الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

الاستراتيجية الأمنية للمغرب في محاربة الإرهاب نالت نجاحاً ونجاعة.. وأشادت بها قوى دولية بعد أن جنبت دولاً عدة حمامات من الدم

المغرب- حسن الأشرف

يواجه المغرب التطرف الديني والإرهاب باستراتيجية تروم تحقيق التكامل والاندماج بين ما هو أمني، واجتماعي، وسياسي اقتصادي، وديني أيضاً، مبنيةً على ركيزتَين رئيسيتَين: الاستباقية والوقائية.

وتتجلى الاستراتيجية الاستباقية لمحاربة التطرف والإرهاب في العمليات الأمنية التي تقوم بها الأجهزة الاستخباراتية المغربية لتحييد وتفكيك الخلايا الإرهابية حتى قبل تنفيذ أعمالها المتطرفة والدموية، وذلك بفضل “أعين” المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وهو مؤسسة أمنية استخباراتية يلقبها الكثيرون بـ”إف بي آي” المغرب.

وأما التوجه الوقائي لهذه الاستراتيجية فيكمن أساساً في تدبير وهيكلة الحقل (المجال) الديني للبلاد، بشكل يجعل “الأمن الروحي” من اختصاص المؤسسة الملكية باعتبار أن الملك هو أمير المؤمنين، وَفق الدستور المغربي، كما أن الدولة تحارب التطرف عبر برامج إصلاحية في السجون، وتشذيب المناهج التعليمية من أي بذور محتملة للفكر المتشدد، وَفق رؤية السلطات.

اقرأ أيضًا: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

الاستراتيجية الأمنية

يكاد يُجمع العديد من المحللين على أن الاستراتيجية الأمنية للمغرب في محاربة الإرهاب نالت نجاحاً ونجاعةً وأشادت بها قوى دولية، بالنظر إلى مساهمة الاستخبارات المغربية في أكثر من مرة في تجنيب دول أوروبية حمامات دم، بفضل معلومات استخباراتية سخية وفرتها الرباط لهذه الدول.

وآخر هذه الإشادات الدولية تجاه المغرب كان التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، في ديسمبر الماضي؛ إذ أكدت أن “الحكومة المغربية واصلت تنفيذ استراتيجيتها الشاملة التي تشمل تعاوناً إقليمياً ودولياً وسياسات لمكافحة التطرف”، كما أشارت إلى أن “قوات الأمن المغربية وظفت جمع المعلومات الاستخباراتية والتعاون مع شركاء دوليين لتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب”.

يواجه المغرب التطرف الديني والإرهاب- وكالات

وتتحدث الأرقام في هذا الصدد عن كون السلطات الأمنية والاستخباراتية أفلحت منذ عام 2015 حتى الصيف الماضي، في تفكيك 84 خلية إرهابية؛ منها 78 خلية ذات صلة بتنظيم داعش، والباقي خلايا ذات فكر متشدد يرتكز على مبادئ “الاستحلال والفيء”.

ويعلق عبدالإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، على المقاربة الأمنية الاستباقية، بالقول في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، إن المغرب نجح في استباق جرائم إرهابية محتملة، ليس فقط على المستوى الوطني، بل كانت هناك حالات نوعية، استطاعت فيها الأجهزة الأمنية المغربية إشعار نظيراتها في بعض الدول من خطر إرهابي محتمل بشكل جدي.

عبدالإله الخضري

ويرى الخضري أنه “إذا استثنينا حالة (جريمة شمهروش) في ديسمبر 2018، التي عرفت قتل سائحتَين إسكندنافيتَين باعتباره حادثة منعزلة نسبياً تفتقد الخيوط الدالة التي تميز اعتيادياً الجرائم الإرهابية، فإن المغرب أجهض المحاولات الإجرامية كافة، التي كان يهدف من ورائها الإرهابيون إلى زعزعة استقرار البلاد، وضرب مصالح استراتيجية بشكل يضر صورة المغرب الأمنية، داخلياً وخارجياً”.

مرتكبو جريمة قتل سائحتَين إسكندنافيتَين

ولفت المتحدث أيضاً إلى استراتيجية المغرب في تجفيف منابع الإرهاب، من خلال محاربة تمويله، عبر العديد من التدابير القانونية والرقابية الاستباقية.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الكتائب الإلكترونية لـ”إخوان المغرب”.. نصرة وشيطنة وطاعة

الاستراتيجية الدينية

وبموازاة مع الجهود الأمنية الاستباقية لمحاربة التطرف، فطن المغرب إلى ضرورة مكافحة الإرهاب أيضاً عبر إرساء ما يُسميه البعض “الأمن الروحي”، واستئصال الفكر الديني المتشدد عبر هيكلة المجال الديني.

هذه الهيكلة تضع الفتوى مثلاً من اختصاص مؤسسة “أمير المؤمنين” ولجنة من العلماء بإشراف (المجلس العلمي الأعلى) التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ وذلك لمنع تداول الفتاوى بشكل قد يخلق مشتلاً للأفكار المتطرفة.

المساجد تخضع لرقابة الدولة

وتقوم هيكلة الشأن الديني أيضاً، والتي بدأت معالمها بُعيد سنة 2003 عندما حصلت التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء، على حصر تدبير المساجد على وزارة الأوقاف، فضلاً عن مراقبة أماكن العبادة، وتخريج أئمة ومرشدين ومرشدات يروجون لما يُسميه البعضُ “الإسلامَ المعتدل والوسطي”، وآخرون يسمونه نموذج التدين المغربي.

الدكتور عبد الكريم القلالي، أستاذ العقيدة والفكر والأديان، يرى أن الأصل في التدين أن يكون حاملاً لصاحبه على التزام قيم الدين الذي ينتمي إليه، وأن يكون ممتثلاً لما يتضمنه من تعاليم، فالصدق والأمانة على سبيل المثال خلق مشترك لو تم الالتزام بهما لاتَّقينا كثيراً من الأسباب المؤدية إلى الغلو والتطرف عن طريق التضليل والتأويل غير السليم لبعض النصوص الشرعية.

د.عبدالكريم القلالي

ويؤكد القلالي، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن “الفهم الديني السليم مدخل قوي لدرء مخاطر التطرف، وأن الالتزام الديني هو عنصر أقوى من كل الالتزامات؛ لتعلقه برقابة ذاتية تمنع صاحبها من سوء التصرف وإيذاء الآخر”.

وزاد قائلاً “هذا يقتضي أن يكون لدينا خطاب سليم ومناهج تربوية وتعليمية يوكل أمر وضعها إلى أهل العلم والاختصاص ودرء خطاب النمطية الذي يُراد منه إلصاق أمر التطرف بالدين ظلماً وعدواناً”.

ووَفق الأستاذ الجامعي، “ينبغي أن نميز في هذا الصدد بين ممارسات الأفراد وتعاليم الدين، فتعاليم الدين ثابتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وأفهام الناس وتصرفاتهم وتفاعلاتهم تختلف باختلاف مدى الموافقة والمخالفة للفهم السليم والتدين الصحيح”.

اقرأ أيضاً: التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين: أفكار من الخبرات المغربية

واسترسل القلالي “لو أن الجميع حرصوا على الفهم السليم؛ لتم تجاوز الكثير من العداوات بين أبناء الدين الواحد والديانات المختلفة، وتقتضي الموضوعية العلمية بيان ما لدى الآخر من معتقدات ومواقف ووضعها للنظر والمناقشة بتجرد دون تحيز، وأن لا يقتصر الأمر على الدين الإسلامي الذي هو بريء من الفكر المتطرف؛ بل هو قائم على أساس السلم والتعاون والتعارف”.

الاستراتيجية الاجتماعية

بيدٍ على “زناد الأمن” وعينٍ على “الأمن الديني”، يجتهد المغرب في محاولة دمج “المتطرفين والإرهابيين” الذين اعتقلوا داخل المجتمع بعد خروجهم من السجون، من خلال برنامج “مصالحة”.

برنامج مصالحة داخل السجون

وانطلق برنامج “مصالحة” في صيف 2016، بإشراف مديرية السجون ووزارة الأوقاف ومجلس حقوق الإنسان؛ بهدف تهيئة المعتقلين المتطرفين بالخصوص للاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وذلك عبر 3 محاور أساسية؛ هي: المصالحة مع الذات، والمصالحة مع المجتمع، والمصالحة مع النص الديني.

ويعود الخضري ليعلق على هذا الجانب بالقول إنها محاولات حثيثة من داخل السجون، يعكف عليها علماء وفقهاء؛ لحث مَن يتبنون أفكاراً تكفيرية ومتطرفة، ممن يقضون محكومياتهم وراء قضبان السجون، على القيام بمراجعات، على ضوء مجموعة من المسوغات الدينية والواقعية.

اقرأ أيضاً: بنكيران زعيم “إخوان المغرب”.. مسارات حافلة من الشعبوية السياسية

ويرى الخضري أن “هذه المبادرات ضئيلة الأثر حتى الآن؛ نظراً لتعنت الكثير من حملة الفكر المتطرف من جهة، وكذلك لما تنطوي عليه تلك الإجراءات من انتهاك لخصوصية الأشخاص وتلفيق التهم وحرمان بعض المواطنين من حقوقهم في ممارسة شعائرهم والتضييق عليهم بصورة تعسفية، دون أن يثبت تورطهم في محاولة ارتكاب جرائم إرهابية محتملة”، على حد قوله.

وذهب المتحدث إلى أن هناك تحديات تحيلنا إلى مساءلة المغرب بشأن المرتكزَين الأول والرابع في استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب؛ وهما: معالجة الظروف المؤدية إلى انتشار الإرهاب، وكذا التدابير المتخذة لضمان احترام حقوق الإنسان الواجبة للجميع، وسيادة القانون بوصفه الأساس الجوهري لمكافحة الإرهاب.

وخلص الفاعل الحقوقي ذاته إلى أن المغرب مدعو إلى مزيد من الجهود لحماية حقوق الإنسان من الانتهاك، في ظل قانون مكافحة الإرهاب، وإلى تجسيد قيم الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير في المجتمع المغربي، واحترام وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة على قدم المساواة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة