الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عندما يخترق اليمين المتطرف أجهزة تطبيق القانون!

يمكن للولايات المتحدة أن تتعلم من استجابة ألمانيا

كيوبوست- ترجمات

سينثيا ميلر-إدريس♦

شهد العقد الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث العنف الإرهابي اليميني المتطرف حول العالم. من هجوم 2011 في النرويج الذي خلف 77 قتيلاً، إلى الهجوم على المسجد في كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2015 الذي وقع ضحيته 51 شخصاً، والعديد غيرها من الهجمات التي نفَّذها متطرفون من منتصري فكرة تفوُّق العرق الأبيض والمعادين للمهاجرين.

ومؤخراً، خرج نشطاء من اليمين المتطرف في الولايات المتحدة في مظاهرات؛ احتجاجاً على هزيمة ترامب في الانتخابات، ونفذوا أعمال شغب وطعن وإطلاق نار. بدأ الناس في مختلف أنحاء العالم يستيقظون على خطر عنف اليمين المتطرف؛ ولكنَّ خطراً آخر لم يحظَ بالاهتمام الكافي، وهو اختراق هؤلاء المتطرفين صفوف الشرطة والجيش؛ وهي المؤسسات المكلفة بالحفاظ على الأمن العام.

كشفت تحقيقاتٌ صحفية وأخرى حكومية في ألمانيا، جرَت هذا العام، عن شبكة منظمة من المتعاطفين مع اليمين المتطرف في صفوف قوات الأمن في البلاد. في الشهر الماضي، استجوبت المخابرات العسكرية ثمانية أفراد؛ من بينهم جنود ألمان يُشتبه في تورطهم في حركة “المواطن السيادي” المعادية للحكومة. دقّ المشرعون جرس الإنذار، وقال وزير الدفاع: “لا مكان لأعداء الدستور في الجيش”، وبدأ الألمان في معالجة مشكلة المتطرفين اليمينيين في صفوف أجهزة إنفاذ القانون والجيش في بلادهم.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت أي اعتراف مماثل بوجود اختراقات لليمين المتطرف لجيشها وشرطتها. وصف عميلُ مكتب التحقيقات الفدرالي السابق مايكل جيرمان، استجابة الحكومة الأمريكية بشكل صحيح بقوله “إنها غير كافية بشكل صادم”.

النازيون الجدد والميليشيات اليمينية المتطرفة عادت إلى الظهور في أمريكا ترامب- “لوس أنجلوس سينتينيال”

قبل نحو خمسة عشر عاماً، حذرت نشرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي من “التهديد المتنامي للقوميين البيض” الذين قد يتعمدون التسلل إلى أجهزة الشرطة وعرقلة التحقيقات وتجنيد زملائهم من الضباط؛ ولكن تم تجاهل هذا التحذير. وحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن عنف اليمين المتطرف قد نما بشكل سريع في الولايات المتحدة خلال السنوات الست الماضية؛ ليشكل الغالبية العظمى من المؤامرات والهجمات الإرهابية المعروفة في البلاد. ويجب على المسؤولين الأمريكيين أن يأخذوا هذه التهديدات للأمن القومي على محمل الجد كما فعل نظراؤهم الألمان، وإلا فإنهم يخاطرون بحماية الدستور التي أقسم عليها أفراد الجيش ومؤسسات إنفاذ القانون.

اقرأ أيضاً: كيف تزداد جماعات اليمين المتطرف شيوعاً وخطورة؟

يعتقد 9% من الأمريكيين أنه لا بأس في أن يحملوا شعارات تفوق العرق الأبيض أو النازية الجديدة- “أكسيوس”

الاكتشافات الألمانية

على مدى عقود، نظرتِ السلطات الألمانية إلى وجود اليمينيين المتطرفين ودعاة تفوق العرق الأبيض في صفوف جيشها وقواتها الأمنية على أنه مسألة بضع تفاحات فاسدة؛ ولكنْ هنالك إدراك متزايد الآن بأن هذا الوجود قد انتشر على نطاقٍ واسع، واندمج في شبكات منظمة. وقد أجرت السلطات الألمانية تحقيقَين في نوفمبر الماضي، توصلا إلى 26 جندياً وتسعة عناصر من الشرطة ممن شاركوا في مجموعات دردشة احتوت على مضامين يمينية متطرفة ومعادية للسامية.

وقد جاءت هذه التحقيقات في أعقاب تقرير لوكالة المخابرات الداخلية كان قد وثَّق أكثر من 1400 يميني متطرف في أجهزة الشرطة والمخابرات، خلال السنوات الأربع الماضية. وفي عام 2020 حددت وزارة الدفاع الألمانية 20 يمينياً متطرفاً في فصيل من فصائل النخبة في القوات الخاصة بمكافحة الإرهاب والإنقاذ. قامت السلطات بحل هذا الفصيل؛ ولكن بعد أن اختفت من مستودعات ترسانته 48.000 طلقة من الذخائر، ونحو 60 كيلوغراماً من المتفجرات.

في عام 2017، خطط جندي ألماني لانتحال صفة لاجئ سوري وارتكاب هجوم إرهابي زائف يلقَى اللوم فيه على المتطرفين الإسلاميين. وقد استغلت مجموعات اليمين المتطرف أزمة اللاجئين التي نشأت عام 2015 حين وصل نحو مليون لاجئ؛ معظمهم من المسلمين، إلى البلاد هرباً من الصراعات في سوريا وغيرها، وسعَت هذه المجموعات لنشر الخوف من الإسلام، وكرَّست كراهية اللاجئين والأجانب. وقد أظهر التقرير السنوي للمخابرات الداخلية الألمانية، الذي صدر في يوليو الماضي، زيادة بأكثر من 50% في أعداد المتطرفين اليمينيين في البلاد منذ عام 2014. وصرح وزير الداخلية الألماني بأن التطرف اليميني يمثل “أكبر تهديد أمني للبلاد”.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا سلاح اليمين المتطرف في ألمانيا

وبدا الألمان أكثر فهماً من غيرهم لتهديد التطرف اليميني العرقي؛ بسبب تاريخ الهولوكوست والقيود التي فُرِضت على الخطاب والرموز النازية، فالشرطة مدربة على تقييم الجرائم المنفذة بدوافع يمينية متطرفة، وبذلك فهم قادرون على تتبع وجود هذه الأفكار بين صفوفهم. والمخابرات الداخلية لا تكتفي بتتبع الأنشطة الإجرامية للمتطرفين فحسب؛ بل تحصي أعداد هؤلاء الإرهابيين الموجودين في البلاد، وتصدر تقارير سنوية بأعدادهم وتصنيفاتهم وبعددِ مَن يشكِّل منهم تهديداً عنيفاً.

في نوفمبر الماضي، مررتِ الحكومة الألمانية أكبر مجموعة شاملة من الإجراءات ضد العنصرية والتطرف اليميني في التاريخ الألماني الحديث، وخصصت أكثر من مليار يورو على مدى السنوات الثلاث القادمة لتمويل 89 مشروعاً محدداً؛ من بينها تعزيز التعاون بين السلطات الأمنية والقضاء، وبين الدولة ومنظمات المجتمع المدني، والمزيد من الأبحاث حول منع التطرف.

اقرأ أيضاً: الهجوم الإرهابي في هاناو يُشعل النقاشَ مجددًا حول مخاطر أيديولوجيا اليمين المتطرف

وعلى الرغم من ذلك يرى البعض في ألمانيا أن الإجراءات الحكومية غير كافية لمواجهة تسلل المتطرفين إلى قوات الجيش والشرطة، ويدعون إلى الاعتراف بأن المشكلة تجاوزت الحالات الفردية، ووصلت إلى مستوى الشبكات المنظمة التي تتطلب تحقيقاتٍ موسعة من السلطات الفيدرالية. وتقول السلطات الألمانية إن نسبة المتطرفين اليمينيين في صفوف قوات الجيش والشرطة لا تتجاوز 1%؛ ولكن نظراً لقوة تأثير هذه المؤسسات على المجتمع وللتدريب العالي الذي يحصل عليه أفرادها، وإمكانية حصولهم على الأسلحة، فإن أي تطرف بين صفوفها هو مدعاة للقلق.

ألمانيا على حافة الهاوية مع تحويل النازيين الجدد انتباههم إلى الشخصيات العامة- “الفاينانشال تايمز”

اللا مبالاة الأمريكية

إن صرامة وتصميم الرد الألماني يفوقان كثيراً ردود فعل الولايات المتحدة في محاولتها للسيطرة على التطرف اليميني في الجيش والشرطة. لقد أصبح حجم هذه المشكلة في أمريكا واضحاً هذا الصيف. فقد أثار مقتل جورج فلويد على أيدي رجال الشرطة موجة احتجاجات تحت عنوان “حياة السود مهمة”، والتي أدت بدورها إلى رد فعل عنيف من الجناح المتطرف؛ بما في ذلك المتطرفون اليمينيون المتشددون من ذوي الخلفيات العسكرية. وقد تم القبض على جندي احتياطي في الجيش وجنديين سابقين في لاس فيغاس بتهمة التخطيط لأعمال عنف ضد حراك “حياة السود مهمة” هناك. في حين أن رقيباً عاملاً في القوات الجوية على علاقة بما يُعرف بمشهد بوغالو -حركة لدعاة حقوق حمل السلاح وتفوق العرق الأبيض تسعى لبدء حرب أهلية- قد انطلق في عملية إطلاق نار وهجمات استمرت ثمانية أيام قتل خلالها حارساً فيدرالياً. وتم تصوير ضباط شرطة في كل البلاد وهم يتعاملون بشكل تفضيلي مع الميليشيات البيضاء، والمسلحين البيض، والمتظاهرين المناهضين لحركة “حياة السود مهمة”.

اقرأ أيضاً: ركائز ثلاث تجمع الجهاديين واليمين المتطرف

والمشكلة في الولايات المتحدة أعمق من مجرد حالات فردية في الإدارات والوحدات المحلية، ففي عام 2019 كشفت منظمة “بروبابليكا” عن أن ما يقارب عشرة آلاف من عناصر حرس الحدود؛ بمَن فيهم مدير الوكالة نفسه، كانوا أعضاء في مجموعة على “فيسبوك” نشرت محتوى عنصرياً ومناهضاً للمهاجرين ومعادياً للنساء. كما أظهر تقرير آخر وجود المئات من عناصر وضباط الشرطة العاملين والسابقين في مجموعات متطرفة وعنصرية على “فيسبوك”. وقد دفعت هذه الاكتشافات أكثر من 50 قسماً من أقسام الشرطة المحلية لإطلاق تحقيقات داخلية أدَّى أحدها إلى فصل ضابط بسبب “انتهاكه سياسات القسم”.

“فيسبوك” يحجب مواقع وإعلانات مجموعات بوغالو المتطرفة- “بزنس إنسايدر”

تسلط هذه النتائج الضوء على العنصرية في وكالات تطبيق القانون، بينما يراقب الجمهور آثارها في تعامل الشرطة مع الأمريكيين السود والملونين. وتعكس تصرفات الشرطة بيئة يمكن أن تنتشر فيها هذه السلوكيات المقلقة. ومع ذلك يبقى قياس مدى كون هذه المشكلة منهجية أمراً صعباً؛ بسبب رفض الحكومة الأمريكية الالتزام بتحقيقات مشابهة لتلك التي تجري في ألمانيا. كما أن الافتقار إلى البيانات اللازمة لتقييم مدى انتشار نشاطات اليمين المتطرف في وكالات تطبيق القانون والقوات المسلحة يغذِّي الشعورَ بأن المشكلة تنحصر في عددٍ قليل من الأشرار الذين ينبغي استئصالهم.

وهذا المفهوم سيضر بالأفراد الملتزمين بالقانون في قوات الشرطة والجيش، كما سيضر بالجماعات المدنية الساعية إلى الإصلاح الحقيقي.

أسباب القلق

تشير الكثير من الروايات إلى أن الأمريكيين لديهم ما يكفي من الأسباب ليشعروا بالقلق. فبعض مسؤولي أجهزة تنفيذ القانون هم أعضاء ناشطون في جماعات الكراهية؛ مثل “كوكوكلوكس كلان” في فلوريدا، واتحاد الكونفيدرالية الجديدة في جنوب ألاباما.

جماعة “المحافظين على القَسَم” هي ميليشيا خاصة تأسست عام 2009، تزعم أنها تضم عشرات الآلاف من الأعضاء؛ ثلثاهم من عناصر عاملين أو سابقين في قوات الشرطة والجيش. وينجذب هؤلاء المتطرفون والإرهابيون المحملون للانضمام إلى صفوف الشرطة والجيش؛ لأنهم يرون في أنفسهم محاربين قادرين على التصرف بشكل بطولي دفاعاً عن مجتمعاتهم.

جماعة المحافظين على القسم تتغلغل في المؤسسات الحكومية المحلية- “بوليتيكو”

من الممكن أن تجعل تجربة الخدمة العسكرية من بعض الجنود السابقين عرضة للتجنيد اليميني المتطرف. فالجنود مدربون على نزع الصفة الإنسانية عن أعدائهم؛ الأمر المبرر في ساحة المعركة، ولكنه يترك الجنود السابقين معرضين للدعاية المتطرفة في الحياة المدنية. وبالطبع، فالغالبية العظمى من ضباط الشرطة والقوات المسلحة ليسوا متطرفين في الواقع.

يتزايد الضغط من أجل استجابة أكثر شمولاً في الولايات المتحدة؛ فقد حققت جلستا استماع في الكونغرس للجنة القوات المسلحة، ولجنة الإشراف والإصلاح في مجلس النواب، في حوادث عنصرية في الجيش وأقسام شرطة محلية. ويدعو أعضاء في الكونغرس إلى المزيد من الشفافية من قيادات القوات المسلحة والشرطة. وفي يوليو، طالب أكثر من 36 نائباً من كلا الحزبَين وزيرَ الدفاع مارك إسبر، بمراجعة وتوضيح سياسة وزارته تجاه تورط عناصر عاملين فيها “في أيديولوجيات ونشاطات متطرفة وعنصرية”. وفي الشهر نفسه، قدَّم النائبُ الديمقراطي من كاليفورنيا بيت أغيلار، مقترحَ تعديلٍ لقانون تفويض الدفاع الوطني، يطالب بموجبه وزارة الدفاع بأن تقدِّم تقريراً سنوياً للكونغرس عن كل حادثة تتعلق بنشاطٍ عنصري أو متطرف.

اقرأ أيضاً: أوروبا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان الإرهاب الجهادي

التهديد الفعلي

لدى الولايات المتحدة الكثير لتتعلمه من النهج الألماني في محاربة التطرف الأبيض والعنصرية. فمع أن العمل الأمني متجذر في التجربة الألمانية لبناء المؤسسات الديمقراطية بعد الهولوكوست، تفهم السلطات الألمانية هذا العمل على أنه جزء لا يتجزأ من حماية الديمقراطية والدفاع عن الدستور الذي تنص المادة الأولى منه على أن “تحترم جميع سلطات الدولة” كرامة الإنسان وتحميها. ومنذ عام 1956 امتلك الجيش الألماني وحدة مختصة بمحاربة التطرف بين صفوفه، وبإجراء التحقيقات وإبعاد الجنود الذين يحملون أفكاراً متطرفة من الخدمة، ويعرض موقعها الإلكتروني بشكل واضح عدد الحالات التي تم التحقيق فيها كل عام.  كما خصصت وحدات الشرطة المحلية مفوضين لمواجهة التطرف ومعاداة السامية.

اقرأ أيضاً: روابط خطرة: حلقة الوصل بين اليمين المتطرف والجهاديين من منظور فرنسي

على الرغم من الجهود الوليدة في الولايات المتحدة؛ مثل الوحدة الخاصة بمراقبة ومنع التطرف العنيف في شرطة نيويورك؛ فإن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى جمع البيانات حول التطرف اليميني في الجيش، وأجهزة تطبيق القانون. ويجب أن يطلب من وزارة العدل ووزارة الدفاع تقديم المعلومات المتعلقة بالحوادث ذات الصلة إلى الكونغرس. وبالنظر إلى قابلية الجنود السابقين للتأثر بالدعاية اليمينية المتطرفة، يجب على الحكومة أن تكرس المزيد من الموارد لدعم دمج العسكريين بعد انتهاء خدمتهم؛ من خلال الاستشارات النفسية، وعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة، والاحتياجات النفسية الأخرى.

العريف في مشاة البحرية مايسون ميد تعرض إلى الطرد بسبب منشوراته العنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي

إن التدقيق في التطرف اليميني في الجيش والشرطة له محاذيره؛ فالتحريات يمكن أن تدفع المتطرفين إلى مزيدٍ من السرية، حيث يعملون بطريقة تصعب مراقبتهم. ولكن الأفكار والمجموعات المتطرفة لا يمكن أن تترك لتعمل دون رقيب في المؤسسات المسؤولة عن حماية المواطنين. لذلك، ومن أجل مستقبل الديمقراطية متعدد الثقافات يجب التعامل مع التطرف في الجيش وأجهزة تطبيق القانون على أنه تهديد للأمن القومي.

♦مديرة مركز أبحاث الاستقطاب والتطرف والابتكار في الجامعة الأمريكية، ومؤلفة كتاب «كراهية في أرض الوطن.. اليمين المتطرف العالمي الجديد».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة