الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

عودة المتطرفين واقع يرهب التونسيين.. فكيف سيتم التعامل معهم؟

خبير تونسي في شؤون الهجرة لـ"كيوبوست": فرنسا تستخدم ورقة الإرهاب لطرد المهاجرين غير الشرعيين دون الوقوع في مرمى انتقادات المنظمات الحقوقية

تونس- فاطمة بدري

أثارت تصريحات رئيس الحكومة التونسي هشام المشيشي، بشأن تسلُّم تونس عدداً من المتشددين من فرنسا، الجدل مجدداً حول عودة المتطرفين التونسيين من بؤر التوتر، وأثارت التساؤلَ حول ما إذا كانت هذه الخطوة مقدِّمة لتسلُّم قوائم أخرى للمتشددين، وما إذا كانت البلاد مهيأة لذلك؛ لا سيما في ظلِّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي الصعب، والذي لا يحتمل تعقيداتٍ أخرى من قبيل استقبال المتطرفين.

وكشف المشيشي، في حوارٍ مع صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، عن تسلُّم تونس عدداً من المتشددين المقيمين في فرنسا بصفةٍ غير شرعية، ضمن قائمة تضم 20 متشدداً، طالب وزير الداخلية الفرنسي بترحيلهم وإعادتهم إلى بلدهم الأصلي تونس.

وخلال هذا الحوار، أكد المشيشي مواصلة القيام بهذه الخطوة شريطة تحديد الوضعيات القانونية لهذه العناصر قبل إعادة دمجهم في تونس، مشدداً على استعداد تونس لاستقبال أبنائها الذين لا مبرر لبقائهم في فرنسا.

رفض شعبي تونسي للإرهاب وعودة الإرهابيين- وكالات

قلق ومخاوف

وأثارت هذه التصريحات المخاوف محلياً حول مدى استعداد البلاد لاستقبال هؤلاء، والإجراءات التي ستتخذ في سبيل مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية. وفتحت الباب للتساؤل عن مدى خطورة هذه الخطوة في الظرف الراهن الذي تمر به تونس، والكيفية التي سيتعامل بها القضاء التونسي مع هذه العناصر، وعما إذا كانت فرنسا تعتزم الاستفادة من فزاعة الإرهاب؛ لطرد المهاجرين غير الشرعيين الذين تدفقوا بكثرة في السنوات الأخيرة إلى السواحل الأوروبية.

منذ الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة نيس الفرنسية، وقُتل فيه ثلاثة أشخاص أواخر أكتوبر 2020 على يَد المشتبه به التونسي إبراهيم العيساوي، والذي وصل منتصف سبتمبر من نفس السنة إلى أوروبا بطريقةٍ غير قانونية، تمارس فرنسا ضغوطاً كبيرة على تونس لإعادة مواطنين تونسيين يقيمون بشكلٍ غير قانوني في فرنسا، ويشتبه في أنهم متطرفون.

اقرأ أيضًا: إسلاميو تونس يهاجمون أكاديمياً طالب بتقنين بناء المساجد!

ولكن بعض الأحزاب والمنظمات المدنية والحقوقية ترى أن فرنسا تمارس ضغوطاً كبيرة على تونس؛ مستغلة الأحداث الإرهابية للخلط بين موضوع المهاجرين غير القانونيين والإرهاب، ومستفيدة من الوضع غير المستقر سياسياً في هذا البلد.

وهذا ما أكده الخبير في قضايا الهجرة مصطفى عبدالكبير، الذي اعتبر أن فرنسا تستخدم الإرهاب كورقة ضغطٍ للتخلص من المهاجرين غير الشرعيين.

وقال لـ”كيوبوست”: سبق أن اعتمدتِ السلطات الإيطالية هذا السيناريو مع تونس سنة 2017؛ “حيث مارست ضغوطاً كبيرة انتهت بإبرام اتفاق مع الرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي، لاستلام المهاجرين التونسيين الموجودين على أراضيها؛ وها هي فرنسا تستخدم التطرف والإرهاب كمبرر من أجل التخلص من المهاجرين أيضاً”.

مصطفى عبدالكبير

وأضاف: تدرك فرنسا أن الدفع بالمهاجرين للمغادرة القسرية يتعارض مع المواثيق الدولية؛ ولهذا تحاول تقديم الموضوع في ثوب أمني، حتى تتجنب أن تكون في مرمى انتقادات المنظمات الحقوقية الدولية. ولهذا أستطيع القول إن ما يقع هو “ترحيل قسري لمئات المهاجرين؛ بينهم بعض العناصر المتطرفة يتم الزج بها للتغطية على الملف الأكبر؛ والأهم هو طرد المهاجرين، وبذلك تكون قد حققت ما أرادت دون أن تواجه أية هجمات من أية جهة، لا سيما أن الخطوة تأتي بعد تعرض فرنسا إلى حادث إرهابي”.

ويشدِّد الكبير على أن توجُّه فرنسا نحو إرسال المتشددين التونسيين إلى البلاد في إطار خطة ترحيل المهاجرين، خطوة في غاية الخطورة، ولا بد أن ترفضها السلطات التونسية؛ لأن باريس تدرك جيداً عدم استعداد تونس لذلك على جميع الأصعدة، ورغم ذلك؛ فإنها تواصل ضغطها غير عابئةٍ بالتبعات الكارثية التي قد تنتج عن هذا الخيار.

ويؤرق موضوع عودة المتطرفين الحكومات المتعاقبة في تونس في ظلِّ الرفض الشعبي والحزبي والمدني -باستثناء حركة النهضة الإسلامية وائتلاف الكرامة- فالجميع يخشى من أن يشكِّل هؤلاء تهديداً جدياً على الأمن في تونس التي ما زالت تواجه خطر الإرهاب.

اقرأ أيضاً: منظمات تونسية تحذر من “الزحف الداعشي” داخل المدارس

صيغة للتعامل

ولم تجد تونس بعد صيغةً واستراتيجيةً ملائمة للتعامل مع العائدين من بؤر التوتر، كما لم تطرح بعد مبادرات لتنظيم هذه العودة، وكيف سيقع التعامل معهم؛ لا سيما أبناء الإرهابيين، هل ستتعامل معهم كأطفال أم كإرهابيين للمستقبل تحضّرهم الحركات الإرهابية لتكوين أجيال جديدة من الإرهابيين ستقوّض الأمن.

ولهذا تجمع أغلب الأحزاب ومكونات المجتمع المدني وغالبية التونسيين على رفضهم عودة الجهاديين. وقد تظاهر في يناير 2017 طيف واسع من التونسيين ضد عودة الجهاديين المحتملة، معتبرين أن ذلك سيشكل خطراً كبيراً على أمن البلاد.

“النهضة” المتورطة في تسفير الشباب إلى بؤر التوتر لا ترفض عودة الإرهابيين- وكالات

كما اعتبرتِ النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي، في وقتٍ سابق، أن هؤلاء الإرهابيين تمرسوا وتدربوا تدريباً عسكرياً محترفاً، واستعملوا كل أنواع الأسلحة الحربية المتطورة، وتعودوا على سفك الدماء والقتل، وتبنوا عقيدة جهادية، محذرةً من عودتهم التي ستشكل مع الخلايا النائمة بالداخل جيشاً كاملاً قادراً على إحداث الخطر، على حد تعبيرها.

وكانت منظمة الأمم المتحدة قد قدرت مبدئياً سنة 2014 عدد التونسيين/ات الملتحقين/ات ببؤر التوتر في كلٍّ من سوريا وليبيا والعراق بـ4000 إلى 5000 مقاتل ومقاتلة؛ ما جعل تونس في صدارة قائمة البلدان المصدرة للمقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم داعش. يشمل هذا الرقم أيضاً التونسيين/ات الموجودين/ات في سوريا قبل اندلاع النزاع دون الضلوع في أنشطة قتالية.

في المقابل، فإن الأرقام الرسمية التونسية تقدر أعداد التونسيين/ات المنتمين/ات إلى الدولة الإسلامية بـ2929 مقاتلاً. ويرجح المتابعون للشأن التونسي أن السلطات التونسية لم تأخذ في الاعتبار الملتحقين ببؤر التوتر بطرقٍ غير شرعية، خارج المعابر الحدودية الشرعية، والمغادرين بجوازات سفر مزورة.

اقرأ أيضاً: الاتهام بالخيانة آخر فصول حركة النهضة للإطاحة بقيس سعيد!

ويسود اعتقاد بأن نجاح حركة النهضة الإسلامية في الوصول إلى السلطة، ومشاركتها في حكومة الترويكا عام 2013، مثَّل أرضية خصبة لانتعاش الفكر المتشدد، ووفَّر غطاءً سياسياً للجماعات التكفيرية؛ خصوصاً تنظيم أنصار الشريعة، وهو ما يفسر ارتفاع عدد التونسيين الذين تم استقطابهم للقتال ضمن التنظيمات الإرهابية؛ مثل “داعش”.

رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي، الذي وصف قبل سنواتٍ الإرهابيين بالإسلام الغاضب الذي يذكره بشبابه، قال في وقتٍ سابق رداً على الرفض الواسع لعودة المتطرفين: “لا يمكننا أن نفرض على الدول الأخرى المواطنين التونسيين. العالم مقسَّم إلى جنسيات، وهؤلاء ينتمون إلى بلدنا”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة