الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

عهد بايدن.. تحديات جديدة للسياسات الخارجية والأمنية في أوروبا والشرق الأوسط

د. دينيس ساموت

استغل الرئيس الأمريكي جو بايدن، خطاب تنصيبه لإيصال رسائل تفيد عودة الولايات المتحدة إلى دبلوماسيتها الدولية التقليدية، فقال: “سنصلح تحالفاتنا، وسنتواصل مع العالم مجدداً، ليس من أجل مواجهة تحديات الأمس فقط؛ بل لمواجهة تحديات اليوم والغد أيضاً. وسوف نقود العالم من خلال قيمنا، وليس من خلال قوتنا”.

لاقت تلك الرسالة صدى جيداً في أوروبا خصوصاً؛ حيث كانت “العلاقات عبر الأطلسي” تعاني فراغاً غير مسبوق استمر طيلة سنوات ترامب الأربع العاصفة. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير ليين، في تغريدة لها على “تويتر” قبل أن ينهي بايدن خطابه: “شكراً لك على خطاب التنصيب الملهم، وعلى عرض التعاون. أوروبا مستعدة لبداية جديدة”.

الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن يلقي خطاب التنصيب- وكالات

ربما كانت الأمور في يوم التنصيب مختلفة نوعاً ما في الشرق الأوسط؛ حيث كان أسلوب صفقات ترامب في سياسته الخارجية واضحاً ومفهوماً ومقبولاً بشكل عام، إذ يعلم القادة هناك عبر السنين أن لا شيء يأتي بالمجان على الإطلاق. لقد قضى ترامب الكثير من الوقت بالعمل على ملفات المنطقة في محاولات لدفع مشروعاته المختلفة إلى الأمام إلى جانب قضايا أخرى مثل إيران؛ حيث تبنى موقفاً متشدداً بما في ذلك الانسحاب من الاتفاق النووي معها، واتخاذ مواقف أقرب من إسرائيل بشكل عام. وتشير التوقعات في بعض دول الشرق الأوسط إلى أن بايدن سيكون أقل انخراطاً معها من سلفه ترامب.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

فأسلوب إدارة بايدن في ممارسة سياساتها الخارجية في أوروبا والشرق الأوسط سيكون مختلفاً تماماً؛ ولكن من حيث الجوهر، ستكون هنالك استمرارية، ويرجع ذلك ببساطة إلى حقيقة أن الظروف تفرض الكثير من الإجراءات.

ما الذي تغير وما الذي لم يتغير مع تولي بايدن إدارة السياسة الخارجية الأمريكية؟- “أكسيوس”

يرأس بايدن إدارة تواجه بعضاً من أخطر التحديات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الضروري أن تكون معالجة المشكلات الأمريكية الداخلية في أعلى قائمة أولوياته؛ إذ إن الدور الأمريكي الدولي سيكون دون معنى ما لم تتم معالجة هذه المشكلات. بايدن سوف يحدد الخطوط العريضة لهذا المسار، وستقع مسؤولية التطبيق على عاتق فرق السياسة الخارجية والأمن المتمرسة.

اقرأ أيضاً: من نيكسون إلى ترامب.. كيف كانت السياسة الخارجية طوق نجاة من العزل؟ (1-2)

وبمجرد أن تلتفت الإدارة الأمريكية إلى التركيز على السياسة الخارجية -وربما ستسرع الأحداث من قدوم تلك اللحظة- سوف تجد نفسها في مواجهة تحديين رئيسيين: الصين وروسيا. لم يعد التحول الاستراتيجي للولايات المتحدة باتجاه آسيا والمحيط الهادي مجرد مسألة خيار؛ فالولايات المتحدة يجب عليها التحرك إذا كانت تريد احتواء النزعة التوسعية للصين التي تطمح إلى العالمية. وتشير الأصوات في بكين إلى أن الصين لا تنوي التراجع عن هذه السياسة أو تعديل هذه الطموحات. فهي ترى أن لحظتها قد حانت.

تعتبر روسيا إلى حد ما تهديداً تقليدياً يمكن التنبؤ به؛ فهي تستعرض عضلاتها في محيطها القريب وطموحاتها محدودة بحدودها الاقتصادية. ولكن تصرفاتها في السنوات الأخيرة تعني أنه يجب النظر إليها كخصم. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الباب ليس مقفلاً تماماً في وجه احتمال حصول تقارب بين روسيا والغرب في المستقبل، وهذا ما كان يؤيده كثيرون في أوروبا منذ بعض الوقت.

أول اختبارات السياسة الخارجية التي ستواجه بايدن سيكون موازنة العلاقة مع روسيا- “فاينانشال تايمز”

ومن المرجح أن يتسارع هذا التحول في اهتمامات السياسة الخارجية من أوروبا والشرق الأوسط إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي؛ مما ستكون له عواقب على العلاقات الأمريكية مع كل من أوروبا والشرق الأوسط.

سوف يعتاد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط على المساهمة أكثر في قضايا الأمن والدفاع الخاصة بهم في ظل انتقال الاهتمام الأمريكي نحو الشرق. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي في البحث بشكل جدي في كيفية لعب دور أكبر في السياسة العالمية؛ حيث يجب أن يبدأ أولاً في محيطه الجغرافي الذي يشهد العديد من المشكلات التي لا تزال استجابته لها -في أحسن الأحوال- غير كافية.

اقرأ أيضاً: القدرة على الفعل.. ميزات أمريكا وفرص بايدن

ولا يختلف الوضعُ كثيراً في الشرق الأوسط؛ حيث من المتوقع أن تتم دعوة المنظمات الإقليمية، مثل مجلس التعاون الخليجي؛ للعب دور أكثر فعالية في الدفاع والأمن الإقليمي. وربما نكون قد شهدنا البوادر الأولى لذلك في قمة العلا الأخيرة. التهديد الرئيسي في منطقة الخليج هو إيران، وما تبحث عنه إدارة بايدن هو صيغة للاحتواء والانخراط بالعمل المشترك مع الحلفاء الإقليميين والأوروبيين الذين حافظوا على شعرة معاوية مع طهران، خلال سنوات ترامب المضطربة.

كيف شكلت الدبلوماسية غير الرسمية لبايدن العلاقات الخارجية؟- “نيويورك تايمز”

وهذا الوضع الجديد سوف يتطلب تعاوناً أوثق بين اللاعبين الرئيسيين في أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ خصوصاً في مناطق الخليج والبحر الأحمر، حيث أصبحت العلاقات الأوروبية- الخليجية أكثر محورية من أي وقت مضى. وهنالك مجال لمبادرات مشتركة للتعامل مع التحديات الإقليمية الناشئة، ومقاربة مشتركة أكثر قوة لقضايا مثل التطرف وانتشاره؛ لا سيما في إفريقيا. وهذا سيتطلب قدراً من القوة الناعمة بقد ما يتطلب القوة الصلبة. وهذا مجال مثير للاهتمام بالنظر إلى أن أوروبا ومجلس التعاون لديهما مقدار كبير من القوة الناعمة، ولكنهما نادراً ما حاولا استخدامها بشكل مشترك لخدمة القضايا المشتركة.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد العالم من جو بايدن؟

وسيكون دور إسرائيل في هذه المنظومة المستقبلية مثيراً للاهتمام؛ فإسرائيل، حتى الآن، ينظر إليها على أنها مستهلك أمني، ودورها مقيد بعدم وجود علاقات لها مع جيرانها العرب. واتفاقيات إبراهيم، على الرغم من أنها مجرد بداية لعملية طويلة وشاقة؛ فإنها سوف توفر الأرضية لتحويل إسرائيل إلى مزود إقليمي للأمن، وهذا ما يرى البعض أنه سوف يغير قواعد اللعبة في المنطقة.

وفي ظل قيادة بايدن، سوف تشجع الولايات المتحدة هذه العملية. ولن يختفي الحضور الأمريكي بين ليلة وضحاها من أوروبا أو الخليج أو بقية مناطق الشرق الأوسط؛ بل سوف يتضاءل هذا الحضور تدريجياً وبشكل ملحوظ، بينما يتحول تركيزها نحو الصين ومناطق آسيا والمحيط الهادي. وفي عهد بايدن يمكننا أن نتوقع أن تكون هذه العملية أكثر تنظيماً وأن تتم بشكل أكثر عقلانية.

♦مدير مؤسسة “لينكس يوروب” في لاهاي، ومدير تحرير موقعcommonspace.eu..  يكتب بانتظام في قضايا الأمن الأوروبي، وقضايا جنوب القوقاز والخليج العربي.

لقراءة الأصل الإنجليزي: Biden Foreign Policy

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة