الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

عندما يُطوع “الريسوني” المقاصد الشرعية لخدمة السياسة

كيوبوست- أحمد سلطان♦

في مايو 2015، أصدر ؛ نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (محسوب على الإخوان)، آنذاك، مع العشرات من أعضاء الجماعة، بيان “نداء الكنانة”، الذي نص على ضرورة العمل على كسر الحكومة المصرية بأية وسيلة ممكنة ولو كانت استخدام العنف المسلح؛ لإعادة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى السلطة؛ لأنه “الرئيس الشرعي للبلاد”، على حد وصف البيان، وبعد نحو عام قال الريسوني إن إزاحة مرسي من الحكم كانت أمراً مريحاً بالنسبة إليه.

اقرأ أيضاً: بماذا يختلف أحمد الريسوني عن سلفه القرضاوي في رئاسة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”؟

مثَّل موقف “الريسوني” الأحدث، انقلاباً على آرائه الراديكالية التي ظلَّ يُدافع عنها لأكثر من عام؛ لكنه سلَّط الضوء على التقلبات والتحولات السريعة في مسيرته من النقيض للنقيض، لا سيما أن الأيام التالية أثبتت أن تحوله من دعم الجناح الأكثر تشدداً داخل الإخوان (جناح العمل المسلح/ المكتب العام) إلى مهاجمة الجماعة ووصفها بـ”الجمود الفكري”، لم يكن سوى مناورة وقتية لاستعادة جزء من الزخم المفقود، وتعزيز الهالة الدعائية التي اصطنعها لنفسه باعتباره “عالماً مقاصدياً مشغولاً بقضايا التجديد الديني”.

بيان نداء الكنانة (صورة) 1-2

سيرة ذاتية دعائية

فعلى مدار سنواتٍ طويلة، روَّج أحمد الريسوني؛ رئيس حركة التوحيد والإصلاح سابقاً (فرع الإخوان الدعوي في المغرب)، الذي يشغل حالياً منصبَ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (يتخذ من الدوحة القطرية مقراً له)، لنفسه إعلامياً بأنه “إمام الفقه المقاصدي في العصر الحالي”، وأحد رواد مدرسة “الفكر المقاصدي”، الذي يصفه بأنه “روح الدين” ومنهج تفكير وسلوك في الوقت الراهن. كما عملت المنصات الدعائية، المحسوبة على جماعة الإخوان، على تعزيز صورة الريسوني المصنوعة بدقة، عبر إضفاء أوصاف حداثية عليها، وتقديمها في ثوب الإصلاح والاعتدال، ومواجهة الجمود الفكري والتقليد.

ويكشف التدقيق في دوافع الريسوني الذاتية، عن جانبٍ مهم من أسباب تركيزه على الظهور الإعلامي المثير للجدل؛ فرئيس “الاتحاد العالمي” يرى أن الفتوحات والانتصارات الكبرى، حالياً، “فتوحات إعلامية”، كما يقول في حوارٍ سابق له مع موقع “منار الإسلام“.

بيان نداء الكنانة (صورة)2-2

وارتبط هذا الانغماس في العمل الإعلامي، بشكلٍ وثيق، بالانخراط في العمل السياسي؛ لأن الريسوني يعتقد أن السياسة هي الجانب الذي تركز عليه وسائل الإعلام أكبر من غيره، كما ذكر في حواره مع موقع “منار الإسلام”؛ وبالتالي فلن يتم التركيز على جهده أو جهد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دون أن ينغمس في السياسة، على حد تعبيره، مع أنه دعا، في مناسباتٍ عديدة، إلى الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، ووصف الأخير بـ“الكائن المفترس” الذي يؤدي إلى اضمحلال الدعوة وتهميشها وإلقائها في سلة المهملات.

ورغم دعواته المتكررة للفصل بين الجانبَين الدعوي والسياسي، تؤكد ممارسات أحمد الريسوني، أنه يُوظف الإمكانات الدعوية لتحقيق الأهداف وتبرير المواقف السياسية التي يتبناها أو تتبناها جماعة الإخوان وحلفاؤها؛ فعلى صعيد السياسة الداخلية في المغرب، مثلاً، أباح أحمد الريسوني القروضَ البنكية، التي حثّ على اجتنابها والاحتياط منها سابقاً، بعد مبادرة قادتها الحكومية المغربية برئاسة سعد الدين العثماني، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس حزب العدالة والتنمية (الجناح السياسي لإخوان المغرب)، ووصف تلك القروض بأنها: (وجهة شرعية محمودة؛ فهو إن لم يكن قرضاً حسناً، فهو يقترب من مبادئ القرض الحسن).

اقرأ أيضًا: موسوعة الجماعات والتنظيمات والحركات والفرق “الإسلامية”

وفي سياقٍ متصل، دعا الريسوني، عام 2006، الفلسطينيين؛ وفي مقدمتهم حركة حماس (فرع الإخوان هناك) إلى إبرام صلح مع إسرائيل، معتبراً أن موقف الإخوان من إسرائيل موقف تقليدي جامد؛ لكنه هاجم في المقابل عدداً من دول الخليج العربي بسبب تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتغافل عن وجود علاقات مماثلة تجمع دولتَي تركيا وقطر (الداعمتَين للإخوان) بإسرائيل.

ومؤخراً، حاول الرئيس الحالي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، السيرَ على نهج سلفه المصري يوسف القرضاوي، فأصدر فتوى تصف قرارات الرئيس التونسي، التي أصدرها في الـ25 من يوليو الماضي، بإقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان، بأنها “انقلاب وأمر خطير لا يجوز شرعاً ولا أخلاقاً ولا عرفاً”؛ وذلك سعياً منه لدعم موقف حركة النهضة (فرع الإخوان في تونس) في الأزمة السياسية الدائرة في البلاد حالياً.

يوسف القرضاوي – أرشيف

العيش في ظلِّ القرضاوي

وشكَّلت الفتوى الأخيرة تأكيداً إضافياً أن “صاحب المقاصد” الذي انتقد تحويل الشريعة إلى “دين وضعي” وتطويعه في خدمة الأغراض السياسية، في مقالاته السابقة لنقد تيارات الإسلام السياسي، أصبح يوائم مفاهيمه وتصوراته وآراءه وفقاً لاتجاهه السياسي، ويُضفي على هذا الاتجاه مسحة شرعية عبر الفتاوى التي يصدرها بنفسه من موقعه كرئيس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وبهذه الطريقة أثبت الريسوني أنه صار متماهياً بشكل كامل مع سلفه يوسف “القرضاوي” الذي حرَّض على التظاهرات الشعبية في الدول العربية بفتاوى مماثلة، منذ عام 2011، واعتبارها ضمن “المصالح الشرعية المرسلة”.

شاهد أيضًا: بالفيديو – القرضاوي: سننقلب مع الشعب على نظام قطر.

بيد أن التماهي بين رئيسَي الاتحاد (السابق والحالي) المحسوب على الإخوان، لم يقتصر على المواقف السياسية ومحاولة تبريرها وشرعنتها، بل تعداه إلى حد التشابه في الغايات والطموحات الشخصية -على ما يبدو- والتي من بينها سعيهما ليصبحا مرجعية للمسلمين على مستوى العالم، وتنحية المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر الشريف.

وبدا هذا السعي واضحاً في مناسباتٍ عدة؛ منها محاولة إسقاط الرمزية التي يُمثلها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عبر وصف مشاركته في بيان القيادة العامة للقوات المسلحة بشأن عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، بأنها “جريمة شرعية تُسقط شرعيته وتهدر مكانته.. وتشوه تاريخ الأزهر المجيد، وتفسد حاضره وتدمر مستقبله”، على حد وصف كاتبي بيان “نداء الكنانة”، وكذلك محاولة تشويه الدكتور علي جمعة؛ مفتي الديار المصرية السابق؛ بسبب انتقاده ما سُمي بـ”الاتجاه المقاصدي” الذي يتزعمه الريسوني، وكذلك الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ورئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة -في حديث الريسوني مع موقع “منار الإسلام”- واعتباره منحازاً لدولة الإمارات التي تُمثل نقيضاً للاتحاد.

الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر والبابا في لقاء التسامح في الإمارات- أرشيف

وأصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قراراتٍ بفصل الدكتور علي جمعة، والشيخ عبدالله بن بيه، في يوليو الماضي، مع أنهما جمَّدا عضويتيهما فيه منذ فترة طويلة؛ بسبب تحوله إلى أداة سياسية وظيفية.

ورغم الخط السياسي الواضح الذي انتهجه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمتطابق مع المواقف السياسية الرسمية التي تبديها الدولة المستضيفة له/ قطر، ما زال أحمد الريسوني يقول إن اتحاده مستقل وغير متأثر بأي اتجاه رغم تلقيه دعماً من قطر وتركيا، في حين يواصل إصدار البيانات والرسائل الداعمة لأجندة السياسة الخارجية القطرية، تماماً كما فعل خلال الأسبوع الجاري –في رسالته التي وجهها إلى “الشعب الأفغاني” بمناسبة سيطرة حركة طالبان على العاصمة كابول– حينما قال “إن الاتحاد مستبشر ومتفائل بالمرحلة الجديدة (سيطرة “طالبان” على البلاد)؛ لأنه كان مشغولاً بالحفاظ على الأرواح والدماء، ومهما كانت المسوغات للقتال، فإن هناك أرواحاً بريئة تسقط خلال المعارك الداخلية”.

اقرأ أيضًا: 5 فتاوى تلخص الحكاية.. هكذا تحول “اتحاد علماء المسلمين” لمنبر كراهية

ومع أن النداء والرسالة الأخيرة للريسوني هدفت إلى تعزيز مكانة الاتحاد وإخراجه بصورة الحريص على مصالح الشعوب المسلمة، فإنها أكدت من جديد أن رئيسه ماضٍ في مسيرة التناقضات، وأن تحديد بوصلته فيها قائمٌ على البراجماتية السياسية؛ فتارة يدعو إلى الحفاظ على الدماء، وتارة يدعو إلى سفكها كما فعل من قبل في “نداء الكنانة” الذي وصف فيه “الحكام والضباط والقضاة والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين” بأنهم في حكم القتلة، وتسري عليهم أحكام القصاص (أي القتل)، على حد تعبير البيان.

♦باحث مصري

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة