحمل نفس العنوان، إضافة إلى “مش كاين هيك تكون”، و”معرفتي فيك”، و”إيه في أمل” وغيرها، علمًا بأن أول عمل جمع فيروز وزياد كانت أغنية “سألوني الناس” التي غنتها فيروز بإحدى حفلاتها لعاصي قبل انفصالهما، عندما كان مريضاً ولم يكن حاضراً، وكان زياد يبلغ حينها حوالي 17 عاماً، وعملت فيروز مع ابنتها “ريما”، منتجة ألبومها الأخير “ببالي” عام 2017م.

الإرث

أحيت فيروز حفلاتٍ موسيقية في عدة دول عربية منها مصر، وفيها قدمت أشهر حفلاتها عام 1989م عند سفح الأهرام، وامتد تأثير فيروز لخارج الوطن العربي، فقد أقامت حفلاتٍ في مدنٍ، مثل نيويورك وسان فرانسيسكو ومونتريال وباريس ولندن.

اقرأ أيضاً: المطربة فيروز تثير جدلاً وتعيد فتح ملف حرية المعتقد في الجزائر

كما حصلت على العديد من الأوسمة، مثل وسام الاستحقاق، ووسام جوقة الشرف، ووسام الأرز أعلى وسام في لبنان، ووسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة من سوريا، ووسام مفتاح مدينة القدس من وزارة الثقافة الفلسطينية، وميدالية الشرف الذهبية من الأردن، كما كرمت فيروز قبل أكاديمية الفنون المصرية، وقلّدتها فرنسا وسام قائد الفنون والآداب، ووسام فارس جوقة الشرف مرة أخرى من قبل الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ومرة أخرى من قبل إيمانويل ماكرون.

ماكرون خلال وصوله إلى منزل فيروز- “أ ف ب”

لتظل تجربة فيروز الموسيقية واسعة وعميقة، بحيث يصعب الإلمام بها، كما أنها تركت تأثيراً نوعياً على الموسيقى العربية والشرقية والعالمية، لذلك استحقت اللقب الذي أطلقه عليها سعيد عقل؛ “سفيرتنا إلى النجوم”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة