الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

عمار علي حسن لـ”كيوبوست”: فقر (المجاز) في الخطاب السياسي نتاج الساسة والإعلاميين

كتاب «المجاز السياسي» يسلط الضوء على المسكوت عنه في سمات الخطاب السياسي العربي

كيوبوست

يكشف كتاب «المجاز السياسي» أن فقر المجاز في الخطاب السياسي العربي ليس فقط الذي ينتجه الساسة المحترفون في السلطة والمعارضة على حد غير متساو، بل أيضاً ما يكتبه باحثون وكتاب وصحفيون في قضايا السياسة وشؤونها.

ويحلل الباحث المصري الدكتور عمار علي حسن، في كتابه الصادر حديثاً، طبيعة “المجاز السياسي” وأنماطه ومدى تغلغله في خطاب السياسيين بشكل خاص، وكذلك أجهزة الإعلام، وما تبثه من أخبار وتقارير مختلفة متعلقة بحياة الناس وأحاديثهم، كما يتناول حديث الذين يزعمون أن حرصهم على قول الحقيقة دامغة ناصعة يجعلهم في غنى عن التوسل بالمجاز، فالمتابعون لمجريات السياسة يدركون جيداً أن هذا الحرص قد لا يكون موجوداً من الأساس، أو يكون وجوده باهتاً خافتاً.

اقرأ أيضاً:  المؤرخ الإماراتي حمد بن صراي لـ”كيوبوست”: تجميع التراث أولوية إماراتية منذ إعلان الدولة 

الكتاب يسلط الضوء بلغة سلسة بعيدة عن التقعر الأكاديمي على المسكوتٍ عنه في ما يتعلق بسِمة مهمة من سمات الخطاب السياسي (العربي خصوصاً)، في محاولة من المؤلف لهز المسلمات الزائفة، والتصورات الجامدة، التي يتبناها دارسو العلوم السياسية في بلادنا.

الدكتور علي حسن يسعى في الكتاب إلى مشاكسة ومساءلة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول حقائق

الكتاب يتضمن ستة فصول وخاتمة ومقدمة ضافية، يقول الدكتور علي حسن فيها إنه لا يسعى لتوجيه دعوة إلى (ترصيع الخطاب السياسي بألوان من المجازات)، إنما يهدف إلى مشاكسة ومساءلة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول حقائق، ليروا من خلال دراستها وجهها الآخر، والذي تشير ملامحه إلى أنها تحل بقوة في رحاب المجاز.

الكتاب مكمل لكتاب «الخيال السياسي» الذي صدر للمؤلف منذ 4 سنوات في السلسلة نفسها ويحاول فيه أن يقرب الخيال إلى الواقع

ويأتي الكتاب بفصوله ودراساته مكملاً لكتاب «الخيال السياسي» الذي صدر للمؤلف منذ 4 سنوات في السلسلة نفسها، وحاول فيه أن يقرب الخيال إلى الواقع، وإخضاع التفكير العميق والحر في المستقبل، لضبط علمي، كي لا ينزلق إلى أوهام أو أمنيات، أما في «المجاز السياسي» فكان الدكتور حسن معنياً بسبر أغوار الرؤية التي تذهب إلى أن العالم غارق في أكاذيب سوداء وبيضاء، ومشاكسة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول (حقائق)، ليروا وجهها الآخر حيث تحل بقوة هائلة في المجاز.

غلاف كتاب “الخيال السياسي”

 وفي ما يلي نص الحوار مع مؤلف الكتاب الباحث المصري الدكتور عمار علي حسن:

* الكتاب يسلط الضوء بلغةٍ سلسة بعيدة عن التقعر الأكاديمي على مسكوتٍ عنه في ما يتعلق بسِمة مهمة من سمات الخطاب السياسي (العربي خصوصاً)، كيف تقرأ ذلك؟

عمار علي حسن

– ابتداء، طالبتُ منذ ستة عشر عاماً في مقالٍ لي بلغة أكاديمية ليست مستغلقة على الأفهام، فالبعض باسم الصرامة العلمية يكتب لغة مقعرة أو جافة، تفتقد إلى الحيوية والجزالة والسلاسة، مع أن هذه السمات لا تناقض مقتضيات العلم، خاصة أننا أمام علم إنساني، وليس معادلات كيمائية أو رياضية، بل إن العلوم البحتة باتت تكتب في الغرب بطريقة سردية بسيطة، خاصة إن كانت موجهة إلى القارئ العام.

الكتاب، رغم ما يلتزم به من منهج علمي في التفكير والتأمل والشرح والاستدلال، لا يهمل التفكير الحر، الذي لا يحبس نفسه داخل صندوق التحليل المتعارف عليه، والمفروض فرضاً، بنماذجه الإرشادية ونظرياته ومؤشراته ومقاييسه، ولا يتحيز لتصورٍ مسبق، يلوي إليه عنق كل معلومة ومعرفة، كي تستجيب له، ولا يقصر نفسه على منتج معرفي لثقافة دون سواها، إنما هو منفتح على عطاءات عقول بشرية متعددة، أدلت بدلوها في هذا المضمار، وسعت إلى فهم قضية المجاز بعلاقاتها المتشابكة مع تصورات مختلفة، وسياقات اجتماعية وسياسية متباينة، وظروف متبدلة في الزمان والمكان.

اقرأ أيضاً:  تحضيرات لدورة استثنائية من معرض القاهرة الدولي للكتاب بسبب “كورونا” 

الكتاب يناقش مسكوتاً عنه صحيح إلى حد بعيد، فمدرسة العلوم السياسية، ورغم اهتمامها بتحليل الخطاب كمِّياً وكيفياً، لم تنشغل بالمجاز على قدر أهميته في الحياة عامة، والمجال السياسي بصفة خاصة.

الكتاب جديد في موضوعه بالنسبة لدارسي العلوم السياسية العرب بعد أن تناول بلاغيون بعض جوانبه، هو محاولة لهز المسلمات الزائفة، والتصورات الجامدة، التي يتبناها دارسو العلوم السياسية في بلادنا، ممن يعتقدون أن السياسة هي بالضرورة “فن الممكن” شرط أن يكون هذا الممكن هو”ابن الحقيقة”، و”ربيب الواقع”، وبذا ينحرفون بتصوراتهم، التي هي أشبه بالأوهام، إلى مسالك الخطل، ومهالك الجهل، في وقتٍ يعتقدون أن ما يدرسونه هو حقيقة لا تقبل الشك.

* هل تحاول في كتابكَ لفت انتباه دارسي السياسة وباحثيها والعاملين فيها، والمشتغلين بها، إلى أهمية المجاز الذي يعد من فنون علم البيان، في فحص حقل السياسة تفكيراً وتنظيراً وتعبيراً وتدبيراً؟

– لم أقصد بدراسة “المجاز السياسي” أن ألقي السياسة في مجاهل الابتعاد التام عن ملامسة الحقيقة، لاسيما أننا الآن، في حاجة ماسة إلى تقريب السياسة، فكراً وممارسة، من الحقائق، إنما قصدت بالأساس، أن أجلي بعض الغموض، وأكشف بعض التلاعب الذي يسكن قلب السياسة، سواء أخذ شكل توظيف المجاز في دغدغة مشاعر الجمهور، أم كان المجاز مجرد مسرب للهروب من مواجهة الحقيقة، التي قد تمثل شوكاً جارحاً يتجنب الساسة المشي عليه، ليس لأنها تدمي في حد ذاتها، إنما لهشاشة أقدام أولئك الذين يفضلون دوماً العيش في ظلمات الكذب والمخاتلة بما يصنعونه من الإبهام والإيهام، اللذين يجعلان الجمهور في حالة ترقب واندهاش، أشبه بالشلل، وهي مسألة يفضلها الساسة، بغض النظر عن نوع النظام السياسي، الذي يحكم ويتحكم في تسيير الأمور، استبدادياً كان أم ديمقراطياً؟

غلاف كتاب “التغيير الآمن” لعمار علي حسن

* ما الرسالة التي تريد إرسالها من خلال الكتاب للدارسين العرب الذين يتعاملون مع السياسة؟

– كسب علم السياسة كثيراً حين انتقل من “الينبغيات” إلى “الجاريات” أو “الساريات” متلمساً خطى العلوم السلوكية، التي ألهمت دارسي السياسة بمختلف فروعها طريقة لفهم نفسية الفرد وشخصيته ودوره في صناعة المواقف والقرار والظواهر والأحوال والمسارات، التي تمضي فيها المجتمعات الإنسانية إلى الأمام أو تتراجع إلى الخلف.

ومن المؤكد أن انتقال هذا العلم من التعامل الغزير مع السياسة على أنها “سلعة”  إلى إدراكها كـ “خطاب” أيضاً قد أضاء كثيراً من الجوانب والزوايا المعتمة التي ألقت ظلالاً كثيفة، خلال زمن ليس بالقصير، على دراسة الأفكار والممارسات السياسية، المقيم منها والعابر، والعميق والسطحي، والجوهري والعارض، والمتأزم والطبيعي.

اقرأ أيضاً: معرض القاهرة الدولي للكتاب.. إقبال جماهيري وفعاليات متعددة 

ولم يكن من المستساغ أن يقف فهم مضمون النص أو الخطاب عند الطريقة القديمة التي تحصي ما فيه من مفردات، تتعلق بمسألة أو قيمة أو توجه أو إدراك سياسي ما، ثم يقوم الباحث بإِتباع “الكم” تحليلاً “كيفياً” يربط اللفظ والكلام والكلم بسياقه الاجتماعي ـ السياسي، إنما كان من الضروري أن يمتد إلى سبر أغوار مختلف التعبيرات السياسية، شفاهية كانت أو مكتوبة، بغية فهم ما تنطوي عليه من مجازات متعددة.

إن الوقوف على المجاز عند علماء اللغة هو من المباحث الأصيلة لديهم، لكنه عند علماء السياسة ليس من الأولويات أو الضروريات، إنما من قبيل التحسينات، فأغلبهم منصرفون إلى فهم الواقع الذي يقوم بالأساس حول قيمة سلبية هي “الصراع”، دون إدراك أن توصيف هذا الواقع أو تجميله أو تقبيحه لا يتم إلا من خلال الكلام، وفهم هذا الكلام لا يتم على الوجه الأكمل في ظل إفلات من سطوة المجاز، والتغافل عن حضوره اللافت.

من أجل هذا أتى الكتاب الذي بين أيدينا هنا، كمحاولة للفت انتباه دارسي السياسة وباحثيها، والعاملين فيها، والمنشغلين بها، والعائشين لها، إلى أهمية المجاز في فحص حقل السياسة؛ تفكيراً وتنظيراً وتعبيراً وتدبيراً.

غلاف كتاب “حناجر وخناجر” لعمار علي حسن

* «المجاز السياسي» بفصوله ودراساته هل يعد مكملاً لكتاب «الخيال السياسي» الذي صدر لك منذ أربع سنوات في السلسلة نفسها؟

– حاولتُ في كتاب «الخيال السياسي» أن أُقَّرب الخيال إلى الواقع، وسعيتُ إلى إخضاع التفكير العميق والحر في المستقبل لضبط علمي كي لا ينزلق إلى أوهام أو أمنيات، فإنني هنا معنيٌّ أكثر بسبر أغوار الرؤية التي تذهب إلى أن العالم غارق في أكاذيب، سوداء وبيضاء، وفيها يسكن مجاز عرم. وحتى تلك الرؤى التي لا تريد أن تصف الأمر بأنه كذب من أي لون، فليس بوسعها أن تتفادى وجود المجاز، وتنكر جريانه حتى على ألسنة العوام.

في الكتاب الأول حاولت مشاكسة القاعدة التي تقول إن “السياسة فن الممكن” لتصبح أيضاً “مادة للخيال”، لاسيما أن كلمة “فن” هنا قد رافقت الممكن، أي المفتوح على الاحتمالات والخيارات. وفي هذا الكتاب أحاول أن أشاكس الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول “حقائق”، من منطلق أنها وقبل كل شيء بنت الواقع، ليروا وجهها الآخر، وهو أنها أيضاً يمكن أن تحل  بقوة هائلة في “المجاز”.

اقرأ أيضًا: من التحول إلى الإلحاد.. قراءة لفكر أدونيس في الثابت والمتحوِّل

قد يكون “المجاز السياسي” محاولة لكشف ما يسبق “الخيال السياسي”. ويمكن أن يحتاج هذا النوع من الخيال إلى مجاز، وحتى نفهم الأول لا بد من فهم الثاني، ليس من زاوية التفكير والتعبير فحسب، بل التدبير أيضاً، إذ إن المجازات المتخيلة تقود إلى تصرفات، مدفوعة بها، أو مستلهمة منها، أو ساعية إلى تحقيقها في الواقع المعيش.

وقبل هذا كله، هناك همزات وصل بين “الخيال السياسي” و”المجاز السياسي”، فالأخير بوسعه أن يفتح أمام التفكير أفقاً بعيداً وجديداً، وبذا يمكن للمشتغل بالسياسة وممارسها والمنخرط فيها، وكذلك من يقوم بالتنظير في مجراها الذي يتدفق بلا هوادة، ومن يقف على الضفاف التي تتسع وتضيق، أن يرى ما في الواقع من تعقيدٍ وتركيب ببصيرة نافذة. فبوسع مجازٍ واحد سائد ومتكرر عبر القرون، مثل “شعرة معاوية” مثلاً أن يساعد السياسي على أن يفتح ذهنه على احتمالاتٍ وخيارات متعددة، تترتب عليها تصرفات مرنة في دنيا الناس، كما أن تعبيراً مجازياً مثل: “بينهما ما صنع الحداد” يلهب الخيال حين يحاول، في مبناه ومعناه، أن يجيب على سؤال عن الدرجة التي وصلتها العداوة بين طرفين، فما صنع الحداد يمتد من المنجل والخنجر إلى الصواريخ عابرة القارات.

 

* هل تريد في كتابك هذا الانتقال بعلم السياسة من التعامل مع السياسة بوصفها “سلعة” إلى إدراكها بوصفها “خطاباً”؟

ـ نعم، السياسة ليست سلعة بحتة، بل خطاب في الدرجة الأولى، كما أن المجتمع الإنساني ليس معادلة رياضية مُحكَمة، أو تركيبة كيمائية محددة العناصر أو شكلاً هندسياً معروف الأبعاد والزوايا، إنما هو حركة دائبة تتوزع بين الانتظام والعشوائية، والإحجام والإقدام، والإرجاء والمبادرة، والقعود والنهوض، والسلبية والإيجابية، والعنف والسلام، والصخب والسكوت، والتعصب والتسامح، واليأس والأمل، والتذكر والتخيل. وتوجد بين هذه المتناقضات ألوان وأشكال وأنماط متدرجة من التصورات والتصرفات، والظنون والرؤى، والآمال والأوهام.

لقد رأيتُ في كتابي هذا أنه من النافع، بل المهم، دراسة حضور الاستعارة والمبالغة والصور الجمالية والذهنية والفكرية والفراغات التي يصنعها الصمت بإيماءاته وإيحاءاته في الخطاب السياسي المتداول، وفي الأفكار والنظريات التي تركها مفكرون وفلاسفة، أمعنوا النظر في السياسة بدءاً من معارفها وممارساتها الأولى في كل ما يفعله الإنسان في مجال أداء الواجبات، ونيل الحقوق، والتعبير عن الرأي، واتخاذ الموقف، وانتهاء بصراعات الدول على الموارد والنفوذ والتاريخ.

اقرأ أيضًا: يوسف الصديق: لم نستطع رفع النص القرآني إلى مجال الفكر والفلسفة

إن هذه الأهمية لا يوهنها فقر المجاز في الخطاب السياسي العربي، ليس فقط الذي ينتجه الساسة المحترفون في السلطة والمعارضة على حد غير متساو، إنما أيضاً ما يكتبه باحثون وكتاب وصحفيون في قضايا السياسة وشؤونها. ولا يوهنها أيضاً حديث الذين يزعمون أن حرصهم على قول الحقيقة دامغة ناصعة يجعلهم في غنى عن التوسل بالمجاز، فالمتابعون لمجريات السياسة يدركون جيداً أن هذا الحرص قد لا يكون موجوداً من الأساس، أو يكون وجوده باهتاً خافتاً.

* تطرح في كتابك قضية شائكة في الدراسات الاجتماعية بشكلٍ عام، وفي علم السياسة على وجه الخصوص، وهي قضية “الحقيقة”، كيف تعاملت معها؟

– إن من يمعن النظر فيما يجري في حياتنا يدرك أن ما للمجاز من حظ فيها أكبر بكثير مما للحقائق، ورغم أن بوسعنا أن نتبين سريعا أوجه الكذب في أي شيء، ونفهم أنه ليس بمقدورنا الزعم بأن ما نصل إليه هو الحقيقة بعينها، فإن البرهنة على الكذب أيسر من إثبات الحقيقة، كما أن التعامل مع الأول أقل كلفة من الثانية، ومع الكذب تتعدد المجازات في إطار عمليات التدجين والمخاتلة والمراوغة والتحايل والمواربة والإيهام والدعاية والحشد والتعبئة.

كما أن الحقيقة نفسها لا تخلو من إقامة أو حلول مغرض للمجاز، حيث يكون حاضراً في خطاب كل من يدافع عنها بملء فيه، ويجتهد قدر استطاعته كي يجعل كلامه مشبعاً بالبلاغة، بما يعطي ما نطق به قدرة أكبر على التأثير في النفوس، ويقطع الطريق على أي كذب بليغ مرتب ينتصر عليه، إن كان فيه ما يدغدغ مشاعر الجماهير، ويتلاعب بها ويستميلها.

غلاف كتاب “أصناف أهل الفكر” لعمار علي حسن

* كيف تعاملت مع معلومات الكتاب وآرائك ككاتب؟

– ما ورد هنا لا يقف عند علم البلاغة وشجونه، إنما يخص الاجتماع السياسي وشؤونه، واقفاً على الجسر العريض الواصل بين هذين الحقلين المعرفيين، يريد أن يبلغ منتهاه، كي يكشف عن مسار ومساق مسكوتٍ عنه، أو نادر تناوله بين الدارسين العرب، الذين يتعامل أغلبهم مع السياسة على أنها أقرب إلى “السلعة” منها إلى “الخطاب”، تاركين الأخير لعلماء اللغة ونقاد الأدب، وإن بحثوا فيه فإنهم يحصون ما في تصريحات الساسة وبياناتهم وخطبهم من مفردات لتوزيعها على معارف وقيم واتجاهات وقضايا سياسية، لكنهم لا ينشغلون كثيراً بما فيها من مجازات.

اقرأ أيضًا: إلى من يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

من أجل هذا، بدأ الكتاب بتحليل ما بين الكلام والسياسة من دروب، ثم عرَّج على اللغة كسلطة وقوة ناعمة، ليعرض بعدها معنى المجاز السياسي ماراً بتعريفه في العموم، وعلاقته بالحقيقة، ليصل إلى تحليل الاستعارات التي يعوم عليها الخطاب السياسي، ضارباً أمثلة، باستعارات الحرب، والنظر إلى الإنسان كآلة، وتأليه الدولة، وتجسيد المجتمع، والتعامل مع كرة القدم كراية قومية، وتصور العلاقات الدولية رقعة شطرنج، والمجتمع الرأسمالي “مول”، والاشتراكي ساحة للقطط السمان، والريبة في التمويل الدولي لأنه “غزو”.

وتناول الكتاب مسألة المبالغة السياسية، مفرقاً بينها وبين الفصاحة والبلاغة، ثم بين المقبول منها والمرفوض، وشرح جوانبها المتمثلة في الخطب الرنانة، واستدعاء الشعر السياسي، وتوظيف “أفعل” التفضيل، والتحريض على التطرف والتعصب، وترميز الحكام، والنفاق والبذاءة والكذب السياسي. كما تناول بلاغة الصورة، وتعامل معها كنص سياسي، لاسيما في مجالات الصور الجمالية، وصور الأفكار، والصور الذهنية، بمساراتها المتشابهة والمتصارعة والمتعددة.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

 وأخيرا جاء الدور على الصمت السياسي البليغ، انطلاقاً من فضائه الأوسع المتمثل في الدين والحكمة، ثم تجلياته في التمنع والمقاومة والتفاوض والدعاية، وبناء العقل الجمعي والعنصرية، والسيطرة والثورة والصوم السياسي، وتمدد الإمبراطوريات.

وبالطبع فإن ما ورد في فصول الكتاب من “مجازات” هي أمثلة للتحليل والدراسة، وكان بوسعي أن أحلل غيرها، أو أضيف إليها، أو أخصم منها، دون إخلال بالموضوع والمضمون؛ لأن الهدف قد تحقق ابتداء بالتدليل على ماهية المجازات السياسية وأنواعها ووظائفها أو الأدوار التي تلعبها في المجتمع عامة، والسياسة خاصة. ومع هذا كان لا بد من أن أورد مسرداً بأهم المجازات السياسية المتداولة في نهاية الكتاب، مع شرح لها، لتعم الفائدة، ويزداد المعنى رسوخاً.

غلاف كتاب “عالم في العراء” لعمار علي حسن

ولم يكن هدف هذا الكتاب بالطبع هو دعوة إلى ترصيع الخطاب السياسي بألوان من المجازات توضع فيه عمداً، كقلائد زينة، إنما مشاكسة أو مساءلة الذين يعتقدون أن السياسة تدور حول حقائق، ليروا وجهها الآخر وهو أنها أيضاً يمكن أن تحل بقوة في رحاب المجاز وركابه، دون أن يعني هذا دعوة الناس إلى مجافاة السياسة وهجرها إلى الأبد، بل سعى إلى إجلاء بعض الغموض، وكشف بعض التلاعب الذي يسكن قلب السياسة وعقلها، بما يسهم في هزِّ المسلمات الزائفة، والتصورات الجامدة، وإماطة اللثام عن كثير من المكر والخداع الذي يحيط بالسياسة عبر توظيف اللغة، حتى إذا ذهب الفرد إلى ساحة السياسة، منخرطاً ومساهماً في صنعها أو مشاركاً من بعيد، أو متابعاً مهتماً لسبب عنده، يكون على وعي بمواضع خطواته، وتجنب مصائد البلاغة وفخاخها.

* هل يعتبر الكتاب محاولة لتجديد الفكر السياسى العربي وتجديد مقاربة واقع المجال السياسي؟

– نعم، هذا الكتاب جزء من مشروع فكري يسعى إلى تجديد الرؤية في العلوم السياسية، وهو تجديد ينطلق ليس فقط مما قرأته في الكتب أو سمعته في المحاضرات واللقاءات المعرفية والسياسية، إنما أيضاً النظر طويلا في وجوه الناس وتصرفاتهم، فنصف العلم يأتي من الشارع، كما أني أستلهم الخبرة التي حزتها خلال العقد الأخير الحافل بتجربة عربية لم يعشها جيلٌ من قبل، وهي التي أعقبت اندلاع الانتفاضات والثورات في أقطار عربية عدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات