الواجهة الرئيسيةمقالات

عن “كورونا” والخفاش والكمامات وسائر سلالات الإنفلونزا

  • د.نجاة عبدالصمد

هما فكرتان لا أكثر:

الأولى: اتبعوا الخفاش المذنب، ناقل “كورونا” وحامل إثم إصابة البشرية به!

والثانية: ارتداء الكمامات العابر للقارات قد يكون خلاصاً ليس فقط من “كورونا”؛ بل من جميع سلالات الإنفلونزا على كوكب الأرض!

كتب الطبيب السوري نشأت أبو فخر، منذ أيام، على صفحته في “فيسبوك” خبراً لا يخلو من الطرافة:

“في قديم الزمان كان في بيت جدي كلبان؛ واحد أشقر والثاني أسود مبرقع. كانا متفاهمين في ما بينهما بشكل لافت. فعندما يمرض الكلب الأشقر لا يبدأ النباح على رفيقه المعافى ولا يشكو له معاناته مع المرض؛ بل يذهب ويجول في الجوار بحثاً عن نوع محدد من العشب، يهتدي إليه بغريزته ويلتزم بأكله وحده (في حمية طبيعية عن اللحم أو العظم أو جميع الطيبات الكلبية) حتى يشفى. حينها فقط يعود ليستأنف حياته الطبيعية بصحبة صديقه الكلب المعافى، وكذلك العكس حين يمرض الكلب الأسود المبرقع”.

اقرأ أيضًا: هل تسيطر الصين على منظمة الصحة العالمية؟

وأنا أقرأ الخبر قفزت بي ذاكرتي إلى عام 1988، كنا في السنة الثالثة في كلية الطب حين انضم إلى فئتنا طالب جديد اسمه أندريه باردين. باردين شخص لا يمكن أن يغادر الذاكرة. كان بدأ دراسة الطب قبلنا بسنتين، وأخذوه من الكلية ليقضي سنتين كاملتين في الخدمة العسكرية الإلزامية في أفغانستان. كنا نسمع عن بعض أحوال الجنود السوفييت في أفغانستان، وعلى قلة تلك الأخبار، إضافةً إلى التكتم الشديد حولها، فقد فهم الجميع أنها أحوال كفيلة بقهر آخيل نفسه؛ لكنها لم تقهر باردين تماماً. كانت فيه هذه الروح العالية التي بثها بيننا لتحملنا كلنا على أن نحترمه ونحبه.

يعتقد بأن مصدر الفيروس أحد أسواق ووهان – وكالات

روى لنا باردين كيف تجبره جدته على تناول إفطاره قبل المجيء إلى الدوام في الكلية: فخذ ديك رومي وصحن أرز وسلطة خضار وتفاحة وعسل: “كل يا ولدي كي تنسى سنتي أفغانستان”! لم يكن باردين يفاخر بفطوره بقدر ما كان يتندر على جدته، كان في غاية اللطف والأدب والتهذيب، وحتى نهاية دراستنا كان باردين يهدي لكل بنات الفئة باقةً من ثلاث وردات من التوليب الأحمر في يوم عيد المرأة.

اقرأ أيضًا: وباء كورونا.. كيف استطاعت الصين إدارة الأزمة؟

أما الأساتذة والمدربون المساعدون في الكلية، فقد تنازعوا على اجتذاب باردين، كلٌّ إلى قسمه؛ ليكون باردين مساعداً لهم في إجراء البحوث العلمية والتجارب الطبية التي كانت تُجرى في كل شعبة حسب اختصاصها، إضافةً إلى تدريسنا الطب. وكان باردين يختار البحوث الأصعب والتجارب الأعقد إلى أن اجتذبته الجراحة العصبية، ولا أشك اليوم في أنه أصبح ليس فقط طبيباً جراحاً بل لا أقل من عالم في الطب.

أحد المتطوعين يوزع الاحتياجات الأساسية على المواطنين في إيطاليا خلال فترة الإغلاق الكامل لمواجهة أزمة كورونا – أبريل 2020

كان باردين يرى أن القضاء على فيروس الإنفلونزا ليس إعجازاً؛ بل هو ممكن جداً، بل وغير مكلف اقتصادياً إذا وحدت جميع الحكومات في العالم جهودها بالاتفاق في ما بينها لتعلن ساعة الصفر، بأن يرتدي جميع سكان الكرة الأرضية الكمامات لأسبوعٍ كامل ليل نهار، وفي كل الأمكنة حتى في البيت، وهذا الأسبوع الوحيد والصارم كفيل وحده بالقضاء على مختلف سلالات الإنفلونزا على سطح الأرض. وكان باردين يستعرض الصعوبات الممكنة في تسيير الحملة، ويرفقها باقتراح حلول منطقية تضمن نجاح حملة الكمامات، هذا في الوقت الذي لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي قد بدأت إلا ربما في خيال الحالمين..

شاهد: فيديوغراف.. هل سيختفي فيروس كورونا مع قدوم فصل الصيف؟

أعود إلى بوست د.أبو فخر. حسناً إذن: بما أن إصابة البشرية بفيروس كورونا جاءت من ذلك الخفاش اللعين حامل الفيروس، والذي لا يزال طليقاً ينقل العدوى على هواه؛ لماذا نرى ردود أفعال هذه الحكومات العالمية العظيمة بما يشبه النباح على بعضها، في الوقت الذي تسرق فيه الإمدادات الطبية من درب بعضها بدلاً من الخطط والتدابير العملية اللازمة للخلاص من الكارثة، وبدلاً من هذا تراها تتخبط وترعب شعوبها: هل تزرب الجميع في بيوتهم إلى أمد لا يعلمه إلا الله، أم تكتفي بزرب المسنين وضعيفي المناعة فقط أم تترك الجميع طليقين يعيثون في الأرض “كورونا” كما فعلت السويد، أم تجبر الجميع على ارتداء الكمامات كما فعل أكثر من حكومة، أم تفرض عليهم حظر الخروج من البيت تحت طائلة الغرامة المادية أو غيرها؟!

أحد الأطباء الإيطاليين المعالجين لفيروس كورونا يقف خارج وحدة العناية المركزة – أبريل 2020

يقترح الدكتور نشأت مثلاً: اتبعوا الخفاش المذنب في نقل وباء كورونا، راقبوا سلوكه: لماذا لا يموت هذا الخفاش رغم حمله الفيروس؟ لماذا لا يراقبون تحركاته على مدار الساعة؟ أين يطير وكم من الوقت يقضي في الطيران؟ ويرصدون طعامه وشرابه وفضلاته، ويفحصون دمه إن كان قد صنع أجساماً مضادة للفيروس؛ فقد تكون هذه هي الخطوة الأولى التي يجب أن تبدأ أبحاث العلاج واللقاح منها، وقد تستفيد منها هذه الجموع الآدمية المزروبة في بيوتها مرعوبة من المرض أو الموت..

وإذا اتفقنا على عدم الدخول في جدال: هل الفيروس مصنع أم أن الله أرسله إلى كوكب الأرض؛ ليتعظ سكانه المتمادون في شرورهم؟ وهل، بغض النظر عن سبب قدوم هذه الجائحة العالمية، تضع الحكومات ومراكز الأبحاث العلمية، والطبية خصوصاً، هدفها الأول في احتواء الجائحة بأسرع ما يمكن؛ باكتشاف الدواء الشافي لمن أصيبوا، وبتصنيع اللقاح الواقي لمن لم يصابوا بعد؟ أم أن ما يشغل بالها هو التجييش السياسي إلى أن تكتمل إعادة صياغة مراكز القوى، وجني الثروات الهائلة، واستمرار زعزعة هذا العالم بسقوط بعض القوى القديمة، وبزوغ قوى جديدة مكانها، تكرس تفاقم الفقر وتزيد من بؤر المجاعات المزمنة في القارات البائسة؟

اقرأ أيضًا: حان الوقت لإدخال الصين في عزلة نتيجة عدم أمانتها في التعامل مع فيروس كورونا

ومع هذا، فربما لا تعطي فكرتا ملاحقة الخفاش، وارتداء الكمامات، نتيجةً أكيدة وحاسمة، إنما لا جدال حول دور الإنسان الفرد أينما كان في الوقاية الشخصية؛ من خلال حفظ المسافة لا أقل من متر ونصف المتر بين إنسان وآخر، وتكرار غسل الأيدي بالصابون لا أقل من 20 ثانية، وتعقيم جميع السطوح التي تتماس معها الأيدي، وكذلك ارتداء الكمامات، إضافة إلى التغذية الموجهة إلى دعم المناعة، والنشاط الرياضي الذي يجدد حيوية جميع أجهزة الإنسان. فهذا السلوك المتكامل ينفع عموماً في درء كثير من الأمراض؛ بما فيها الإنفلونزا، وقد نتعلم من هذا الحصار الراهن أن يصبح هذا السلوك نهج حياة في المستقبل..

  • طبيبة وكاتبة ومؤلفة سورية صدر لها “غورنيكات سورية”، و ” في حنايا الحرب”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة