الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عوائق التنفيذ الناجع لبرامج مكافحة التطرف العنيف في إفريقيا

كيوبوست- ترجمات

إيسل فان زيل♦

منذ تدشين خطة عمل الأمم المتحدة لمنع التطرف العنيف خلال الاجتماع الـ 70 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015، أطلقت العديد من البرامج ذات الصلة في جميع أنحاء العالم في مسعى للحدِّ من التهديد المتزايد للتطرف العنيف. تُنفذ العديد من برامج منع التطرف العنيف ومكافحته من قبل ممارسين يعملون في منظمات المجتمع المدني المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والمنظمات غير الحكومية الدولية. وعلى الرغم من العدد الكبير من مشاريع منع التطرف العنيف التي تُنفذ في إفريقيا، فلا يزال انعدام الأمن والعنف والأعمال العدائية تهدِّد التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتماسك المجتمعي.

وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2022، ارتفعت الهجمات العنيفة في منطقة الساحل بنسبة 1000% في السنوات الـ 14 الماضية، في ظل وجود دوافع كامنة مثل عدم الوصول إلى الخدمات الأساسية، والنمو السكاني السريع، وضعف الحوكمة. وعلى الرغم من انخفاض الهجمات العنيفة التي تشنها حركة الشباب في شرق إفريقيا، تواصل الحركة الاستفادة من ضعف الحكم أو انعدامه في المناطق الريفية في جميع أنحاء المنطقة. علاوة على ذلك، فإن 48% (أو 3,461) من الوفيات العالمية، الناجمة عن الهجمات التي تشنها الجماعات الإرهابية أو المتطرفة العنيفة، وقعت في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

اقرأ أيضًا: مكافحة التطرف العنيف في بلجيكا: نظرة تحليلية

الدول الهشة وضعف الحكم

يظهر المؤشر أيضًا أن غالبية الحوادث المتصلة بالإرهاب تقع أساسًا على بعد 50 كيلومترًا من منطقة نزاع. وفي الفترة بين عامي 1989 و2014، وقعت قرابة 88% من الأنشطة والهجمات الإرهابية والمتطرفة العنيفة في الدول التي تعاني صراعاتٍ. لقد شهدت دول كثيرة في إفريقيا، أو لا تزال تشهد، عنفًا مستمرًا، أي في شكل حروب أهلية، وعنف سياسي، وديكتاتوريات، وحركات تمرد، وإرهاب. في عام 2020، انخرط ما مجموعه 20 دولة من أصل 46 دولة جنوب الصحراء الكبرى في شكلٍ من أشكال النزاع المسلح.

البيئات الهشة تسمح للجماعات العنيفة بالحركة وممارسة أنشطتها دون عائق، فضلًا عن تيسير استغلال الجماعات المتطرفة العنيفة للمجتمع. كما يتيح ضعف الحكم للجماعات المتطرفة العنيفة الاستيلاء على المدن الصغيرة غير الخاضعة للحكم، والقواعد العسكرية في بعض الحالات. وغالبًا ما تحل الجماعات المتطرفة العنيفة محل “الدولة” في بعض المناطق، وتقدم الخدمات الأساسية للمجتمعات المحلية في محاولة لحشد الدعم من المجتمعات المحلية، مثلما تفعل حركة الشباب في الصومال.

مقاتلون من حركة الشباب في الصومال- أرشيف

غياب التدخل لتحقيق الاستقرار بعد انتهاء الصراع

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن هناك نقصًا في برامج تحقيق الاستقرار الرسمية والمستدامة بعد انتهاء الصراع من أجل إعادة بناء الدول الهشّة التي شهدت الصراع والعنف. ويشمل ذلك إعادة بناء الهياكل الأساسية والمؤسسات السياسية والاجتماعية، وإعادة تأهيل المقاتلين السابقين وإعادة إدماجهم، وتعزيز الظروف التي من شأنها تحسين قدرة السكان على الصمود في وجه العنف وانعدام الأمن. علاوة على ذلك، نادرًا ما تُعالج الصدمات والآثار النفسية الطويلة الأمد التي خلّفها العنف الدائم وانعدام الأمن على التماسك الاجتماعي والمجتمعي والرفاه العام للسكان. ومن شأن الافتقار إلى جهود تحقيق الاستقرار بعد انتهاء الصراع التي تشمل و/أو تعطي الأولوية لنُهج الصحة العقلية مثل الدعم النفسي والاجتماعي، وإسداء المشورة في حالات الصدمات النفسية أن يعرقل أيضًا جهود إعادة تأهيل المقاتلين السابقين وإعادة إدماجهم. سيواجه أي برنامج معيب تحديات خطيرة إذا لم يكن هناك تركيز واضح على نُهج الصحة العقلية التي تستهدف كلًا من المقاتلين السابقين والمجتمعات التي من المفترض أن تستوعب هؤلاء العائدين إليها.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

غياب الإرادة والقدرة السياسية

غالبًا ما تفتقر السلطات المركزية في هذه الدول إلى الإرادة و/ أو القدرة على معالجة قضايا انعدام الأمن والعنف، ما يُصعِّب على المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية المحلية تنفيذ البرامج المتعلقة بمكافحة التطرف العنيف.

يشير مصطلح “النقص” أيضًا إلى الإحجام عن وضع خطة عمل وطنية لمكافحة التطرف العنيف ومنعه، وعدم الرغبة في الالتزام ببرامج منع التطرف العنيف أو تخصيص التمويل لها، وتجنب الاعتراف بدوافع انعدام الأمن والصراع. وفي الغالب، تلجأ الحكومات الإفريقية والأجنبية، والمنظمات المتعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، إلى أساليب تعتمد على “رد الفعل” و”الأمننة” في مواجهة تهديد التطرف العنيف. 

وعلى الرغم من أن العمليات العسكرية مثل عمليتي “سيرفال” و”برخان” في مالي، وبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، و”عملية أوسالاما” في كينيا، وقوات “الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي” في موزمبيق، قد أحرزت تقدمًا كبيرًا في ردع نشاط الجماعات المتطرفة العنيفة، فإن هذه العمليات تخفق في معالجة الدوافع الجوهرية للتطرف العنيف، مثل الفقر ونقص الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة، والتهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وتتحمل الجهاتُ الفاعلة المحلية مثل منظمات المجتمع المدني المحلية والمنظمات غير الحكومية جُلَّ مسؤولية تنفيذ الأنشطة المتعلقة بمنع التطرف العنيف ومعالجة دوافعه.

مفرزة جنود فرنسيين تابعين لعملية برخان في صحراء مالي- وكالات

فيما يتعلق بنهجي “رد الفعل” و”الأمننة” المفرطة التي تتبعها الحكومات الوطنية والأجنبية بغية الحدِّ من تهديد التطرف العنيف، ترتكب الجيوش والأجهزة الأمنية انتهاكات لحقوق الإنسان، قضية تُعتبر العامل الرئيس الذي يدفع الأفراد للانضمام إلى جماعات المتطرفة العنيفة في إفريقيا. ولهذا السبب يدعوا الخبراء إلى زيادة التركيز على النُهج الإنمائية للحد من الدوافع والعوامل الدافعة للتطرف العنيف.

منع التطرف العنيف: نهج مفيد أم ضار؟  

يدور حاليًا نقاش بشأن مدى أهمية برامج منع التطرف العنيف والفائدة العملية منها كإطار عمل لمعالجة دوافع التطرف العنيف. وفي هذا الصدد، يبحث الممارسون التأثير السلبي في كثير من الأحيان الذي تحدثه برامج الوقاية من التطرف العنيف ومكافحته، خاصة عندما تستهدف هذه البرامج المجتمعات المهمّشة والضعيفة. إذ يمكن أن يتسبب هذا المصطلح في مزيدٍ من الوصم والضعف لهذه المجتمعات، خاصة عند استهداف مجموعات عرقية ودينية محددة. ويمكن للمجتمعات المحلية والمستفيدين الذين يُعتبرون الأكثر حاجة إلى أنشطة منع التطرف العنيف أن يصبحوا أهدافًا للعمليات الأمنية الحكومية أو للهجمات الانتقامية من قبل الجماعات المتطرفة العنيفة.

علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي تنفيذ أنشطة منع التطرف العنيف إلى تفاقم الأعمال العدائية المجتمعية، خاصة عندما تدعم برامج الوقاية من التطرف العنيف ومكافحته ماليًا ولوجستيًا مجتمعات محلية محددة وتستبعد المجتمعات التي يُنظر إليها على أنها غير ضعيفة جدًا. خلاف ذلك، غالبًا ما تُنتقد برامج منع التطرف العنيف لكونها متحيّزة، حيث تسيء الحكومات استخدام برامج منع التطرف العنيف لقمع المعارضين السياسيين أو الأفراد الذين ينتقدون علنا قيادة الدولة. وأخيرًا، فإن شعبية برامج منع التطرف العنيف تجعلها تحظى بالأولوية على البرامج التقليدية لتحقيق التنمية والسلام. والأهم من ذلك، أن برامج التنمية وبناء السلام التقليدية قد تُدرج تحت بند تدخلات منع التطرف العنيف، ومن ثم لا تُطبق سوى على المجتمعات المحلية والمستفيدين المُعرّضين للتجنيد المتطرف العنيف، وليست على جميع السكان.

اقرأ أيضاً: “مذبحة تلاتايت”.. هل يكرر “داعش” مأساة الرقة في شمال مالي؟

الخلاصة

نجاح تدخلات منع التطرف العنيف أمر بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والرفاه العام للمجتمعات المحلية في إفريقيا. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته بعض برامج مكافحة الإرهاب ومكافحة التطرف العنيف حتى الآن، لا تزال الجماعات المتطرفة العنيفة تواصل عمليات التجنيد والتطرف وشن الهجمات التي تهدد استقرار المجتمعات في جميع أنحاء القارة ورفاهيتها.

محتوى هذه المقالة وأي أخطاء أو سهو بها هي مسؤولية الكاتبة. كما أن الآراء الواردة في هذه المقالة لا تُعبِّر بالضرورة عن آراء شبكة المدن القوية أو أعضائها أو مؤيديها.

♦مديرة برنامج إفريقيا، شبكة المدن القوية.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة