الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

عن المصالحة الخليجية.. تعافي روح المجلس المشروخة تحتاج إلى ثقة ووقت لا تغني عنهما “الشيلات”

 كيوبوست

بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من الأزمة الدبلوماسية الأطول في تاريخ الخليج، يتبادر السؤال عن أوضاع المنطقة، في ما بعد قمة العلا، وعن الوجهة القادمة لها.

د. محمد الرميحي

يقول أستاذ علم الاجتماع والسياسة الكويتي د.محمد الرميحي، في تعليق لـ”كيوبوست”: “في إقليم غير مستقر مثل الشرق الأوسط، يبرز الخليج كاستثناء إيجابي. ويجب المحافظة على هذا المُنجز للأجيال القادمة”؛ لكن ماذا عن تلافي أزماتٍ شبيهة؟ يضيف الرميحي: “التوافق سمة ميَّزت عرب الخليج والجزيرة؛ وهذا ليس فقط في صلب تداولاتهم الاجتماعية والحياتية، بل وانتقلت أيضاً إلى حياتهم السياسية، ومجلس التعاون خير دليل على ذلك”. التفاؤل الذي انتشر بين مواطني الخليج في الأيام اللاحقة للمصالحة أمرٌ مفهوم ومتوقع؛ لكن الحفاظ على البيت الخليجي يستدعي التحرك نحو إجراءاتٍ تصونه، وتكفل الموازنة بين مصالح كل دولة على حدة، من غير الإضرار بأحدها أو بالأمن الجماعي. ويعلق الرميحي: “الحاجة ملحة والتوقيت مناسب الآن؛ لوجود رغبة سياسية جماعية، من أجل تفعيل آليات فض المنازعات بين الدول الأعضاء”. لا شك أن الوعي بين الخليجيين قد تضاعف نحو الحاجة إلى تطوير عمل المجلس، ونقله إلى مستوى جديد من الدقة والحرفية، ويقول الرميحي: “الكلمة المهمة هنا هي المأسسة؛ حيث يتم وضع وتفعيل قواعد واضحة ومرنة تفتح قنوات الحوار وتصفية الخلافات أياً كانت”.

لاقت مخرجات قمة العلا ترحيبًا دوليًا – وكالات

ويقول الباحث الإماراتي منصور النقيدان: “ما أكده الرميحي لا خلاف عليه؛ ولكنه منوط بالإيمان العميق بالخليج موحداً ومتحداً، وأنه لا يزال قوياً ومتجذراً في وجدان القادة والمواطنين. الضربات التي تعرض لها المجلس في السنوات الماضية جعلته مريضاً وهشاً ومترنحاً. والسؤال هنا: هل يمكن أن تنهض قوتان كالسعودية والإمارات من أصل ست بالإمساك بتلابيب المجلس وشد أوتاده وبعث الروح فيه كرَّة أخرى؟ الجواب هو نعم؛ ولكنها لن تكون إلا على جناحي معجزة. إن خارطة التحالفات في السنوات العشر الماضية، وفي السنوات الست منذ الأزمة الأولى، مروراً بالأزمة الأخيرة التي سمحت لقوى إقليمية ضالعة بالولوغ في عقر دار مجلس التعاون، وهي قوى كارهة له وساعية لإضعافه؛ كل هذه العوامل والتحولات كفيلة بالإجابة عن السؤال”.

الكاتب الإماراتي منصور النقيدان

 ويضيف النقيدان أن مجلس التعاون الخليجي في حاجة إلى تأهيل على أكثر من صعيد؛ ثمة رضوض نفسية متفاوتة المستوى، خدشت روح المجلس ونهشت في سويداء مجتمعاته، ومن الواضح جداً أننا في حاجة إلى فترة كافية حتى نضمن أنها ليست هدنة ومصالحة هشة.

المصالحة والوسيط الكويتي:

في كل منظومة إقليمية هناك دول تنتهج دائماً دور الوسيط الذي ينقل الرسائل، ويحاول التقريب بين وجهات النظر، ويسعى لحلحلة الخلافات. وقد شهدت الأزمة الخليجية نشاطاً ملحوظاً للدبلوماسية الكويتية لعدة عوامل، ويشرح د.ظافر العجمي ذلك بتصريحٍ خاص أدلى به إلى “كيوبوست”: “المصالحة الخليجية أعادت إلى الدبلوماسية الكويتية بريق نجاحاتها، والزخم الكويتي لم يتوقف بحكم أن الشيخ صباح الأحمد كان عميداً للدبلوماسية العربية والعالمية، وكان نهجه دبلوماسياً أصلاً؛ فالدبلوماسية الكويتية تنهل من إرثٍ كبير في مجال الوساطات والمصالحات”. النجاح الكويتي قد يفتح الباب أمام أدوارٍ شبيهة في جبهات ساخنة أخرى، ويقول العجمي: “أتوقع أن تكون المصالحة هي بادرة لكي نرى ملفات أخرى على طاولة الدبلوماسية الكويتية؛ مثل الملف اليمني، وهو أقربنا. أعتقد أن الكويت عادت إلى موقعها كوسيط أمين وثقة في الوساطات الإقليمية؛ خصوصاً أننا شهدنا في الأزمة الخليجية تراجع الدول الكبرى عن التدخل، وترك الأمر للوساطة الكويتية”.

من فعاليات قمة العلا – وكالات

اقرأ أيضًا: المصالحة الخليجية وتداعياتها في مرآة الصحافة العالمية

د.ظافر العجمي

ويقول النقيدان:” التطورات الأخيرة في المصالحة شيء مهم للغاية وأساسي ليقوم المجلس بأدواره المهمة والمتراكمة؛ ولكن من المهم أيضاً أن نعي جيداً أن الوساطات ليست مواقف يعول عليها في حومة الأخطار والتحديات الوجودية؛ فالمجلس في حالة من الضعف تستلزم أن لا يتحول نصف أعضائه إلى وسطاء، الوساطة هي لعبة بارعة في تدافع كرة اللهب حتى يخبو أوارها، لا أكثر؛ لكنها إذا تحولت إلى إدمان فهي أزمة بحد ذاتها”.

حفظ التوازنات وتعديل المواقع:

دخل علينا العام الجديد مع عدة متغيرات دولية كبرى؛ من أهمها تغيير الإدارة الأمريكية، هذا بالإضافة إلى وجود رغبة، في عواصم خليجية وعربية، نحو تجديد أساليب إدارة المواجهات الجيوسياسية، والانتقال من حالة الاشتباك، في بعض الجبهات، إلى حالة تتيح التمتع بشيء من الهدوء، مع المحافظة على المكاسب والتوازنات البينية، وفي هذا الشأن ذكر المحلل السياسي البحريني عبدالله الجنيد، في تعليقٍ لـ”كيوبوست”: “أرى أن قمة العلا كانت ضمن استراتيجية الاحتواء الاستباقي من خلال تصفير الملفات المُعيقة نسبياً لمساحة المناورة السياسية للكتلة الحرجة بقيادة المملكة العربية السعودية في عدة ملفات تمس إعادة الاستقرار في الشرق الأوسط، أو ذات تأثيرات سلبية على الأمن القومي المشترك لعموم دول الخليج العربية في حال بقيت تلك الملفات عالقة دون حل؛ كالأزمة اليمنية”.

اقرأ أيضًا: المصالحة الخليجية واليمن.. الموازنات الصعبة

عبد الله الجنيد

لكن نجاح واستدامة دور الوسيط يتطلب أيضاً تفاهمات وتنازلات من الأطراف المختلفة حتى تُبنى الثقة بأن الأمن الجماعي لن تتم الاستهانة به في مقابل المصلحة الفردية، وهنا يوضح العجمي احتمالية حصول مراجعة في تقييم قطر لبعض مواقفها، فيقول: “التغيير في تقديري سيكون في النظرة إلى التحديات الأخرى؛ النظرة إلى تركيا كتحدٍّ إقليمي، وأيضاً إثيوبيا كتحدٍّ إقليمي مراعاة لمصر. وأنا أعتقد أن قطر ستكون ضمن الصف الخليجي، وإن لم تناصب هذه الأطراف العداء أو التحدي بشكل سافر كبقية دول مجلس التعاون”.

واجه الخليج تغيرات جيوستراتيجية خلال الفترة الماضية، حسب الدكتورة موران زاغا؛ الباحثة في الشأن الخليجي، وزميلة في المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، التي تؤكد لـ”كيوبوست” أن زيادة الفاعلين الجدد في المنطقة؛ ومن بينهم تركيا إلى جانب الفاعلين القدامى كان أحد أبرز هذه التغيرات، بجانب انطلاق سباق التسلح الإقليمي.

شعاار الدورة الـ41 لقمة مجلس التعاون الخليجي

 وتقول زاغا: “إن الاتفاق الجديد من شأنه إبطاء التغيرات التي تحدث في الاتجاهَين؛ لكن ستظل هناك حالة من الترقب خلال الفترة المقبلة تأثراً بالفترة الماضية”.

د. موران زاغا

وعند النظر إلى العراق، وهو الدولة العربية الكبرى المطلة على الخليج، يوضح المؤرخ ومدير المبادرة العراقية في المجلس الأطلسي؛ د.عباس كاظم، لـ”كيوبوست”، وجهة نظر بغداد، فيقول: “يعاني العراق تحديات كثيرة تهدد أمنه واستقراره؛ بعضها تحديات داخلية، وكثير منها بسبب طبيعة الظروف الإقليمية المتوترة وتعدد الصراعات في المنطقة. العراق يرحب دائماً بانتهاء الخلافات بين دول الإقليم؛ لأن ذلك سيساعد في استقراره. كما أن المصالحة بين دول الجوار تنفي الحاجة إلى وجود محاور متناحرة في المنطقة؛ وهذه المحاور تتسبب في ضغوط على العراق الذي يرغب في اتباع سياسة الحياد والتوازن في علاقاته مع دول الجوار”.

رؤية مصرية:

تبرز القاهرة كلاعبٍ مشارك، ولو من بعيد، في المصالحة الخليجية، الثابت أن عاصمة إقليمية وازنة كالقاهرة لها رؤاها التي تختلف قليلاً أو كثيراً في بعض الملفات مع حلفائها. الأمر المثير للارتياح هو أن مساحة التفاهم والاتفاق والتباين والتقارب بين القيادة المصرية والقيادتَين السعودية والإماراتية، هي متسعة بما يكفي لاحتواء بعض الاختلاف، هنا وهناك؛ بل إن هذا يتيح حرية الحركة والمناورة بما يسهل التعاطي مع الملفات الآنية، وكذلك صون العلاقات للمستقبل البعيد، وفي هذا الصدد يوضح المتخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية المصرية، د.نايل شامة، التفاصيل الدقيقة وراء موقف القاهرة، فذكر لـ”كيوبوست”: “أيَّدت مصر المصالحة الخليجية؛ لكنه تأييد مشوب بفتور واضح، ولذلك حضر وزير الخارجية قمة العلا بعد أن كانت هناك توقعات واسعة بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، بنفسه. والسبب في ما يبدو شعور مصري بعدم أخذ التحفظات المصرية الرئيسية تجاه قطر بعين الاعتبار؛ وأهمها الدعم القطري لجماعة الإخوان المسلمين، والسلوك العدائي لقناة (الجزيرة)، وهي قضايا تعتبرها مصر منذ سنوات متصلة بشكل مباشر بالأمن القومي المصري. لكن حرص مصر على العلاقة مع الرياض، المحرك الرئيسي للمصالحة مع الدوحة، دفعها للقبول في العموم بالمصالحة. الاختلاف في الموقف من قطر جزء من كل؛ إذ يتزامن مع بعض الخلافات في الرؤى بين مصر، وكلٍّ من الإمارات والسعودية، حول عدة قضايا إقليمية”.

اقرأ أيضًا: قمة العلا تعبّد دروب المصالحة الخليجية.. خطوات حذرة وإشارات متنوعة

د.عباس كاظم

2021 عام الهدوء؟

أتاحت المصالحة الخليجية لجميع الأطراف فرصة مراجعة السياسات والمواقف، والتفكر في ما هو قادم في 2021، وإن كانت المنطقة تنتظر زيارات متوقعة من الرئيس الأمريكي الجديد، بالإضافة إلى توجهات إدارته حول البرنامج النووي الإيراني، والتعامل مع التمدد التركي، وحلحلة بقع التوتر؛ مثل اليمن وسوريا وليبيا، فإن الثابت أن منطقتنا تبدأ العام الجديد برغبة في أن يكون أكثر هدوءاً عن سابقه؛ فجائحة كورونا زادت من وطأة التحديات، والكل يحسب حساب خسائره ومكاسبه، والأمر لا يتعلق فحسب بالخارطة الجيوسياسية.

قادة الخليج يفتتحون العقد الخامس من عمر المجلس بقمة العلا – وكالات

  “هو مناخ ملبد بالغيوم، وقد جرى في النهر ماء كثير منذ أعلنت المقاطعة قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، وبناء الثقة بين التحالف الرباعي وقطر يحتاج إلى وقت، عشنا سنوات عاصفة متخمة بالأهازيج وطبول الحرب والتراشق الإعلامي والتأليب والمؤامرات واستهداف أمن السعودية والإمارات والبحرين، بشكل لا يمكن إنكاره، وشهدنا رأي العين كيف عادت قوى استعمارية منبوذة إلى المنطقة، وداعبتها أحلامها باستعادة قبضتها. هذه التحولات الخطيرة لم تكن مزحة، ولا يمكن القضاء على آثارها بالشيلات”، كما يقول منصور النقيدان.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة