الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عملية فرار جريئة لأكاديمي مسجون في إيران إلى بريطانيا

كيوبوست- ترجمات

باتريك وينتور♦

بعد أن تلقى حكماً بالسجن لمدة تسع سنوات وثلاثة أشهر في إيران بتهمة التعاون مع “قوة دولة أجنبية”، تمكن كميل أحمدي، مزدوج الجنسية، من الفرار عبر الحدود الجبلية لبلاده، وهو الآن يعيش في لندن.

وفي مقابلةٍ له مع صحيفة “الغارديان”، أوضح أحمدي أنه لم يكن لديه خيار سوى الفرار بعد أن قضى مئة يوم في سجن إيفين؛ بما فيها فترة من الحبس الانفرادي الوحشي أثناء التحقيق معه. وقال: “عندما صدر الحكم عليَّ بالسجن كان أمامي أن أختار بين أن أبقى وأُحرم من رؤية عائلتي وطفلي ذي السنوات الأربع أو أن أغامر بالفرار”.

أدين أحمدي؛ عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية الذي كشفت أبحاثه عن مدى تشويه الأعضاء التناسلية عند الفتيات في إيران، بتهمة التآمر مع قوى دول أجنبية في نوفمبر 2020، بالإضافة إلى تهم أخرى. ولكن أُطلق سراحه بكفالة في انتظار استئنافه للحكم. كما حكم عليه أيضاً بغرامة مالية قدرها نصف مليون جنيه إسترليني. قال أحمدي إنه بالنظر إلى أن المحاكم الإيرانية عادة ما تؤكد الحكم الابتدائي، وبسبب الدوافع السياسية لمحاكمته، لم يكن لديه أمل في نجاح استئنافه -وقد تأكد ذلك عندما جرى رفض الاستئناف غيابياً يوم الإثنين الماضي- وأضاف أنه لا يدري إذا ما كانت السلطات في إيران قد علمت بفراره من البلاد.

اقرأ أيضاً: إيران تعدم صحفياً معارضاً بدم بارد.. والمجتمع الدولي يندد بالخطوة

لم يحمل أحمدي معه أثناء فراره سوى حاسوبه المحمول، ونسخاً من الكتب والمقالات التي كان قد نشرها، وعبر المنطقة الحدودية التي كانت تغطيها الثلوج ويلفها الضباب بعيداً عن أعين الدوريات الحدودية الإيرانية، على الرغم من تشديد أمن الحدود منذ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة في طهران أواخر العام الماضي. قال أحمدي: “أنا كردي الأصل، وأعرف بعض الطرق؛ ولكن الأمر كان في غاية الخطورة، وكان عليَّ أن أكرر المحاولة مرات عدة”.

سلك أحمدي المعابر التي يستخدمها المهربون لتجاوز العقوبات الأمريكية لإدخال المشروبات الكحولية وقطع السيارات والأدوية والسجائر وغيرها من الممنوعات من العراق وتركيا؛ ولكن هذه الممرات خطيرة، ومؤخراً لقي أحد المهربين مصرعه بنيران حرس الحدود بينما كان يحمل على ظهره أربعة إطارات، بينما تجمد آخرون حتى الموت. قال أحمدي إنه خشي أنه في حال إلقاء القبض عليه أن يتلقى حكماً إضافياً بالسجن؛ ولكن لم يكن أمامه من خيار سوى المخاطرة. “لقد هربت من إيران بدافع اليأس، لم يكن لديَّ خيار آخر سوى المغادرة. لقد منعت من السفر وتلقيت حكماً بالسجن”.

ازداد نشاط المهربين الإيرانيين مع تشديد العقوبات على إيران- “فورين بوليسي”

يزعم آخرون أن قصته أكثر تعقيداً. وقبل أيام من محاكمته، ظهرت على تطبيق “إنستغرام” مزاعم عن ارتكابات جنسية خطيرة قام بها أحمدي؛ حيث كانت وراءها حركة #Me Too (حركة اجتماعية عالمية تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي لمناهضة الاعتداء الجنسي على النساء- المترجم) وبعض القصص مجهولة المصدر. وأدت هذه الاتهامات إلى إقالته من رئاسة جمعية علم الاجتماع الإيرانية، ويقول منتقدوه إن هذه الاتهامات قد أسهمت في قراره بالهروب أثناء إطلاق سراحه بكفالة.

ولكن أحمدي يصر على زيف هذه الاتهامات “إنها اتهامات مزعجة للغاية، وقد قلت في حينها إنني مستعد لتحمل مسؤولية تصرفاتي كافة؛ ولكنني أرفض كل هذه الاتهامات التي لا علاقة لها على الإطلاق بقراري بالفرار من إيران لبدء حياة آمنة مع عائلتي بعد الحكم الذي صدر عليَّ من محاكم إيران”.

احتجاز ناقلة نفط إيرانية متوجهة إلى سوريا في مضيق جبل طارق- “بي بي سي”

وأحمدي هو واحد من البريطانيين- الإيرانيين مزدوجي الجنسية القلائل، ومن بينهم نازانين زاغاري راتكليف، والذين تم اعتقالهم في إيران لأغراض التفاوض على ما يبدو. ولد أحمدي في مدينة نجادة متعددة الثقافات التي يسكنها الأكراد والتركمان، والتي تقع في غربي إقليم أذربيجان، وقد غادر إيران في سن الثامنة عشرة، وعاد إليها عام 2010 ليعتني بوالده المسن.

اعتقل للمرة الأولى في الحادي عشر من أغسطس 2019 بعد عودته من مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إثيوبيا الذي حضره بصفته خبيراً في مسائل ختان البنات وتزويج الأطفال، وأعلنت عائلته عن اعتقاله بعد يومين. وهو يعتقد أن الحرس الثوري اعتقله بسبب أبحاثه، وأيضاً لأن إيران كانت تبحث عن مواطنين بريطانيين لتعتقلهم؛ انتقاماً من البحرية البريطانية، التي ساعدت في احتجاز السفينة الإيرانية “غرايس 1” في مضيق جبل طارق في الرابع من يوليو 2019، وذلك للاشتباه في خرقها العقوبات الأوروبية، ونقل النفط إلى سوريا.

اقرأ أيضاً: 200 مليون امرأة على قيد الحياة تعرضنّ للختان!

اتُّهم أحمدي رسمياً بالسعي إلى إحداث تغييرات ثقافية اجتماعية في الجمهورية الإسلامية من خلال الضغط لرفع سن الزواج، والترويج للمثلية الجنسية، والتواصل مع قوى أجنبية. قال نجاد: “بعد أسبوع من البدء باستجوابي أخلِي سبيل الناقلة الإيرانية، لم يكن متاحاً لي الوصول إلى أي من مصادر الأخبار في حبسي الانفرادي، وكان المحققون هم المصدر الوحيد للأخبار بالنسبة إليَّ. وفي أحد الأيام جاء أحدهم، وكان سعيداً جداً، وقال لي شكراً لك، لقد استعدنا سفينتنا، وأنا أعتقد أنك أحدثت فرقاً كبيراً، وأنا أشكرك على ذلك. ولكن لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه معك. قلت له، وما علاقة ذلك بي؟ فقال أنت بريطاني، وأنت تساوي الكثير. بريطانيا هي مهد حقوق الإنسان، ولذلك فأنت تساوي الكثير بالنسبة إليهم”.

اقرأ أيضاً: محسن فخري زادة.. تداعيات اغتيال الرجل الأول في المشروع النووي الإيراني

قال أحمدي إنه تعرض إلى الكثير من المضايقات قبل اعتقاله بوقتٍ طويل، منذ أن أصبح هدفاً للحرس الثوري الذي كان يعترض على أبحاثه حول ختان البنات، وزواج الأطفال، وزواج المتعة، والمثلية الجنسية. وقال أيضاً إن هاتفه سرق منه في الشارع، وبعد ذلك تم اختراق كل حساباته وبريده الإلكتروني. ومنع من التحدث في الندوات، وأُلغيت محاضراته في اللحظات الأخيرة؛ خصوصاً بعد أن أجرى مقابلاتٍ مع وسائل إعلامية، وتلقى دعوة من مجموعة من النواب الإيرانيين لإلقاء محاضرة حول رفع سن زواج الأطفال من 13 إلى 15 عاماً.

يعمل الحرس الثوري على إرهاب المعارضين – أرشيف

تم إقرار مشروع قانون لرفع سن الزواج بأغلبية أعضاء البرلمان؛ ولكن اللجنة القانونية أوقفته. ويتيح القانون الحالي تزويج البنات في سن التاسعة بعد الحصول على إذن من المحكمة.

اقرأ أيضاً: تقرير جديد: إيران تجرم المدافعين عن حقوق الإنسان وتخضعهم لمحاكمات جائرة

قال أحمدي إنه كان يتوقع أن يتم اعتقاله منذ ربيع 2019؛ حيث بدأت المضايقات تلاحقه، ولكن عندما حدث الاعتقال كانت الحقيقة صادمة. “يبدو الأمر وكأنهم كانوا مستعدين لك منذ أشهر أو أسابيع، إنهم يتقنون ذلك تماماً، ومدربون على ما يفعلونه في كل مرحلة. إنهم يعرفون ما يجب أن يقوموا به، وكم من الوقت سيخضعونك للاستجواب، ومتى يفعلون ذلك بالضبط. لقد بدأوا معي في غرفة صغيرة جداً وكأنها قبر، فيها ثلاث بطانيات، تستعمل واحدة كغطاء وواحدة كفراش والثالثة كمخدة. وهنالك ضوء ساطع فوق رأسك على مدى 24 ساعة، ومصحف وسجادة صلاة وهاتف لتتصل من خلاله مع الحراس ليأخذوك إلى الحمام”.

“ليس هنالك أي ضوء طبيعي، والنافذة الموجودة على باب الزنزانة التي تفتح فقط لإدخال الطعام هي اتصالك الوحيد مع العالم الخارجي. المكان هادئ بشكل لا يصدق يدفعك للجنون. ليس لديك أدنى إدراك للوقت، لا تعرف ما الذي سيحدث بعد قليل.

عندما كانوا يأخذونني إلى الحمام، أو يخرجونني لتنشق الهواء النقي، أو إلى الاستجواب، كانوا يعصبون عينَيّ دائماً، وبعد قليل يصبح الاستجواب هو شريان حياتك، إنه لأمر محزن أن يصل بك الأمر إلى أن تشتهي أن يتم استجوابك؛ لأن ذلك هو السبيل الوحيد للتواصل مع البشر”!

كميل أحمدي أثناء رحلة فراره

يقول أحمدي: “كانوا يريدون أن يصوروني كشخص أرسله البريطانيون إلى إيران أو شغلته قوى أجنبية لمحاولة التأثير على شخصيات معينة في الحكومة”. ويضيف أنهم نقلوه إلى غرفة أكبر بقليل بعد نحو شهر من اعتقاله؛ حيث كان بإمكانه أن يسير في دوائر، “كان فيها حمام، وبدت لي وكأنها قصر باكنغهام”.

تم تأجيل النظر في قضيته؛ بسبب جائحة كوفيد. “في المحكمة كان القاضي أبو القاسم سالافاتي، الذي تولى الحكم في العديد من قضايا حقوق الإنسان المثيرة للجدل، متعالياً جداً، وكان واضحاً من استجوابه أنه قد اتخذ قراره. ومع أن كل كتبي وأبحاثي كانت موجودة أمامه، فهو لم يكترث بها. في الواقع لم يكن لديه أدنى فكرة عن علم الاجتماع، ولم يكن هنالك أي خبراء لتقديم تقرير مهني، وكذلك لم يسمح بالاستعانة بأي منهم. الأمر الوحيد الذي أثار اهتمامه كان جنسيتي المزدوجة، وعدد السنوات التي قضيتها في المملكة المتحدة، والجامعات التي درست فيها. كانت الغاية من استجوابي هي خلق رابط بيني وبين الغرب، وإثبات تسللي في جزء من محاولة لتغيير أسلوب الحياة الإسلامية”.

اقرأ أيضاً: 40 سنة على الثورة الإسلامية: كيف يعيش الشعب الإيراني تحت حكم ولاية الفقيه؟

“في إحدى المراحل عرفت أنني كنت في ورطة، فبينما كنت في زنزانتي نزل كبير المحققين إلى الممر -عرفت أنه هو من صوت خطواته- قال لي كميل، أنت لذيذ، أولاً أنت كردي، ثانياً أنت من المذهب السني، والأهم من كل ذلك أنت بريطاني، وتجري أبحاثاً حول موضوعات حساسة. يمكننا المساومة معك، أنت تعرف كيف تسير الأمور؛ ولكنه قال إنه يعتقد أن عقوبتي لن تتجاوز الإنذار أو حكماً مخففاً بالسجن مع وقف التنفيذ.

اعتقال البريطانيين يلقي الضوء على الشرخ في السياسة الإيرانية- “نيويورك تايمز”

ولكن سالافاتي وجده مذنباً وكان حكمه، الذي أعلن عنه أحمدي، يظهر مدى معارضة النظام أيديولوجياً لعمله بشأن ختان البنات وزواج الأطفال، كما يظهر مدى قناعتهم بأنه يعمل لصالح قوى معادية. قال سالافاتي إن أحمدي قد أخذ دورات نظمتها معاهد ومراكز تخريبية وتجسسية، مضيفاً أنه من الممكن أن تكون المؤسسات التجسسية قد استثمرت في أشخاص مثل كميل أحمدي، وعلمتهم ودربتهم؛ بهدف اختراق الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد رأي سالافاتي في عمل أحمدي مع أعضاء في البرلمان الإيراني على رفع سن زواج الأطفال عملاً يقوض الدولة الإيرانية.

قال سالافاتي في حكمه: “بشكل عام يمكن القول إن رفع سن زواج الأطفال هو من ضمن استراتيجيات العدو لإضعاف وتدمير نظام الأسرة، والسيد كميل أحمدي هو أحد القياديين العاملين على هذه الاستراتيجية في إيران”.

علق أحمدي: “عندما سمعت هذه الجملة اعتقدت أنها مزحة. لم أتخيل أنهم سيطلقون حكماً بعشر سنوات. لقد صدم الجميع. في بداية الأمر كنت مصراً على ألا أغدر، لقد كنت محارباً طوال حياتي، ولكن قد آن الأوان لتغيير ساحة المعركة. كل ما كنت أفكر فيه كان حول ما يجب أن أفعله الآن”.

اقرأ أيضاً: داخل جحيم السجون الإيرانية المحاصرة بوباء كورونا

“علمت أنه إذا ما ألقي القبض عليّ أثناء محاولتي الهرب فسوف يكون المجال متاحاً لكل أنواع التفسيرات بأنني كنت كما يقولون. وبأن قوى أجنبية كانت تساعدني على الهروب، وبأنني كنت أقوم بنقل معلومات إلى خارج البلاد”.

يرغب أحمدي في لعب دور في إقامة حوار. ويقول: “النظام الإسلامي تديره أقلية صغيرة، هي من يسمون بالمتشددين؛ ولكن هذا الجيل من القادة قد بدأ يحتضر. ومعظم الناس، أولئك الذين لا يتعيشون من السياسات العليا والفساد، ليسوا من الإصلاحيين أو الأصوليين؛ بل هم أناس يرغبون في رؤية التغيير. وهنالك بصيص أمل بعد سنوات من المشقة والعقوبات التي ركعت الناس وشلت الاقتصاد. وإذا بدأ الحوار، فمن المهم جداً أن يسمع صوت المجتمع المدني الإيراني والمجموعات المعارضة حول مسائل مثل حقوق الإنسان. لا يمكن أن ينتج أي خير من الصراع والتشدد، وأنا أقول هذا من تجربة شخصية”.

♦باتريك وينتور: محرر الشؤون الدبلوماسية في “الغارديان”.

المصدر: الغارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة