الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةصحة

على كرسي الطبيب النفسي.. قطاع مُهمل وأوجاع مكبوتة!

من حق إنسان منطقتنا أن يتخفف من أعباء الأفكار الأصولية والأيديولوجيات الكئيبة.. وأن يقطف من ثمرات وبساتين العلوم الاجتماعية والإنسانيات.. لكن ماذا عن الحقل المعرفي الذي يداوي علل النفس وأمراضها؟

كيوبوست – مروان البلوشي

ما العلاقة بين الأميرة ديانا و”اضطراب الشخصية الحدِّية”؟ أو العلاقة بين الرئيس السابق ترامب و”اضطراب الشخصية النرجسية”؟

كانت ديانا تخاف من الفقد والهجران للدرجة التي تدفعها للتعلق بكل فرصة حب وحنان؛ لكنها تشعر في ما بعد بالامتعاض الشديد والحسد الخفي نحو مَن اعتمدت عليه ليمنحها الحب والحنان، لتخونه أو تجرح كرامته لاحقاً، كما أن ديانا عانت الانفصام؛ حيث كانت في بعض الأحيان ترى الأمير تشارلز نبعاً للاهتمام والشغف العاطفي، وإنساناً لامعاً مكتمل الأوصاف، وفي أحيانٍ أخرى تتغير رؤيتها له بالكامل فتراه رجلاً عابثاً، مهملاً لحاجاتها وعلى وشك هجرها.. هذه السلوكيات وغيرها دفعت بعض المتخصصين للترجيح بأن ديانا كانت تعاني اضطراب الشخصية الحدية[1].

الأميرة ديانا – أرشيف

 أما اضطراب الشخصية النرجسية؛ فهو مرض أشد شراسة وأصعب علاجاً؛ وهو يختلف أشد الاختلاف عن “النرجسية الصحية” التي نولد بها جميعاً. كل الأطفال نرجسيون، ثم يقوم الوالدان والأسرة بعملية تخفيف آثار هذه النرجسية؛ حتى يواصل الطفل عملية نموه النفسي بشكل طبيعي. وفي حال لم يحصل هذا، تتحول هذه النرجسية من مجموعة خصائص وطبائع إلى اضطراب حاد في الشخصية، يؤذي مَن يحمله والناس حوله.

ويرجح بعض أطباء النفس الأمريكيين أن ترامب مُصاب بالنرجسية غير الصحية.[2] ومن أبرز خصالها: إظهار الثقة والقوة التي تخفها في الجانب الآخر إحساساً حاداً بالنقص والدونية، الاعتماد المُزمن على عوامل خارجية؛ مثل المنصب أو الجمال الجسدي أو الثروة المادية، وذلك للشعور بقيمة الذات، ويعاني النرجسيون مشكلات كبرى في إقامة علاقات عاطفية حقيقية وعميقة وطويلة المدى.. إلخ من الأعراض.

دونالد ترامب – أرشيف

بعد هذه المقدمة التي ضربنا فيها مثالَين عن تأثير الأمراض النفسية على شخصيتَين معروفتَين، يحق للقارئ أن يعرف مدى أهمية الصحة النفسية، وعلم النفس في حياتنا العامة، وعلينا كأفراد، والمعرفة تبدأ أولاً بطرح الأسئلة؛ سواء عرفنا كل الإجابات أم لا.

لماذا هذا التقرير؟

يذكر عالم الاجتماع زيغمونت باومان، أن مراجعة الأطباء النفسيين وتحول علم النفس إلى صناعة، تُستهلك منتجاتها في المجتمعات الغربية خلال العقود الأخيرة، كان نتيجة طبيعية لانخفاض حدة المعارك الأيديولوجية (اليمين ضد اليسار، المؤمنون ضد اللا دينيين) التي سيطرت على المجتمعات، وتفكك سيطرة الأفكار والقيم الكبرى على عقول ومخيلة الناس  وكذلك تعقُّد حياة الأفراد العاطفية.[3]

عالم الاجتماع زيغمونت باومان – أرشيف

ماذا عنا نحن؟ فبعد انهيار القومية العربية (سياسياً) والأفكار اليسارية، وانهزام مشروع الإسلام السياسي وإهالة الرماد على مشروع الصحوة الإسلامية، وانخفاض الحماسة للتغيير الثوري من بعد 2011، هل نحن في العالم العربي نمر بمرحلة مشابهة؟

وإلى متى نستمر في استخدام أوصاف كـ”مجنون” أو “مخبول” وغيرهما في حق كل مَن يراجع الطبيب النفسي؟ ألا ندرك أننا جميعاً نحمل سلوكيات نفسية تصعب حياتنا وحياة مَن نحب؟ وأن البعض منا يعيش حياته وهو مريض في عقله وروحه دون أن يدري؟

ضربنا في بداية التقرير مثال الأميرة ديانا؛ وهي التي عاشت في مجتمع متقدم يستثمر بكثافة في الصحة النفسية، ماذا عن مجتمعات مكبوتة نفسياً لا تلقي بالاً بصحة عقول ونفوس أفرادها؟ ولا تخصص الميزانيات والأموال لتأهيل مَن يدرس كيفية معالجة الاكتئاب أو البارانويا أو الرغبات الانتحارية أو اضطرابات الشخصية العشرة.. إلخ، هل سيخرج صدام حسين جديد بما يحمله من سلوكيات مشوهة؟ وقِس على ذلك من حالات.

اقرأ أيضًا: “ذا كراون 4”: من وجهة نظر خبير بالشؤون الملكية

إلى متى سيظل استثمار العالم العربي ضئيلاً في الصحة النفسية؟ وإلى متى ستظل نقاشات مثقفينا ومثقفاتنا تركز على هموم سياسية آنية وقضايا بلا حل ونقاشات تتكرر أبداً؟ دون الالتفات إلى ما يجري في داخل نفوسنا وعقولنا؟

العِلم المُهمل:

انتشر الحماس عربياً وخليجياً من بعد 2011 للاهتمام من جديد بإصلاح المناهج الدراسية، وزيادة نصيب الفلسفة، والموسيقى والآداب، والتربية الأخلاقية فيها، وهذا حماس محمود بطبيعة الحال. من حق إنسان منطقتنا أن يتخفف من أعباء الأفكار الأصولية والأيديولوجيات الكئيبة، وأن يقطف من ثمرات وبساتين العلوم الاجتماعية والإنسانيات؛ لكن ماذا عن الحقل المعرفي الذي يداوي عِلل النفس وأمراضها؟ ماذا عن التخصص الذي لا يكتفي فقط بإثارة التساؤلات الفكرية بل يقدم حلولاً عملية لكيفية عيش حياة أفضل؟ ماذا عن علم النفس؟

ما الذي نخسره مثلاً بعدم تضمين علم النفس في مناهجنا الدراسية؟ يجيب د.عبدالله غازي، وهو طبيب متخصص في الاستشارات النفسية، في تصريحٍ خاص أدلى به إلى”كيوبوست”: “الخسارة الحقيقية من وجهة نظري الشخصية تكمن للأسف في عدم تطبيع التعبير عن المشاعر في هذه المرحلة المبكرة من العمر، مجرد فتح التعامل مع المشاعر هو بحد ذاته نجاح”.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن لعلم النفس أن يساعدنا على العيش بطريقة أفضل؟

د.عبدالله غازي

وتعلق الطبيبة النفسية د.آلاء كلداري، في تصريحٍ خاص أدلت به إلى “كيوبوست”، على النقاشات العريضة بين مثقفي الخليج والعرب، عن ضرورة تضمين الفلسفة والفكر والفنون في المناهج الدراسية، وإهمال علم النفس رغم قربه من حياة الإنسان، بالقول: “يدهشني دوماً حجم ما نستثمره في تعلُّم وفهم العالم الخارجي، واستثمارنا القليل في فهم كيف تعمل عقولنا وعقول مَن حولنا. دون اهتمام حقيقي بالصحة النفسية سيظل الناس عُرضة للوقوع في أفخاخ سوء الفهم والأساطير”.

ولدى سؤالنا د.غازي عن نتيجة ضعف الاهتمام بعلم النفس على مهاراتنا العاطفية والحياتية، ذكر التالي: “غياب البناء العلمي لفهم الذات والغير من ناحية نفسية لدى المراهقين، أدى للأسف إلى تحول طرق الكثير في التعامل مع مشاعرهم لحالةٍ من الانغلاق القابل للانفجار، وبطرق غير مباشرة منها التنمر أو التمرد لجلب الانتباه أو الغضب العنيف أو غيرها من التصرفات النابعة من خلال تنفيس المشاعر السلبية. إن تدريس علم النفس بطريقة عملية يعلم الطلاب الأدوات اللازمة للتعامل مع مشاعرهم بطريقة اليوم وعلى المدى الطويل”.

اقرأ أيضًا: هل من الممكن اختزان تأثير الصدمات النفسية في الجسم؟

وفيكَ انطوى العالم الأكبر:

تعيش مجتمعاتنا حالة متسارعة من التحولات الاجتماعية والقيمية التي لا نعرف تحديداً مآلاتها، ولدى الحديث عن العوارض النفسية التي قد تظهر في السطح خلال هذه الأزمنة أو ما بعدها، يقول د.غازي: “الصورة للأسف قاتمة وتعكس الطريق الطويل المتبقي لنا كمجتمعات للوصول إلى حالة صحية من الناحية النفسية، كشف لنا المسح الوطني للصحة النفسية (2016)، عن أن 34% من السعوديين تنطبق عليهم معايير اضطرابات الصحة النفسية في بعض الأوقات، وأن 83% من الأفراد المُشخّصين باضطرابات نفسية حادة لا يسعون لتلقي أي نوع من العلاج. هذه الأرقام مندمجة تماماً مع سياق حديثنا حول أهمية تطبيع الصحة النفسية والتعبير عن المشاعر منذ الصغر بشكل ممنهج، للعمل على الوقاية قدر المستطاع وتقليل الوصمة التي تمنع المصابين من البحث عن المساعدة”.[4]

يحتاج الجميع للتمتع بصحة نفسية جيدة

وتشرح د.كلداري ما ستكون عليه حياة المواطن الذي تثقف نفسياً، فتقول: “ونحن نكبر فإننا نعيش عدة تغيرات في داخلنا، التعلم عن هذه التغيرات وآثارها سيمكننا من فهم ما هو جيد ومتوافق مع حياة سعيدة، وما هو ليس كذلك.. سيمكننا من تطوير إحساس سليم بذواتنا، وزيادة قدرتنا على إدارة مشاعرنا، وكذلك بناء علاقات عاطفية، صحية وعميقة وطويلة المدى.. هذا كله سيترك بصمة إيجابية على المجتمع ويسهل حياة مواطنين ذوي وعي نفسي سويّ”.

د.آلاء كلداري

الخاتمة:

لدى الحديث عن أهم العقبات التي تواجه صناع القرار في التعامل مع هموم الصحة النفسية، تبرز عقبتان أساسيتان؛ وهما التأمين الصحي، وتأهيل الكوادر المتخصصة. وسألنا د.غازي: هل يجب أن يغطي التأمين الصحي تكاليف ومتطلبات الصحة النفسية؟ أجاب: “بالطبع وهناك حركة بدأت في السعودية قبل سنوات من قِبل بعض المختصين لتضمين جلسات العلاج النفسي في التأمين الصحي، وتكللت بالنجاح مؤخراً، وأتمنى أن يمتد هذا الشيء إلى باقي دول الخليج والشرق الأوسط”. أما د.كلداري فتشرح وجهة نظرها: “الصحة النفسية مهمة بنفس مقدار أهمية الصحة الجسدية، في أمريكا هناك (قانون الرعاية في متناول الجميع) الذي ينص على أن خطط التأمين الصحي يجب أن تغطي تكاليف الصحة النفسية وخدماتها”.

وأخيراً ماذا عن الكوادر المتخصصة؟ هل من السهل تأهيل وتدريب العاملين في علم النفس؟ تجاوب د.كلداري بحماس ووضوح، قائلةً: “لماذا لا نستثمر في الخريجين في هذا الحقل المهم؟ هل سنطرح نفس الأسئلة عن مدرسي الفيزياء أو البيولوجيا؟ ربما العقبة الأبرز الآن هي نقص الخبرة لدينا”.

المراجع:

1-المعالجة الأمريكية في علم النفس د.إلينور غرينبيرغ، رجَّحَت ذلك. اقرأ هنا

2-تحدث عن ذلك المعالج الأمريكي في علم النفس د.تود غراندي، شاهد فيديو

3-راجع كتاب باومان؛ وهو: «الحب السائل»، وقد ترجم مؤخراً إلى العربية.

4-تكرم د.عبدالله غازي وزودنا بمصدر هذه الأرقام؛ وهي من تقرير “المسح الوطني السعودي للصحة النفسية”، اطلع عليه هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة