الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

على مَن يقع اللوم في أزمة أوكرانيا؟

كيوبوست- ترجمات

آيزاك تشوتينير

يُعد عالم السياسة جون ميرسهايمر، واحداً من أبرز منتقدي السياسة الخارجية الأمريكية ومؤلف كتاب “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية”. على مدى السنوات الماضية، كان ميرسهايمر يجادل بأن الولايات المتحدة بسبب دفعها في اتجاه توسع الناتو شرقاً إنما تزيد من احتمالات اندلاع حرب بين القوى النووية، وعندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، قال “إن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين يتحملون معظم المسؤولية عن هذه الأزمة”.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟  

ولمعرفة رأيه في ما يجري اليوم في أوكرانيا أجرى آيزك تشوتينير، من صحيفة “ذا نيويوركر”، الحوار التالي معه:

  • في رأيك، ما الذي أوصل العالم إلى هنا؟

أعتقد أن الأزمة الحالية بدأت منذ عام 2008 عندما أصدر الناتو بياناً قال فيه إن أوكرانيا وجورجيا ستصبحان جزءاً من الناتو. وفي حينها أعلن الروس أنهم يعتبرون هذا الأمر تهديداً وجودياً. وقد عزز هذا التهديد لاحقاً تقارب أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي، وتحولها إلى ديمقراطية ليبرالية موالية لأمريكا.

  • أنا لا أثق بتحويل أمريكا الدول إلى ديمقراطيات ليبرالية، ماذا لو أن الشعب الأوكراني أراد العيش في دولة ديمقراطية ليبرالية موالية لأمريكا؟

لو أن الأمر اقتصر على تحول أوكرانيا إلى دولة ديمقراطية صديقة لأمريكا لكان من المحتمل أن تفلت بذلك؛ ولكن ما حدث كان استراتيجية ثلاثية الجوانب: توسع الاتحاد الأوروبي، وتوسع الناتو، وتحول أوكرانيا إلى دولة موالية لأمريكا.

الثورة البرتقالية في أوكرانيا- أرشيف
  • أنت تركز على فرضية تحويل أوكرانيا إلى ديمقراطية ليبرالية، وهذه مسألة يقررها الأوكرانيون. يبدو أنه نوع من الإمبريالية أن تقول للأوكرانيين إنهم لا يمكن أن يبنوا دولة ديمقراطية ليبرالية.

ليست إمبريالية، إنها سياسة القوى العظمى؛ إن دولة مثل أوكرانيا تقع على حدود قوة عظمى مثل روسيا يجب عليها الانتباه جيداً لما يقوله الروس. ولا شك أن الدول الغربية تتفهم هذا الأمر عندما يكون متعلقاً بدولة جارة للولايات المتحدة.

  • هل تقول إنه من المقبول أن تملي الولايات المتحدة على دول الغرب سياساتها الخارجية؟ لا شك أنه لدينا (الولايات المتحدة) تأثير على كيفية إدارة الديمقراطيات الغربية لشؤونها.

هذا أمر واقع، وقد أطحنا بقادة منتخبين ديمقراطياً في الغرب؛ لأن سياساتهم لم تعجبنا. هكذا تتصرف القوى العظمى.

اقرأ أيضاً: أوكرانيا عادت إلى الأجندة الروسية

  • صحيح أننا فعلنا ذلك، ولكن هل هذا أمر جيد؟ ألا ينبغي لنا أن نفكر في عالم لا تتصرف فيه الولايات المتحدة وروسيا بهذه الطريقة؟

لا تسير الأمور بهذه الطريقة، وعندما تحاول خلق عالم كهذا ينتهي الأمر بسياسات كارثية كالتي اتبعتها الولايات المتحدة إبان حقبة القطب الواحد. حاولنا فرض ديمقراطيات ليبرالية في مختلف أنحاء العالم، وكان تركيزنا على الشرق الأوسط الكبير، وأنت تعرف مدى فشلنا. أليس كذلك؟

  • لا أتفق معك أن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة كانت تهدف إلى إقامة ديمقراطيات في دوله.

كانت تلك عقيدة بوش السياسية خلال فترة القطب الواحد.

  • الأمور بنتائجها، ومهما كانت خطابات بوش وردية فأنا لا أعتقد أن سياسات بوش كانت تهدف إلى نشر الديمقراطية في العالم.

أتفق معك عندما نتحدث عن سياسات الولايات المتحدة على مدى تاريخها؛ ولكن في فترة القطب الواحد كنا ملتزمين جداً بنشر الديمقراطية. وفي ما يتعلق بأوكرانيا، من المهم أن ندرك أن توسع الناتو والاتحاد الأوروبي لم يكن يهدف إلى احتواء روسيا. فحتى 22 فبراير 2014 لم تكن روسيا تشكل تهديداً. وعندما اندلعت الأزمة كان علينا أن نتحمل اللوم؛ ولكن بدلاً من ذلك اخترعنا رواية تقول إن روسيا عازمة على العدوان على أوروبا الشرقية، وإن بوتين يسعى لإقامة روسيا الكبرى أو ربما إعادة إحياء الاتحاد السوفييتي.

الرئيس الأمريكي جورج بوش يعلن بدء غزو العراق- أرشيف

 

  • قرأت لك مقالاً قديماً تنفي فيه هذه الرواية، فهل ما حدث في الأسابيع القليلة الماضية جعلك تغير رأيك؟

لا، ما زلت أعتقد أنني كنت على حق؛ والدليل أن أحداً لم يكن يرى أن بوتين كان عدوانياً قبل 22 فبراير 2014، لقد اخترعنا هذه القصة كي نلقي اللوم عليه. إن الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص هم مَن يتحمل مسؤولية هذه الكارثة. ولكن لا يوجد أي مسؤول أمريكي يرغب في الاعتراف بهذا الأمر.

  • قُلت في ذلك المقال إن بوتين لن يغزو بقية أوكرانيا أو دول أوروبا الشرقية، وقد فعل ذلك الآن. ألا ترى أن تلك القصة كانت صحيحة؟

لا أعتقد أنه سيحتل بقية أوكرانيا ثم يهاجم دول البلطيق سعياً لإقامة روسيا الكبرى، لا أرى دليلاً على ذلك في هذه المرحلة. من الصعب معرفة نيَّاته؛ ولكن خرائط الصراع الدائر توحي بأنه سيأخذ دونباس، وأن دونباس ستكون إما دولتَين مستقلتَين وإما دولة كبيرة مستقلة. لا أعتقد أنه سيصل إلى غرب أوكرانيا.

اقرأ أيضاً: فلاديمير يغزو فولوديمير: أوهام اجتياح روسيا لأوكرانيا

  • ولكن قنابله وصلت إليها!

ليست هذه القضية الأساسية؛ القضية الأساسية هي الأراضي التي يغزوها والأراضي التي سيحتفظ بها. لا أحد يعرف ما الذي سيحدث.

  • ألا تعتقد أن لديه مخططاً بشأن كييف؟

لا، لا أظن ذلك، أعتقد أنه ينوي أن يأخذ دونباس على الأقل، وربما بعض مناطق في شرق أوكرانيا، وبعد ذلك يريد تنصيب حكومة موالية لروسيا في كييف.

  • ستكون حكومة صديقة لروسيا وستكون خاضعة لنفوذه. أليس كذلك؟

بالضبط؛ ولكن ذلك يختلف عن الاستيلاء على كييف والاحتفاظ بها.

قصف روسي على غرب أوكرانيا- وكالات
  • يذكرنا ذلك بسلوك الإمبريالية؛ حيث يتم تنصيب حاكم صوري وتبقى الدولة الإمبريالية هي مَن يسيطر على البلاد. يمكننا أن نقول إن تلك البلاد لا تزال تحت الاحتلال.

لا أتفق معك باستخدامك كلمة إمبريالية؛ لا أحد يرى الأمر من هذا المنظور. إنها سياسة الدول العظمى، وما يريده الروس هو نظام منسجم مع مصالحهم في كييف. وربما يقبلون بدولة محايدة في نهاية المطاف. ولن يكون من الضروري أن تكون كييف تحت سيطرتهم. هم يريدون نظاماً محايداً وليس موالياً لأمريكا.

  • أنت لا تتفق معي على كلمة إمبريالية؛ ولكن بوتين في خطاباته أشار إلى أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة.

غير صحيح، فأنت تقتبس نصف الجملة، كما يفعل معظم الناس في الغرب؛ فالرجل قد قال: “من لا يفتقد الاتحاد السوفييتي فليس له قلب”، ثم قال: “ومن يرغب في عودته فليس له عقل”.

  • ولكنه يقول إن أوكرانيا أمة مختلقة ويقوم بغزوها، أليس كذلك؟

كل الدول مختلقة، نحن نبتكر مفاهيم الدولة الوطنية. الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة وألمانيا. الأمر الأهم هو أنه يدرك أنه لا يستطيع غزو أوكرانيا وضمها لإقامة روسيا الكبرى أو لإحياء الاتحاد السوفييتي، من الواضح أنه يريد اقتطاع بعض الأراضي، ولا شك أنه يرغب في تغيير النظام. لا شك أنه لن يحتل أوكرانيا بأكملها. سيكون ذلك خطأً فادحاً.

اقرأ أيضاً: من أفغانستان إلى أوكرانيا: خطر المقاتلين الأجانب في أوروبا

  • يبدو لي أنه يرغب في إحياء الإمبراطورية الروسية التي سبقت الاتحاد السوفييتي. فهو قد انتقد في مقاله الكبير العام الماضي السياسة السوفييتية التي سمحت بدرجة من الحكم الذاتي للجمهوريات السوفييتية؛ مثل أوكرانيا.

ما يهمنا هو سياساته الخارجية، والسؤال المهم الذي يجب أن تطرحه على نفسك هو ما إذا كان قادراً على ذلك. أنت تعرف أن الناتج القومي الإجمالي لروسيا أصغر من ناتج ولاية تكساس.

  • كثيراً ما تحاول الدول القيام بأشياء لا قدرة لها على تحقيقها، والولايات المتحدة لديها هذه المشكلة أيضاً. وقد فشلنا في العراق وفيتنام وغيرهما.

أنا أتحدث عن القوة الكامنة التي تمتلكها روسيا. الجيش القوي يتطلب اقتصاداً قوياً، واحتلال أوكرانيا ودول البلطيق وإحياء الإمبراطورية الروسية أو الاتحاد السوفييتي سيتطلب جيشاً هائلاً واقتصاداً ضخماً لا تمتلكه روسيا المعاصرة. لا يوجد ما يدعو إلى القلق من هيمنة روسيا على أوروبا، أو من أن تشكل تهديداً للولايات المتحدة. منافسنا الخطير هو الصين، وسياساتنا في أوروبا الشرقية تقوض قدراتنا على التعامل مع أخطر تهديد يواجهنا اليوم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي- وكالات
  • كيف تعتقد أن سياستنا يجب أن تكون في أوكرانيا، وما الذي ترى أنه يقوض سياستنا تجاه الصين؟

أولاً، يجب أن ننطلق من أوروبا للتعامل بدقة فائقة مع الصين. ثم يجب علينا العمل على خلق علاقة ودية مع روسيا؛ يجب أن يكون الروس جزءاً من تحالفنا المتوازن ضد الصين. فإذا كنا نعيش في عالم فيه ثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة والصين وروسيا، فعلينا أن نعمل على أن تكون روسيا في جانبنا. وما فعلناه بسياساتنا الحمقاء هو دفع روسيا إلى أحضان الصينيين.

  • أشرت في مقالك عن اللوبي الإسرائيلي إلى البعد الأخلاقي؛ حيث أصبحت “الولايات المتحدة دولة داعمة للاحتلال، مما يجعلها متواطئة في الجرائم التي ترتكب ضد الفلسطينيين”. ولديّ فضول لمعرفة رأيك في البعد الأخلاقي لما يحدث في أوكرانيا الآن.

أعتقد أن هنالك بعداً أخلاقياً وبعداً استراتيجياً في كل قضايا السياسات الدولية. فإذا تحالفت مع الاتحاد السوفييتي مثلاً لمحاربة ألمانيا النازية، فهذه سياسة حكيمة من الناحية الاستراتيجية؛ ولكنها خاطئة من الناحية الأخلاقية، لكنك تفعل ذلك لأنه ليس لديك خيار استراتيجي آخر. والاعتبارات الاستراتيجية تطغى على الاعتبارات الأخلاقية. وفي العالم المثالي سيكون من الرائع أن يكون الأوكرانيون أحراراً في اختيار نظامهم السياسي؛ لكن في العالم الحقيقي هذا غير ممكن. ومن مصلحة الأوكرانيين مراعاة ما يريده الروس منهم وهم يخاطرون كثيراً إذا ما استبعدوا الروس بشكل أساسي من حساباتهم. وبرأيي فإن الاستراتيجية الحكيمة التي يجب أن تنتهجها أوكرانيا هي إنهاء علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة ومحاولة استيعاب الروس. فلو لم يكن هنالك قرار بتوسيع الناتو شرقاً لكانت شبه جزيرة القرم ودونباس اليوم جزءاً من أوكرانيا ولما كانت هنالك حرب فيها الآن.

اقرأ أيضاً: مستنداً إلى التاريخ.. بوتين يكتب: الروس والأوكرانيون كانوا شعباً واحداً (1-3)

  • ألم يفت الأوان على تلك النصيحة؟

لا، أعتقد أنه هنالك فرصة كبيرة للتوصل إلى تسوية ما، والروس يعرفون أن احتلال أوكرانيا ومحاولة السيطرة على سياساتها سيكونان مكلفَين جداً.

  • هل تقول إن احتلال أوكرانيا سيكون شاقاً للغاية؟

بالتأكيد، ولذلك قُلت إنني لا أعتقد أن الروس سيحتلون أوكرانيا بأكملها على المدى البعيد. أعتقد أن الروس أذكياء لغاية، ولن يتورطوا في احتلال أوكرانيا.

المصدر: ذا نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة