الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عوالم ابن تيمية

ولو أننا رجعنا لأيامه الأخيرة ودخلنا معه في زنزانته المظلمة التي مات فيها لوجدنا عوالمه المتناقضة حاضرة فيه ماكثة معه لا تغيب.. هذه المساكنة الغريبة والمعايشة الفريدة جديرة بالاستعراض والبحث

كيوبوست

خالد الغنامي*

يسعى كتابي الجديد لبرهنة أن ابن تيمية عوالِم وليس عالَماً واحداً؛ عوالم دائرية متداخلة. وهذه العوالم توالدت وتكاثرت وتفرعت وتطورت مع مراحل حياته؛ إذ لم يبقَ ذلك الحنبلي الشاب المتحمس الذي يحلق رأس الشاب طويل الشعر في الشارع ويُسوّد نونة الوسيم لكيلا تفتتن به النساء كما كانت تفعل الشُّرط الدينية، بل تطور قليلاً فأصبح شيخ المذهب وهو في السنة الواحدة والعشرين من عمره. ثم تطور، ككل شيء يتطور، وكل مفكِّر يتطور بسبب القراءة وتجارب الحياة المحسوسة والأخرى العقلية. وقد رأى المعاصرون له كيف أن وجه ذلك الحنبلي الشاب بدأت تتغير قسماته عندما دخل في عالم الفلسفة وبحره الخِضم، حين انتقل من بساطة الحنبلي الذي تبدو أمامه كل القضايا محسومة؛ بحيث يكتفي بما ورد في الآثار ولا يقول كيف، إلى المتكلم الفيلسوف الذي يحاول جاهداً أن يخرج بصورة نهائية عن الوجود بمعنييه الأعم والأخص. إن عوالم ابن تيمية عوالم غريبة للغاية عن بعضها ولا يجمعها جامع. على اليمين صورة المفتي الذي يشارك في تنفيذ أحكام الإعدام دون أدنى ذكر لاستتابة عاثر الحظ، وعلى اليسار ثمة صورة للصوفي الذي يناقش أعمال القلوب ويصف وحدة الشهود والفناء عن شهود السِوى، ويوافق الصوفية في الربط بين فكرة رؤية الله في الآخرة والمحبة الإلهية. وهو مَن تبنَّى هو وتلميذه ابن القيم نوعاً من أنواع وحدة الوجود، وإن سمَّياها “وحدة الشهود”، وهو وتلميذه من الأقلية القليلة التي قالت بفناء النار وانتهاء العذاب. وثمة صورة ثالثة للفقيه الذي يناقش أحكام الطهارة، ورابعة للمتكلم الذي رد على كل الفرق المعاصرة له والسابقة، وخامسة للفيلسوف الذي يرفض بإصرار غريب فكرة الخلق من عدم ويقول بحوادث لا أول لها. سندرس كل هذا بشيء من التفصيل؛ لكن كان لا بد أن نطل إطلالة سريعة على كل ما سنمر به ونبرهن عليه.

خالد الغنامي

هناك دوائر مختلفة تتقاطعه؛ أكوان تعايشت في رأس ابن تيمية وكأنه هو نفسه لا يبصر تعارضها وطعن بعضها في بعضها الآخر، وكأنه قد وضع بينها أسلاكاً شائكة بحيث لا يبغي بعضها على بعض، أو كأنما هي في وديان تفصل بينها الجبال. لقد اعتدتُ مع هذه الدراسة أن أنظر إليه من خلال نظرية العوالم التي اكتشفتُها عنده، فعندما تمر بي فتوى يختمها بقوله “يستتاب، فإن تاب وإلا قتل” أعلم أنه كتبها تحت تأثير عالمه السياسي الذي قد يوحي إليه بإصدار بعض الفتاوى، أو هي ضربة جاءت من عالَم الصراع مع الأشاعرة وبقية المتكلمين الذين كرههم وكرهوه لدرجة سعي كل واحد من الطرفين إلى تدمير الآخر. وعندما يعقد المقارنات بين مدمن الخمر الذي لا يكاد يفيق؛ لكن قلبه عامر بالمحبة، محبة لله وللرسول، مع العابد الزاهد الممتلئ نفاقاً، وكيف أنه يفضِّل السكير المحبّ لله وللرسول؛ لأن المحبة هي أوثق عرى الإيمان، أعلم هنا أنه قد كتب هذه وهو متبتلٌ في صومعة عالمه الصوفي. لأنه يعسر على الفقيه التقليدي أن يعترف بمثل هذا الفضل لشارب الخمر وتفضيله على العبَّاد الزهَّاد بهذه الصورة. الصوفيون وحدهم هم مَن يرون أن الحب الإلهي أعظم من كل عبادة، وأقدس من كل المظاهر الدينية التي يلبسها مَن يدعون أنهم متدينون، ممن يصدق عليهم الحديث النبوي “أكثرُ مُنافقي أُمَّتي قُرَّاؤها”. الصوفي وحده مَن ترك القشور وتعلق باللب، وأعلن أن أعمال القلوب هي كل شيء.

اقرأ أيضًا: معالم طريق سيد قطب بين الحقيقة والمجاز

لم أجد بدّاً من التقدم بفرضية أن شخصيته الفكرية لم تكن واحدة، والحُجة في ذلك أن كتاباته تشي بشخصيات متعددة متخالفة كانت تسكن عقله؛ فهو يؤمن بقضية تسلسل الحوادث التي لا تعني شيئاً سوى الإيمان بفكرة قِدم العَالم الأرسطية، تلك القضية التي كفَّر أبو حامد الغزالي بسببها الفلاسفة الإسلاميين؛ كالفارابي وابن سينا في زمن سابق لابن تيمية بنحو قرنَين. ومع ذلك بقيت علاقته بأصحابه الحنابلة جيدة؛ ربما لأنهم لم يفهموا فكرته، أو لم يتحمسوا لها، واكتفوا منه بما يعرفون، وأجزم أنهم لم يكونوا يعرفون عوالمه الأخرى كلها. بعيداً عنهم وبطريقة ما، تعايشت وتساكنت هذه العوالم في مسيرة ابن تيمية العقلية، مع أنك لو حاكمت عوالمه إلى عوالمه لظهر لك ما لا يمكن اجتماعه، وهذا ما سنسعى لتجليته في هذا البحث، أو على الأقل سنحاول تقريبه لمَن يريد أن يرى، ولن يرى إلا مَن تحرر من هالة التقديس. إذا ثبُت أن له عوالم مختلفة متناقضة؛ فالحديث عن كل عالَم على حدة يتطلب الدقة في الوصف وتحري الصدق كائناً ما كان، لأنه الموصل إلى الحقائق، لا الظن والتفكير الرغبوي الذي قد يتحكم فيمن يكتب لأهداف نهضوية؛ فالنهضويون لا يرون الأشياء كما هي. وأبرز ما يحسُن أن يدركه المهتمون أن لدينا ابن تيمية الحقيقي وعوالمه المتناقضة في ما بينها، ولدينا صورة ابن تيمية عند السلفيين المعاصرين، وهما شيئان مختلفان جداً، والسلفيون، تحديداً، لا يُدركون أنهم كانوا انتقائيين مع ابن تيمية، وأنهم أخذوا منه ما أرادوا وتركوا منه ما لم يُريدوا.

اقرأ أيضًا: حسن حنفي ومشروعه الكبير عن “التراث والتجديد”

لدارس التناقضات التي تحدث بين آراء ابن تيمية المنقولة أن يحيلها إلى أمرَين:

1- المراحل: فمن المعلوم أن كل كاتب تمر به مراحل مختلفة من حياته، ويغلب أن نجد في آرائه شيخاً ما يختلف عن آرائه شاباً. ومن المشهور أن الشافعي كان له مذهب لما كان في العراق تحوَّل عنه لما انتقل إلى مصر؛ فاختلفت فتاواه كثيراً بعد هذه النقلة. وكنت في ما سبق أميل إلى تفسير ما أراه من تناقضات في نصوص ابن تيمية إلى نظرية المراحل العمرية هذه؛ فمن المعلوم أن الرجل عندما يصبح شيخاً، تخفّ عنده روح العداء والخصومة ويميل لالتماس الأعذار لخصومه، غير أنني وقفت على ما يُثبت أن هذه النظرية لن تكون كافية عندما يتعلق الأمر بتناقضات ابن تيمية.

2- العوالم: هذه هي نظريتي الخاصة لتفسير تناقضاته؛ لقد كان يعيش حياته العقلية في دوائر مختلفة لا يجمعها جامع، متباينة تماماً، متعارضة بالكامل ولا يمكن بحال ترتيب هذه العوالم حسب المراحل، ولو أننا رجعنا إلى أيامه الأخيرة ودخلنا معه في زنزانته المظلمة التي مات فيها لوجدنا عوالمه المتناقضة حاضرةً فيه ماكثةً معه لا تغيب. هذه المساكنة الغريبة والمعايشة الفريدة جديرة بالاستعراض والبحث. وهذا ما سنفعله في هذا الكتاب، وقد جمعتُ فيه الدوائر أو العوالم التالية:

عالم الإنسان وعالم البحث وعالم الحنابلة وعالم الأشاعرة وعالم اللغة وعالم الفقه وعالم السياسة وعالم الإرهاب وعالم العقل وعالم الفلسفة وعالم العلم التجريبي وعالم السجن وعالم الجن وعالم التصوف.

وقد استخدمت لدراسة ابن تيمية التي تتضمن دراسة التراث الإسلامي معه، عدداً من المناهج، أولاً: المنهج التاريخي الذي يجمع الأدلة الماضية ويعمل على ترتيبها وتصنيفها ونقدها، ثم يعرضها في صورة حقائق موثقة، ويخرج بمدلولات وقرائن تساعد على فهم الموضوع. وبقدر ما عندي استخدمت منهج التحليل النفسي في دراسة شخصيته. وبصورة أكبر سنوظف المنهج الوصفي الذي يقوم بدراسة الظواهر من خلال وصفها بطريقة علمية واقعية تهتم بما هو موجود بالفعل، ثم الوصول إلى تفسيرات منطقية لها دلائل وبراهين. وبصفة أخص سنستخدم الديالكتيك (الجدل) الهيغلي لتصور الصراع وتطور الأفكار، وتشكلها وتركبها.

الفيلسوف الألماني هيجل- أرشيف

هذا الديالكتيك طبقه هيغل على كل القضايا الكبرى، الوجود واللا وجود والمتناهي واللا متناهي، وكل واحدة منهما تستدعي الأخرى، وبالصراع وحده يحدث التنقل من الحد الأول إلى الحد الثاني.. وهكذا. ولو أمعنا النظر لوجدنا أن عملية النفي ليست مجرد نشاط ذهني ترفي؛ بل كل ما يحيط بنا من هذا العالم، من الثلج الذي يُنفى فيصير ماءً، والماء الذي يُنفى فيصير بخاراً، والحيتان التي تموت فيتحول بعض أجزائها عبر الزمن إلى نفط، كل ذلك يسير على نفس الخطة. وعندما ننظر في نظامنا الشمسي، سندرك أن هذا الكوكب الذي يوجد الآن في مكان، يُعلن أيضاً أن من طبيعته أن ينتقل إلى مكان آخر؛ لأنه لا مناص له من الحركة التي ستنقله إلى وجود مغاير. وعندما تنظر في نفسك، في أمسِك، فترى أنك كنت تسير في طريق ما، فتنزع نفسك اليوم إلى معارضة ما كنت عليه بالأمس ومسيرتك تلك، فينشأ صراع شديد بين الأمس واليوم وتمزق، ثم يكون هناك مُركّب يتجلى في الغد. كل هؤلاء شهود عدول على صدق الديالكتيك وأنه واقع نعيشه في كل لحظة، في الطبيعة وفي الإنسان وفي الفكر. فهذا الديالكتيك ليس حكراً على الطبيعة؛ بل يدخل أيضاً في حياة الإنسان الروحية، وكل الأنظمة والقوانين وحياتنا الأخلاقية، ويجري في كل شيء بلا استثناء، على قانون: كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده. وكما قال هيغل: “الفرح يظهر من خلال الدموع، والحزن الشديد يتجلَّى في ابتسامة”. وهكذا، لا يمكن تصور أية ظاهرة تاريخية منعزلة أو مبتورة عن غيرها أو قائمة بذاتها؛ بل هي تتوقف على ما سواها من الظواهر التاريخية أو الفكرية، وترتبط أشد الارتباط بالكل. نحن نبصر التناقض وهو يسري في الطبيعة والفكر والإنسان في كل لحظة، نراه في حركة الكواكب، في تغير الظواهر الطبيعية، في تقلبات الأجواء، مثلما نراها في حياتنا الشخصية: في تناقضاتنا وانقلابنا على ذواتنا. في ذلك يقول هيغل “إن التناقض مبدأ كل حركة وكل حياة وكل تأثير فعَّال في عالم الواقع”. هذا هو المنهج الذي سنتكئ عليه بقوة لدراسة شيء من تاريخنا وتراثنا ممثلاً في تراث ابن تيمية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة