الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عندما يلجأ الحلفاء إلى الأسلحة النووية.. كيف نمنع خطر الانتشار القادم؟

كيوبوست – ترجمات

إنه عام 2030، وقد رصدت أجهزة رصد الزلازل للتو انفجاراً نووياً غير متوقع تحت الأرض؛ ما يشير إلى أن بلداً آخر قد انضم إلى النادي المتنامي للدول النووية، والتي يبلغ عددها الآن 20 بلداً؛ أي أكثر من ضعف العدد عام 2021. وما أثار دهشة الكثيرين هو أن الانتشار لم يأتِ من دول مارقة عازمة على ارتكاب ابتزاز نووي؛ بل من مجموعة من البلدان التي ينظر إليها على أنها حذرة وملتزمة بالقواعد، أو بالأحرى “حلفاء الولايات المتحدة”.

وعلى الرغم من أن هؤلاء الحلفاء قد تخلوا عن الحصول على قدرات نووية قبل عقود عندما وقَّعوا معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية؛ فإنهم غيروا رأيهم وانسحبوا من الاتفاقية، وهي الخطوة التي أثارت المزيد من الانشقاقات مع تسابق الدول في جميع أنحاء العالم للحصول على القنبلة.

اقرأ أيضاً: تقديرات إسرائيلية: 6 دول عربية تتسابق لامتلاك السلاح النووي

هل هذا أمر مستبعد؟ ربما؛ لكن هذا السيناريو أكثر معقولية الآن مما يعتقده الكثيرون. وعلى الرغم من أن تهديد الانتشار النووي في العقود الأخيرة قد تركز في الشرق الأوسط وآسيا؛ فإنه لم يكن هذا هو الحال دائماً. ففي الستينيات، كانت واشنطن قلقة من تحول حلفائها الآسيويين والأوروبيين إلى القوة النووية.

وقد توقع مسؤولو المخابرات الأمريكية ذلك بحلول منتصف السبعينيات؛ بأنه يمكن أن يكون هناك من 10 إلى 15 قوة نووية في العالم؛ بما في ذلك أستراليا وألمانيا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا. وتم تصميم معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لمنع هذا الاحتمال، ومنذ توقيعها عام 1968، لم تحصل سوى 4 بلدان فقط هي (الهند، وإسرائيل، وباكستان، وكوريا الشمالية) على قوة نووية عاملة واحتفظت بها.

فتح معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية للتوقيع في 1 يوليو 1968.. ووقعت عليها 190 دولة بالتتابع- الموسوعة البريطانية

ويرجع هذا النجاح إلى حد كبير إلى الجهود المتضافرة التي بذلتها الولايات المتحدة لتوسيع مظلتها النووية لتشمل أراضي الحلفاء. وطمأنت حلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا بأنهم سيتمتعون بالحماية من الهجوم النووي والترهيب؛ فقرروا عدم تطوير قدراتهم النووية.

لكنهم الآن قد يعيدون النظر في ذلك القرار؛ ففي كل من آسيا وأوروبا، يواجه حلفاء الولايات المتحدة تهديداً عسكريا ًمتزايداً من القوى المسلحة نووياً؛ حيث أصبحت كلٌّ من الصين وروسيا أكثر عدوانية، وتقومان بتحديث قواتهما النووية باستمرار. ويرى الحلفاء في الولايات المتحدة حكومةً انسحبت من اتفاقات طويلة الأمد للحد من التسلح، وشعباً لم يعد يبدو ملتزماً بالتدخل العالمي. وقد ترك كل هذا حلفاء الولايات المتحدة يتساءلون عما إذا كان لا يزال بإمكانهم الاعتماد على واشنطن لدفاعهم وأمنهم، أو ما إذا كان الوقت قد حان للتفكير في الحصول على القنبلة.

اقرأ أيضاً: السعودية توسع برنامجها النووي بمساعدة الصين

وتعهد الرئيس جو بايدن، في خطاب تنصيبه “أننا سوف نصلح تحالفاتنا”؛ ولكن بعد أن قامت إدارة ترامب بالكثير لبثّ عدم الثقة، سوف يتطلب الأمر أكثر من مجرد كلمات لطمأنة الحلفاء بالتزامات الولايات المتحدة، ومحو أية أفكار للانضمام إلى النادي النووي. وسوف تُتخذ أيضاً خطوات نشطة لتعزيز الثقة في الضمانات النووية التي تقدمها الولايات المتحدة، وإعادة تنشيط التعاون الدفاعي مع الحلفاء، وإعادة التفكير بشكل كامل في الحد من التسلح.

الدول القلقة

إن معظم المناقشات في العواصم الحليفة حول المظلة النووية الأمريكية قد تمت خارج نطاق الرأي العام، إلا أن بوادر القلق قد بدأت في الظهور. ففي ألمانيا، أثيرت الشكوك داخل الدوائر الرسمية حول موثوقية الولايات المتحدة، واقترحت جوقة متزايدة من الأصوات خارج الحكومة بدائل محتملة للضمان النووي الأمريكي. واقترح البعض الاعتماد بدلاً من ذلك على مظلة نووية أوروبية تتألف من مزيجٍ من القدرات الفرنسية والبريطانية، وربما بدعمٍ مالي من ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية غير النووية.

مظاهرة تضم ناجين في مدينة هيروشيما تدعو الحكومة اليابانية للانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية.. طوكيو 2020- “جابان تايمز”

ومن جانبها، دعت فرنسا الدول الأوروبية الشقيقة إلى الانخراط في “حوار استراتيجي” بشأن الردع النووي، وربما المشاركة في المناورات النووية. وفي بولندا، انطلقت الدعوات لتعزيز الردع النووي في أوروبا؛ حيث رحَّب ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم الحزب الحاكم في البلاد، بفكرة الاتحاد الأوروبي كقوة نووية ذات ترسانة تعادل ترسانة روسيا.

كما أبدت تركيا أيضاً اهتماماً بالقنبلة؛ حيث أشار رئيسها رجب طيب أردوغان، إلى استعداده لتقبل احتمالات الحصول عليها، وأضاف “العديد من البلدان لديها صواريخ برؤوس نووية، وليس صاروخ أو اثنان؛ لكن لا يمكننا نحن الحصول عليها، وهذا هو ما لا يمكنني تقبله”.

اقرأ أيضاً: إيران وبايدن والقنبلة.. لماذا تُسرع إيران برنامجها النووي الآن؟

وهناك مشاعر مماثلة آخذة في الظهور في آسيا؛ حيث تشعر اليابان، وهي الدولة الوحيدة في التاريخ التي تعرضت إلى هجومٍ نووي، بالقلق إزاء استمرار موثوقية المظلة النووية الأمريكية، لا سيما أن جيرانها المسلحين نووياً يصبحون أكثر عدوانية. وليست الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة جديدة في اليابان: ففي السبعينيات، أرجأتِ البلاد التصديقَ على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لأكثر من 5 سنوات؛ خشية أن تكرس المعاهدة من دونيتها النووية، وأن تكون المظلة الأمريكية غير كافية لضمان أمن اليابان.

مفاعل بلوتونيوم قادر على توفير الوقود لقنبلة نووية- موقع “ناتو ريفيو”

واليوم، تفاقمت هذه المشاعر بفعل العدوانية الجديدة للصين والتقدم النووي الذي أحرزته كوريا الشمالية. وعلى الرغم من أن المسؤولين اليابانيين لا يثيرون علناً مسألة إمكانية حصول بلادهم على ترسانة نووية خاصة بها؛ فإن اليابان تستمر في الحفاظ على المواد والدراية الفنية اللازمة للقيام بذلك بسرعة إذا ما قررت ذلك.

كما تشكك كوريا الجنوبية أيضاً في مسألة افتقارها إلى ترسانة نووية؛ حيث اختبرت كوريا الشمالية سلاحاً نووياً لأول مرة عام 2006، وفي السنوات التي تلَت ذلك، قامت ببناء عشرات الأسلحة ومئات الصواريخ، التي يمكن أن يصل بعضها إلى الولايات المتحدة. ومما زاد من مشاعر انعدام الأمن لدى كوريا الجنوبية، إلغاء إدارة ترامب في عام 2019 المناورات العسكرية المشتركة مع البلاد، ومطالبتها بخمسة أضعاف المبلغ الذي كانت تدفعه كوريا الجنوبية مقابل امتياز إبقاء عشرات الآلاف من القوات الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية.

اقرأ أيضاً: سياسة الولايات المتحدة تجاه القوى النووية.. صلابة ضد كوريا الشمالية ومرونة ضد إيران

وفي أستراليا، أخيراً، أدى القلق المتزايد بشأن الصين إلى ما وصفته الحكومة الأسترالية بأنه “إعادة التنظيم الاستراتيجي الأكثر أهمية” لسياستها الدفاعية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو التركيز الواضح على الدفاع عن أمنها القومي في المنطقة بين المحيطين الهندي والهادئ، والتي تتسم بمنافسةٍ بين القوى العظمى، وتزايد فرص الصراع.

توسيع نطاق الردع

إن طمأنة الحلفاء تبدأ بالعودة إلى الأساسيات؛ إذ يتعين على إدارة بايدن إعادة التأكيد بشكلٍ لا لبس فيه على الركائز الأساسية للالتزامات الأمنية الأمريكية. وهذا يعني تأكيد التزامات الولايات المتحدة بشأن الدفاع الجماعي بموجب المعاهدة، وعكس قرار إدارة ترامب بسحب القوات الأمريكية من ألمانيا، وأماكن أخرى، والتفاوض على ترتيبات طويلة الأجل لتقاسم التكاليف مع الدول المستضيفة للقوات الأمريكية في آسيا وأوروبا.

صواريخ باليستية عابرة للقارات ذات قدرة نووية من طراز DF-41 في عرضٍ عسكري في ميدان تيانانمين- “فرانس برس”

ولتبديد الشكوك حول المظلة الأمريكية، يتعين على إدارة بايدن أن تزيد من أهمية القضايا النووية مع الحلفاء. ويتعين عليها أن تُشرك حلف شمال الأطلنطي والحلفاء الآسيويين في عملية التخطيط النووي منذ البداية، وأن تتشاور معهم عن كثب في الوقت الذي تجري فيه الإدارة استعراضها المقبل للوضع النووي.

وينبغي على الإدارة الأمريكية أن تخطط لإجراء المزيد من التدريبات مع حلفاء الولايات المتحدة، والتي تتضمن بعداً نووياً، وأن تُشرك فيها بانتظام القادة السياسيين المتحالفين. ولا يجب على القوتين النوويتين في أوروبا الغربية، وهما فرنسا والمملكة المتحدة، أن تعمقا من تعاونهما النووي طويل الأمد فحسب؛ بل يجب أيضاً أن تعرضا توسيع نطاق ردعهما النووي ليشمل حلفائهما الأوروبيين. وستكون النتيجة مظلة نووية أوروبية؛ وهو أمر من شأنه أن يكمل الضمانات النووية الأمريكية بدلاً من أن يحل محلها، بالإضافة إلى تقوية حلف شمال الأطلسي وتعزيز الأمن الأوروبي.

اقرأ أيضاً: عهد بايدن.. تحديات جديدة للسياسات الخارجية والأمنية في أوروبا والشرق الأوسط

كما ينبغي على واشنطن أن تنشئ هيئة آسيوية تعادل مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف شمال الأطلسي؛ وهي هيئة من شأنها إشراك أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية في عملية التخطيط النووي الأمريكي، وأن توفر لهم منبراً لمناقشة الردع الإقليمي. وأخيراً، قد يكون لزاماً على الولايات المتحدة والدول الثلاث الأخرى المشاركة في الحوار الرباعي حول الأمن في آسيا (أستراليا والهند واليابان) أن تفكر في ضم كوريا الجنوبية إلى المجموعة في نهاية المطاف إذا ما أعربت سيول عن اهتمامها بالانضمام.

اجتماع اللجنة الدولية المشتركة المكلفة بمراقبة امتثال إيران لوقف أنشطتها النووية السرية وفقاً لخطة العمل الشاملة لعام 2015- فيينا- “رويترز”

ويتعلق أكبر مجهول نووي في العقد المقبل بترسانة الصين، والتي على الرغم من التكتم عليها؛ فإنه من المعتقد أنها تخضع لعملية تحديث سريعة، وقد يتضاعف حجمها في غضون سنوات قليلة. والواقع أن الولايات المتحدة وحلفاءها لديهم حافز قوي لاختراق التعتيم النووي للصين والحصول على نظرة أعمق إلى قدراتها.

اقرأ أيضاً: مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في الوطن العربي

وبكل تأكيد، تحتاج الولايات المتحدة إلى إصلاح نهجها في الحد من التسلح على مستوى العالم. وقد اتخذ بايدن خطوة أولى حكيمة عندما وافق على تمديد معاهدة ستارت الجديدة مع روسيا، والتي لا تشمل سوى الأسلحة الاستراتيجية بعيدة المدى؛ وينبغي أن تكون الخطوة التالية هي التوصل إلى اتفاق ثنائي جديد يسعى إلى تغطية جميع الرؤوس الحربية النووية الأمريكية والروسية؛ بما في ذلك الرؤوس الموجودة في المخازن، فضلاً عن نظم الإيصال النووية الجديدة؛ مثل الأسلحة التي تتجاوز سرعة الصوت.

ما هو على المحك!

ولكن مع ذلك، يجب أن يتجاوز الحد من التسلح الإطار الأمريكي الروسي الذي ظل مهيمناً على مدى عقود. كما يجب أن يكون الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أي الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، هم التجمع الأمثل لإجراء مناقشات موسعة. وعلى هذه البلدان أن تبدأ حواراً يتناول القضايا النووية، وأن تتفاوض مع مرور الوقت على تدابير من شأنها أن تكشف الستار عن ترساناتها، وأن تقنع بعضها البعض بالطابع الدفاعي لتلك الترسانات، وأن تفتح الباب أمام إمكانية فرض قيود متبادلة.

اختبرت باكستان بنجاح إطلاق صواريخ قصيرة المدى ذات قدرة نووية- “فاينانشال تايمز”

لقد جعل بايدن من إعادة بناء التحالفات الأمريكية أولوية أساسية منذ لحظة توليه منصبه. وقد كان الرئيس محقاً حين أعاد تأكيد التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي في مكالمة مع الأمين العام للحلف وحلفائه الأوروبيين الأساسيين، وكان محقاً في فعل الشيء ذاته في ما يتعلق بأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، في المكالمات التي وجهها إلى قادة تلك الدول.

اقرأ أيضاً: الصراع النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا

لكن الآن، يأتي دور العمل الشاق لتحويل العلاقات بطرق أكثر جوهرية، وتعزيز قدرات الردع والدفاع في جميع أنحاء العالم، وجلب الحلفاء الآسيويين والأوروبيين إلى عملية التخطيط النووي للولايات المتحدة، وتوسيع نطاق جهود الحد من التسلح خارج روسيا. وهذه الأجندة ليست مستحيلة على الإطلاق؛ لكنها قد تكون الأكثر إلحاحاً، فالأمر الذي على المحك هو نجاح دام عقوداً من الزمن، وهو منع انتشار الأسلحة الأكثر فتكاً في العالم. 

الكُتَّاب:

  • تشاك هيغل؛ شغل منصب وزير الدفاع الأمريكي في الفترة من 2013-2015.
  • مالكولم ريفكيند؛ شغل منصب وزير خارجية المملكة المتحدة في الفترة من 1995- 1997، ووزير دفاعها في الفترة من 1992- 1995.
  • كيفن رود؛ رئيس الجمعية الآسيوية في نيويورك. شغل منصب رئيس وزراء أستراليا في الفترة ما بين عامَي 2007 و2010، وعاد ليشغل المنصب نفسه مرة أخرى عام 2013.
  • إيفودالدر؛ رئيس مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. والممثل الدائم للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الفترة من 2009- 2013.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات