الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

عيد ميلاد سعيد

تأليف وإخراج: كريستيان كاريو.. بطولة: دايان كروغر، وبينو فورمان، وغيوم كانيهن

كيوبوست- ترجمات

ميليسا ليفين

إن إنتاج أفلام عن الحرب ليس أمراً سهلاً على الإطلاق؛ فهي درامية جداً بطبيعتها، وإطارها الفني العام محدد سلفاً بشكلٍ كبير، وهي تنضح بالمعاني حتى قبل أن تبدأ مشاهدها الأولى. وقد قيل الكثير في الحرب؛ مثل: الحرب جحيم، والحرب نبيلة، والحرب سريالية، والحرب عبثية، وشر لا بد منه، وشر لا مفر منه، ومأساة لا طائل من ورائها. وتتمحور معظم أفلام الحرب حول اثنين من هذه المعاني؛ فالحرب الجهنمية تكتسب معناها من كونها نبيلة (الحرب العالمية الثانية)، والحرب العبثية تصبح إجرامية عندما تكون جحيماً (حرب فيتنام).

اقرأ أيضاً: أفضل 50 فيلماً علىنتفليكس” (1- 2)

“”Joyeux Noël (عيد ميلاد سعيد) هو فيلم مؤثر متقن للغاية، للكاتب والمخرج الفرنسي كريستيان كاريون، وإن يكن غير مبتكر في تصويره للحرب. يستند الفيلم إلى هدنةٍ مرتجلة عشية عيد الميلاد أثناء الحرب العالمية الأولى، ويصور أهوال حرب الخنادق، من خلال أطياف اللون الرمادي المعتادة والتعابير المظلمة. وباستثناء بعض العثرات، يتم تقديم الفيلم بشكلٍ جميل ومفعم بالأحاسيس في تفاصيله، وفي تصويره الجنود والضباط، وفي تصويره حدثاً يكاد يكون معجزة، ليكون في محصلته عملاً سينمائياً مؤثراً.

غيوم كانيه في مشهد من فيلم “عيد ميلاد سعيد” – “أفتر أورز فيلم سوسايتي”

تبدأ أحداث الفيلم في عام 1914، عشية الحرب العالمية الأولى، ويتميز العمل ببراعة لاعبيه الأساسيين. في البداية نلتقي الممثل بينو فورمان، في شخصية “سبرينك”، مغني الأوبرا الألماني الذي استُدعي للخدمة العسكرية على الرغم من شهرته الكبيرة. وفي إسكتلندا، نتعرف على شقيقَين؛ ويليام (روبن لاينغ) وجوناثان (ستيفن روبرتسون)، كان ويليام سعيداً؛ لأن “هنالك شيئاً جديداً يحدث في حياتنا أخيراً”، على حد تعبيره. كما نتعرف أيضاً على الكاهن بالمر (غاري لويس) صاحب الروح العطوفة الذي يرافق الجنود إلى خنادق الجبهات ليقدم لهم الدعم والمواساة. في المعسكر الفرنسي نلتقي أوديبير (غيّوم كانيه)، الملازم البائس الذي يخفي حزنه على زوجته الحامل التي انقطعت أخبارها عنه منذ أشهر، وبونشيل (داني بون) مساعد المخيم الذي يقع منزله على بعد كيلومترات قليلة من خط الجبهة؛ ولكن خلف خطوط العدو الألماني.

اقرأ أيضاً: أفضل 25 ممثلاً في القرن الـ21

وسرعان ما ينتقل الفيلم إلى الخنادق؛ حيث البرد القارس، والعنف الصادم، والقرب الشديد من خطوط الأعداء والحلفاء، ثم ينتقل إلى جوهر القصة؛ وهو الهدنة. تحدث أشياء من هذا القبيل في الحروب؛ حيث يظهر نوع من المودة العفوية بين رجال يتبادلون السجائر والشيكولاتة بعد أن كانوا يتبادلون القنابل والرصاص. في الرابع والعشرين من ديسمبر 1914، وعلى خطوط الجبهة في فرنسا المحتلة، اتفق الألمان والفرنسيون والأسكتلنديون على هدنة لليلة واحدة؛ ولكن انتهى الأمر بأن استمرت هذه الهدنة لعدة أيام، لعب خلالها الجنود كرة القدم وتناولوا المشروبات وتبادلوا القصص ودفنوا قتلاهم. يقول كاريون إن 99% من هذه المودة التي نشأت في وقت الحرب قد جاءت بسبب أغنية، وهكذا جمع المؤلف والمخرج جيوشه المتحاربة. سبرينك يقود المعسكر الألماني في ترانيم العيد، وعندما سمعهم الرجال على الجانب الآخر بدأوا بالغناء معهم.

بينو فورمان ودايان كروغر في مشهد من فيلم “عيد ميلاد سعيد”

وهكذا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للمشاعر من الفيلم؛ حيث اغتنمت المعسكرات الثلاثة الفرصةَ بشجاعةٍ وصدق، ووثق الرجال بأعدائهم في احترام الهدنة، وعدم استغلالها لهجومٍ مفاجئ. وبالطبع حل ارتياح فوري محل عبثية الصراع المسلح. رحب الرجال بأعدائهم بدفء مريح ومؤلم في آن معاً، وعندما لعبوا كرة القدم كان ذلك عملياً بمثابة إعلان عن الرياضة كبديل إنساني للعدوان القومي. وعندما نراهم يتشاركون قداس عيد الميلاد ويُنشئون مقبرة للقتلى، لا يسعنا إلا أن نتحسر على حماقة هذا الواقع؛ حيث يعرف الرجال كيف يتعاملون بأخلاقٍ عالية مع بعضهم بعضاً، ولكنهم بدلاً من ذلك يجبرون على قتل بعضهم.

اقرأ أيضاً: فيلمأوديسة الفضاء: 2001″.. الحلم بالفضاء والعودة إلى الأرض

يدرك كاريون أمرَين جوهريَّين حول موضوعه؛ الأول هو أن الفيلم يصور قصة الأشخاص المتضررين من الحرب، ولا يهتم بتصوير مَن افتعلوها (فهو يصور ولي العهد الألماني على أنه ولد مدلل وفاسد وغبي)، والثاني هو أن أخطر أدوات صانعي أفلام الحرب هو التعبيرات المبسطة. ومع ذلك نراه يذهب بعيداً في بعض المشاهد، عندما سمع بالمر باندلاع الحرب انهمرت دموعه؛ لأن الشموع التي أشعلها تنطفئ بفعل قوة غير مرئية، ولكنه في معظم الأحيان يقدم لنا نصاً واضحاً وأداءً متميزاً من الممثلين؛ بمَن فيهم النجم الصاعد دانييل برول، في دور القائد الألماني، والممثل المتميز غيوم كانيه.

يتنقل فيلم “عيد ميلاد سعيد” ببراعة بين الجنسيات واللغات والشخصيات والقصص، وانتقالاته السلسة هذه توزع تعاطفنا بين جانبي الحرب. وفي الوقت نفسه، ينذر الفيلم بوقوع الحرب العالمية الثانية من خلال إشارات خفيفة تقشعر لها الأبدان. وفي مشهد صمم بهدف إظهار مدى حماقة الأسقف الذي يتبع له الكاهن بالمر، نستمع إلى موعظته القاسية المضللة؛ إذ يقول: “بعون الله، يجب أن تقتلوا الألمان؛ الجيدين منهم والسيئين، الكبار والصغار، كي لا يكون علينا تكرار الحرب مجدداً”. يشير الفيلم إلى أنه ليس من عمل الخير أن تقتل لأي سبب من الأسباب، ومع ذلك، فنحن نعرف ما سيأتي.

اقرأ أيضاً: فيلمhypernormalisation“.. عالم مبسط تحكمه التكنولوجيا والمال

يمتنع الفيلم عن الوقوف إلى أي جانب، باستثناء الجانب الإنساني. إنه فيلم مثير للإعجاب يضفي الطابع الإنساني على تجربة إذا ما عرضت على المسرح الدولي فستكون بالتأكيد تجربة شخصية محدودة.

المصدر: أفتر أورز فيلم سوسايتي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة