الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

عماد المديفر لـ”كيوبوست”: وسائل التواصل الاجتماعي غيَّرت طبيعة الدبلوماسية العالمية

كيوبوست

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة دورًا كبيرًا في تغيير الواقع العالمي؛ حيث أفرزت طبقة جديدة من “الدبلوماسيين الشعبيين”، الذين من المنتظر منهم أن يصنعوا كثيرًا من الفارق خلال الفترة المقبلة في مواجهة الدبلوماسية الرسمية.

وفي كتابه “الدبلوماسية الشعبية في زمن الإعلام الجديد”، يحاول الكاتب عماد المديفر، تسليط الضوء على هذا المفهوم، والتركيز على الطبقة الجديدة من الدبلوماسيين في مواجهة الدبلوماسية الرسمية، فضلًا عن التطرق إلى وسائل دبلوماسية جديدة؛ مثل دبلوماسية الفنون والرقص.

وفي حواره مع “كيوبوست” يُجيب المديفر عن عديد من التساؤلات المتعلقة بهذا المفهوم الجديد..

اقرأ أيضًا: هكذا تطوّر مفهوم الدبلوماسية عبر الزمن

كيف أسهمت الثورة التكنولوجية في اتساع رقعة تعرُّض العامة، وبكثافة، إلى الدعايات المغرضة والأخبار المضللة؟

من خلال هذه الثورة التقنية؛ تحولت طبيعة نقل المعلومات من أسلوب الواحد إلى العديد (One to Many)، كما في الإذاعة والتلفاز، إلى النموذج التفاعلي العديد إلى العديد (Many to Many)؛ فالكل يراسل الكل، ويصل إلى الكل، ويضع الرسالة الاتصالية بالشكل الذي يريد، والكثافة التي يريد، فسهولة مرور المعلومات، غثها وثمينها، عبر الحدود، قلَّص، بل وربما ألغى دور “حارس البوابة” الذي كان يوكل إليه في السابق حماية الرأي العام الشعبي من التشرذم والانقسام، أو من التعرض إلى “بروباجندا” العدو، ودعايته السوداء. وبالتالي فقد تخلخلت الأركان التقليدية لنظرية “وضع الأولويات”، وبرز اليوم عديد من الفاعلين المستخدمين لهذه البنية الجديدة؛ سواء أكانوا جهات منظمة، عدوة أو صديقة، مسالمة أو إرهابية، أم أفرادًا منتمين إلى هذه الجهات بشكل أو بآخر. وأضحت هذه الشعوب أمام سيل جارف من الأخبار والمعلومات المضللة والمتلاعب بها والتي تلاحقهم وتصل إليهم عبر هواتفهم الذكية.. أو عبر السوشيال ميديا، والفضاء المفتوح، وأصبح من السهل تزوير الحقائق، ونشرها على نطاق واسع، ومن خلال عدة مصادر، وعدة وسائط، وعدة تطبيقات.. الأمر الذي زاد من رقعة تعرُّض هذه الجماهير إلى الدعايات المغرضة بكثافة، وذلك كله يزيد بشكل مهول من فرص استغلالهم من قِبَل الدولة أو التنظيمات المعادية لتحقق مبتغاها، عبر ما يُسمى بـ”حروب الجيل الرابع”.

غلاف كتاب “الدبلوماسية الشعبية”

ماذا تقصد تحديدًا بمصطلح الدبلوماسية الشعبية؟

الموضوع هذا يطول، وفيه تفصيلات كثيرة، وتداخلات أكثر؛ إذ لا يوجد تعريف محدد معتمد عالميًّا لمصطلح “الدبلوماسية الشعبية “Public Diplomacy”، وقد تطرَّقت إلى بعض تلك التفصيلات والتجاذبات في ثنايا الكتاب، كما أمكن لي تعريفها في دراسة لي عام 2013، بأنها “الجهود التي تبذلها الحكومات للتواصل مع الشعوب الأخرى؛ من خلال استخدام تكنيك الاتصال ذي الاتجاهَين -التواصل المشترك- القائم على إيجاد أرضية مشتركة من القيم والمفاهيم مع شعوب الدول الأخرى، للانطلاق منها؛ بهدف الوصول إلى حالة تفاهم قد ترتقي إلى الانسجام والتأييد وتحقيق الدعم لاتجاهات وسياسات الدولة لدى مواطني الدول الأجنبية والرأي العام لديها”، ولن أعرج هنا إلى التعريفات العلمية، وتجاذبات الباحثين حولها؛ لكني في الكتاب أتناول مفهوم “الدبلوماسية الشعبية” من منظور أراه الأقرب إلى الزاوية الشعبية، الأقرب لنا كشعوب وأفراد منتمين إلى هذه المجتمعات، وهذه الأوطان.

هل صنعت وسائل التواصل الاجتماعي نخبةً جديدةً من الدبلوماسيين الشعبيين غير الأكاديميين؟

بالتأكيد، فقد أفرزت العولمة اليوم علاقات عالمية متبادلة قائمة على التكنولوجيا الحديثة في المعلومات والاتصال، ومن ذلك وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهو ما  أدى إلى ظهور نوع جديد من الجماهير في المشهد الدبلوماسي العالمي، بات يُعرف بالجماهير غير المرئية، وهم بالفعل يمارسون الدبلوماسية الشعبية بشكل أو بآخر. لكن هل يُطلق عليهم “نخبة”؟! قد يكون لهم “نخبة” أو قد يكون منهم “نخبة”، أما أن نعمم لفظ “النخبة” عليهم أو على الفاعلين منهم، أعتقد أن الأمر يتوقف على تعريفنا لـ”النخبة” بالدرجة الأولى.. ماهية “النخب” وما المقصود منها.

اقرأ أيضًا: الدبلوماسية الرياضية: هكذا ضربت القوة الناعمة عبر التاريخ

هل يمكن القول إن النظريات الحديثة للدبلوماسية غيَّرت طبيعة وتأثير الرأي العام ولم يعد يحظى بالأهمية ذاتها في الماضي؟

بالتأكيد.. أسهمت التغييرات العميقة في طبيعة المجال العام للاتصال في بروز قوة تأثير الرأي العام أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية جمعاء؛ حيث أضحت قوة ضاربة، انهارت أمامها حكومات، في ما بات يُعرف بـ”موجات التمرد الشعبي” كما يُسميها البعض، أو ثورات “الربيع العربي” أو “ثورات شبكات التواصل الاجتماعية” كما يحلو لآخرين، فمتى ما تشكَّل الرأي العام بوضوح، والذي ليس بالضرورة أن يكون مبنيًّا على حقائق، بل قد يُبنى على شائعات أو مبالغات، وأكثر من ذلك؛ فقد يتم تحريكه وإثارته من قِبَل جهات مجهولة قد تكون خارجية معادية؛ فإنه يوجد ويصنع إرادةً شعبية، قد لا تكون بالضرورة مخططًا لها بطريقة مدروسة، أو على أساس علمي، وقد تكون كذلك، إلا أنها -بغض النظر- فاعلة جدًّا على الأرض، كونها أضحت إرادة جمعية.

كيف يمكن أن تؤثر الدبلوماسية الشعبية على الدبلوماسية الرسمية في ما يخص القضايا الدولية؟

تطرقت إلى ذلك بشيء من التفصيل في الكتاب، وعرجت إليه أيضًا في إجابتي عن أسئلتك السابقة. وباختصار، فإن العلاقات بين الدول دائمًا ما كانت تُبنى وتتأثر بالصورة الذهنية التي تبنيها الشعوب عن الدول الأخرى وشعوبها، فكما أن السمعة الشخصية مهمة للفرد، ويتوقف عليها مصير علاقاته وتعاملاته مع الآخرين، والثقة المتبادلة بينهما، فإنه يمكننا أن نقول الشيء ذاته في ما يخص سمعة الدولة وشعبها.

وبالتالي فإن الاتجاه السائد المتبنَّى من قِبَل الرأي العام في دولة ما تجاه سمعة شعب دولة أخرى، ينبني عليه إما قبول وإما رفض الوضع القائم في ما يخص العلاقات والمصالح المشتركة بين هذه الدول، وهو ما يؤثر بشكل فاعل في تنفيذ السياسات على الساحة الدولية.

ما القواعد الأساسية لممارسة “الدبلوماسية الشعبية”؟

الحديث عن هذه القواعد هو موضوع أحد فصول هذا الكتاب، وهي عشر قواعد أساسية، تعزز من نجاح الممارسات الدبلوماسية الشعبية متى ما تم أخذها في الاعتبار في أثناء عمليات البحث والتخطيط والتنفيذ، وقد توصل إليها الباحث “ماثيو ويللن” وزملاؤه في أغسطس 2012م، عبر سلسلة من دراسات الحالة، والتجارب على الممارسين للدبلوماسية الشعبية؛ حيث قاموا بتطوير هذه القائمة وهذه القواعد من أفضل الممارسات لها. ويوصي ويللن الممارسين وصناع السياسات بضرورة تكوين فهم أفضل للخطط، وما يمكن وما لا يمكن تحقيقه، في مراحل التخطيط لحملات الدبلوماسية الشعبية، وقد جئت على ذكرها مفصلًا مع ضرب الأمثلة، في ثنايا الكتاب.

اقرأ أيضًا: أغرب الهدايا الدبلوماسية التي قدمها زعماء العالم إلى دول أخرى!

تناولت في الفصل الرابع ما سمَّيته “دبلوماسية الفنون والرقص”.. هل يمكن أن تشرح أكثر؟

فرنسا وألمانيا واليابان والصين؛ بل حتى تايلاند وسريلانكا.. وغيرها من الدول تنظِّم باستمرار حول العالم فعاليات فنية غنائية راقصة؛ بل إن لدى الأمريكان ما يسمونه “دبلوماسية الجاز”، وهي بالعموم أنشطة وفعاليات تأتي في إطار “الدبلوماسية الثقافية”، والتي تكون متعلقة بدور العامل الثقافي في تعزيز فاعلية العلاقات الدولية، من خلال سعي الدول لممارسة النفوذ والتأثير على المسرح الدولي عبر توظيف الثقافة، وتحسين الفهم الثقافي المتبادل بين الدول والشعوب؛ بل وربما الذهاب إلى ما هو أبعد.. للروابط القيمية والرمزية والثقافية المشتركة.. ومن ثَمَّ كسب الولاء والشعور بالانتماء إلى ثقافة بلدك عند شعوب الدول الأخرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عماد المديفر

المحلل والباحث في الاعلام السياسي والدبلوماسية العامة

مقالات ذات صلة