الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

عودة المخاوف من أسلمة الدولة في تونس

حقوقيون تونسيون لـ"كيوبوست": من المفارقات أن نشهد مثل تلك المظاهر الإسلاموية في ظل دولة تدعي المدنية

تونس- وفاء دعاسة

أعادت حادثتان في الأيام القليلة الماضية، في الأوساط الاجتماعية الحقوقية في تونس، الخوف من مظاهر أسلمة الدولة التونسية، والحياد بها عن مبادئ الجمهورية المدنية، والعودة إلى العشرية المظلمة الماضية، وما تتضمنه من تهديداتٍ للحريات الفردية التي دافع عنها التونسيين.

وأثار استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيّد لفتياتٍ قاصرات يلبسن الحجاب، غضب وسخط نشطاء حقوقيين ومنظمات، فقد حذّر المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة من خطورة تداعيات هذه الحادثة في قصر قرطاج، رمز الجمهورية المدنية.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

 ونبّه في بيانٍ له من المظاهر الخطيرة لحياد الدولة التونسية عن قيم الجمهورية والمدنية، معدداً مظاهر عودة أسلمة الدولة، ومشيرا إلى خطاب رئيس الجمهورية بأسلوب خطب الوعظ والإرشاد، واعتبر أن مهمّة المسؤولين في الدولة المدنية تتمثّل في السهر على حسن سير مؤسساتها، حسبما يُمليه الدستور والقوانين حصريّاً، وليس حسب المعتقدات والممارسات الدينية.

حفل تكريم بقصر قرطاج (صفحة رئاسة الجمهورية)

فيما اعتبر ناشطون حقوقيون أن الصورة المتداولة من حفل التكريم اعتداء آخر على الطفولة، بل أن فرض الحجاب على طفلة لا تدرك معنى الحرية الشخصية انتهاكٌ لحقوق الطفل.

تهديد للحريات الفردية

وما يزال موضوع المجاهرة بالإفطار في رمضان، يثير الجدل في تونس كل عام، بين من يعتبر الصيام حرية فردية، ومن يرى عكس ذلك، الأمر الذي يخلق تفاعلًا كبيرًا على منصات التواصل الاجتماعي.

وقد أعادت حادثة إيقاف السلطات التونسية لعددٍ من الأشخاص، بينهم صاحب مقهى، بتهمة “المجاهرة بالإفطار” الجدل من جديد، وأثارت موجة استنكار في البلاد.

الأمر الذي دفع بمجموعةٍ مهمة من الجمعيات والمنظمات إلى إصدار بيان مشترك الخميس 21 أبريل/ نيسان 2022، طالبت فيه السلطة بالكفِّ عن “ملاحقة وإيقاف المفطرين في شهر رمضان، مع تقديمهم للعدالة في حالة سراح بما أنهم لا يمثلون أي خطر على السلم العام، ولضمان حقهم في محاكمة عادلة”.

محتجون أمام المحكمة بتونس (مواقع تواصل اجتماعي)

واستنكرت الجمعيات الموقعة على البيان “تواصل الاستهداف الممنهج للأقليات في تونس، والتعدي على الحريات الفردية خاصة في شهر رمضان، وتدعو السّلط إلى رفع اليد عنها”.

وكان الرئيس قيس سعيّد وجّه في وقتٍ سابق انتقاداتٍ للفصل السادس من الدستور، مشيراً إلى أنه “لو اجتمعت كل المحاكم الدستورية في العالم فلن تستطيع تطبيقه”.

وينص الفصل المذكور على أن “الدّولة راعية للدّين، كافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التّوظيف الحزبي. تلتزم الدّولة بنشر قيم الاعتدال والتّسامح وبحماية المقدّسات ومنع النّيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التّكفير والتّحريض على الكراهية والعنف وبالتّصدّي لها”.

اقرأ أيضاً: الجويلي لـ”كيوبوست”: المجتمع التونسي تصدى لقيم “النهضة” على مدار عقود

ابتذال وشعبوية

وفي تعليقه على الأمر، دوّن الباحث الجامعي في الحضارة والفكر الإسلامي غفران الحسايني: “محاكمة شباب في منوبة بتهمة الإفطار في رمضان (وفي مقهى مغلق) هو ابتذال وشعبوية وضرب لجوهر الحرية التي جاء بها القرآن، فلكل إنسان الحق في اختيار ما يؤمن به، وهو مسؤول عن ذلك أمام خالقه”، وفقه.

من الجانب القانوني، لا يتضمن الدستور التونسي في أي فصل من فصوله نصاً يمنع الإفطار علناً في شهر رمضان، بل أن دستور عام 2014 يحمي الحريات في فصله 49، الذي ينص على “أن يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير…”.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يرسم ملامح الجمهورية التونسية الثالثة

حاتم ليمام

ويرى حقوقيون أن القضاء التونسي يستغل الفصل 226 من المجلة الجزائية لمحاكمة المفطرين في رمضان، بتهمة “الإخلال بالآداب العامة”. ويتضمن نص القانون “يُعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية (غرامة) قدرها ثمانية وأربعون ديناراً كل من يتجاهر عمداً بفحش”.

ويرى حاتم ليمام رئيس حركة المفكرين الأحرار، أنه من المتعارف أن مثل هذه التضييقات تحصل عند تولي التيار الإسلامي الحكم، لكن من المفارقات أن نواجهها اليوم في ظلِّ حكومة تدَّعِي الحداثة، والمحافظة على الحريات الفردية.

وأضاف ليمام في حديثٍ أدلى به إلى “كيوبوست” قائلاً: تبين أن ممارسات الحكومة الحالية ضد الحريات تجاوزت التيارات الإسلامية، بل أنها تنافسها في مظاهر أسلمة الدولة، وملاحقة التونسيين والتضييق على حريتهم. وختم محدثنا “الحريات التي ناضلنا من أجلها مهددة اليوم ولم نجد تعاطفا من القوى الحداثية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

وفاء دعاسة

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة