الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

على خط النار.. عرب أم فلسطينيو إسرائيل؟

كيوبوست- ترجمات

د.إتش إيه هيليير♦

صوَّت الكنيست الإسرائيلي، الأحد الماضي، على الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فخرج نتنياهو وأصبح في المعارضة، ويحكم الآن ائتلاف يقوده لأول مرة صهيوني متدين. “كيوبوست” ينشر هذا الحوار الذي أُجري في 17 مايو عقب اندلاع أحداث حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، وأثناء المواجهات العسكرية بين إسرائيل و”حماس”. ويتناول الحوار عدداً من المسائل؛ بما فيها: لِمَ عمد الخطاب الرسمي الإسرائيلي إلى وصف فلسطينيي إسرائيل بعرب إسرائيل؟ وتصور مستقبل الشباب الفلسطينيين دخل إسرائيل، هل ينحون نحو التطرف؟ هل سيكون خيارهم مستقبلاً هو الانخراط أكثر في السياسة الإسرائيلية بعد التحول المثير في الفترة الأخيرة للأحزاب العربية، وظهور وجود سياسي عربي أكثر صلابة، في ظلِّ النسبة الكبرى من الأحزاب اليمينية في الكنيست الإسرائيلي؟ كيف يمكن للشباب الفلسطيني التمييز بين الاحتجاجات والتحريض وتفادي الأخطاء، والذكاء للعب دور سياسي يعلن عن وجودهم عالمياً، ويمنحهم دوراً أكبر في العقود المقبلة؛ حيث يبلغ عددهم اليوم مليونَي مواطن، ويشكلون خُمس السكان في إسرائيل؟

في حين أن الاضطرابات في الأراضي المحتلة والقدس الشرقية أمر مألوف، فإن الدعم الكبير الذي نشهده حالياً من مواطني إسرائيل الفلسطينيين تجاه فلسطينيي القدس وغزة، والتعبير عن الغضب في المدن الإسرائيلية التي يسكنها عدد كبير من العرب، يعبران عن تغيير ملحوظ في تأثيرات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي داخل حدود إسرائيل المعترف بها دولياً.

اقرأ أيضاً: ردود فعل واسعة بعد اتهام إسرائيل بالفصل العنصري والاضطهاد

في حوار مع جوناثان إيال، يعالج الدكتور هيليير، الزميل الأول المشارك في مركز رويال يونايتد للأبحاث، بعض المسائل المهمة التي تواجه كلاً من اليهود والعرب في أعقاب القتال الأخير..

أصبح مصطلح “عرب إسرائيل” شائعاً في العديد من التقارير؛ ولكن من الإنصاف أن نقول إنه يُستخدم بشكل رئيسي من قِبل إسرائيل. هل هو تسمية دقيقة؟ أليست تسمية “فلسطينيو إسرائيل” أكثر دقة؟

  • يعبر مصطلح “عرب إسرائيل” عن إشكالية عميقة، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى أنه يفصل السكان الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية عن المجتمع الفلسطيني الأوسع في الأراضي المقدسة، سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي. وهو يقتلعهم من جذورهم، ويشير بشكل مبطن إلى أنهم من البدو غير المرتبطين بالأرض. هؤلاء الناس هم في الحقيقة فلسطينيون تمكنوا من البقاء في بيوتهم إبان النكبة منذ 73 عاماً عندما أقيمت دولة إسرائيل في فلسطين الواقعة تحت الانتداب، واضطر معظم الفلسطينيين إلى الفرار. ولذلك فإن إزالة كلمة “فلسطيني” من تسميتهم تمحو بشكل ذكي ارتباطهم بهويتهم.

ثانياً، تجدر الإشارة إلى أن ليس كل الفلسطينيين “عرباً”؛ فهنالك فلسطينيون أفارقة وأرمن وآشوريون.. وغيرهم من الأقليات العرقية. ولذلك فإن التسمية الصحيحة هي “فلسطينيون”؛ وهي في نهاية المطاف التسمية التي يستعملونها هم أنفسهم.

وأخيراً، فيجب أن نقول أيضاً إن استخدام مصطلح “عرب إسرائيل” (وهو اختراع إسرائيلي) لم يكن يلقى الكثير من الاعتراض من المواطنين الفلسطينيين قبل الأعوام العشرين الأخيرة؛ وذلك بسبب الخشية من أن يتسبب ذلك في المزيد من الإشكاليات التي يعانيها مجتمعهم مع السلطات، فبعد كل شيء خضع المواطنون الفلسطينيون للحكم العسكري لأكثر من عشرين عاماً بعد قيام دولة إسرائيل؛ ولكن بعد الانتفاضة الثانية بدأ المزيد من الفلسطينيين، ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية، في إثارة إشكالية هذا المصطلح.

المواطنون الفلسطينيون الإسرائيليون هم مجموعة متنوعة من السكان

ماذا عن مسألة الولاءات؟ كيف تعتقد أن الفلسطينيين الإسرائيليين ينظرون إلى أنفسهم كمواطنين في دولة تصنف نفسها رسمياً كدولة يهودية؟ وما علاقتهم بسكان المناطق الفلسطينية المحتلة؛ الذين ليسوا بالطبع من مواطني دولة إسرائيل على الرغم من أنهم تحت السيطرة الإسرائيلية؟

  • المواطنون الفلسطينيون الإسرائيليون هم مجموعة متنوعة من السكان، ويشكلون ما يزيد على خُمس مواطني إسرائيل؛ حيث يصل عددهم إلى نحو مليونَين. ومشاعرهم بالانتماء إلى الدولة ومؤسساتها ليست موحدة؛ ولكن الواضح هو أنهم يتعرضون إلى ممارسات تمييزية على نطاقٍ واسع، كما تشهد العديد من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية والدولية؛ مثل منظمات “بتسليم” و”هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”.. وغيرها. يحظى اليهود علناً على معاملة تفضيلية على غير اليهود في العديد من مجالات القانون والمؤسسات الإسرائيلية، وهذا أمر يبرره، كما ذكرتم، كون إسرائيل دولة يهودية بدلاً من أن تكون دولة لجميع مواطنيها. وينطبق ذلك بشكل خاص على قوانين الأراضي، والحصول على الأموال العامة؛ ولكنه بشكل عام صحيح على نطاق واسع، لذلك فمن الصعب الكلام عن المواطنة الموحدة. في الحقيقة زعمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن المسؤولين الإسرائيليين مذنبون بارتكاب جرائم الفصل العنصري والاضطهاد التي يحددها القانون الدولي، وأن هذه الجرائم لا تُرتكب في الأراضي المحتلة فحسب، بل داخل حدود إسرائيل عام 1967. ولذلك فمن المفهوم تماماً وجود شعور عام بالضعف والتهميش؛ خصوصاً في ظلِّ هيمنة القوى اليمينية المتطرفة على السياسة الإسرائيلية ودفعها بالخطاب السياسي أكثر فأكثر نحو اليمين المتطرف.

اقرأ أيضاً: الأسس الدينية للسلام العربي- الإسرائيلي

ترتبط أعداد كبيرة من الفلسطينيين ضمن الخط الأخضر (حدود إسرائيل المعترف بها دولياً) بعلاقات عائلية بفلسطينيين في الأراضي المحتلة في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة، وما رأيناه في الأيام الأخيرة هو تحديد واضح لهوية الفلسطينيين في المدن والبلدات الإسرائيلية. وبالطبع فإن هذه العلاقات تخضع لتأثيرات الاحتلال؛ فالفلسطينيون الذين يحملون وثائق سفر إسرائيلية يمكنهم التنقل بحرية في معظم أرجاء الأراضي المقدسة؛ سواء في الأراضي المحتلة أو غيرها، باستثناء غزة.

ولكن من دون هذه الوثائق -كما هي الحال بالنسبة إلى فلسطينيي غزة والضفة الغربية- فإنهم يخضعون لقيودٍ مشددة على حرية التنقل عبر شبكة من الحواجز الإسرائيلية، ونقاط التفتيش والمستوطنات. وبالحديث عن الحواجز، يوجد الآن جدار فصل فعلي أقامته السلطات الإسرائيلية عبر الضفة الغربية.

أولاد الفلسطينيين الإسرائيليين ممنوعون من دخول تل أبيب- “ميديل إيست مونيتور”

لقد شجب كل من رئيس الدولة ورئيس الوزراء الإسرائيليين أعمال العنف التي يرتكبها الجانبان. هل تعتقد أن هذه اللفتات قد طمأنت الجالية الفلسطينية في إسرائيل؟ ما الذي يجب على إسرائيل فعله لتقدم تطمينات فعلية للمواطنين الفلسطينيين؟

  • لا أعتقد أن الجالية الفلسطينية في إسرائيل قد شعرت بالاطمئنان من تصريحات الرئيس الإسرائيلي؛ وهي بالتأكيد لن تشعر بالاطمئنان لكلام رئيس الوزراء. فقد تعرض بنيامين نتنياهو إلى انتقاداتٍ شديدة؛ بسبب تشجيعه الجماعات المتطرفة من أقصى اليمين، ولتبنيه خطابها، كما أنه كان هو نفسه مصدراً للخطاب المعادي للعرب. إن استخدام المشاعر المعادية للعرب هو مع الأسف سمة شائعة في السياسة الإسرائيلية، وهو يستخدم لغايات سياسية دنيئة. ومن الصعب أن نرى كيف سيأخذ الناس هذه الإدانة على محمل الجد، بينما هو نفسه كان مصدراً للكثير من التوتر في المقام الأول.

هنالك أيضاً أحداث تاريخية محددة وقعت مؤخراً داخل إسرائيل يشعر كثير من الفلسطينيين الإسرائيليين بالظلم تجاهها. في أكتوبر 2000 وقعت أعمال قتل جماعية للمواطنين الفلسطينيين على يد الشرطة الإسرائيلية باستخدام الرصاص الحي ضد مظاهرة، ولم يتم توجيه أي اتهامات إلى أي من ضباط أو عناصر الشرطة، على الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، آنذاك، قد اعتذر رسمياً عن المجزرة.

أعداد كبيرة من قوات الأمن تنتشر في مدينة اللد بعد تعهد نتنياهو باستعادة النظام فيها بالقبضة الحديدية- “تايمز أوف إسرائيل”

في أعقاب أعمال العنف التي اندلعت مؤخراً، هل يمكن للسلطات الإسرائيلية ضمان إجراء تحقيق مستقل موثوق به تجاه ما حصل للمواطنين الفلسطينيين وضمان المساءلة المفتوحة والشفافة، أم لا؟

  • بالطبع يجب أن يكون هناك مثل هذا التحقيق الموثوق به؛ ولكن في هذه المرحلة أنا لست متأكداً من وجود احتمال كبير لأن تقدم النخبة السياسية الإسرائيلية تطمينات مقنعة للمواطنين الفلسطينيين. ولأول مرة في حياتي دق ناشطو حقوق الإنسان في إسرائيل ناقوس الخطر بشأن إعدام فلسطينيين دون محاكمة؛ حيث تجوب حشود من الإسرائيليين المتطرفين المدن الإسرائيلية بحثاً عن فلسطينيين، والتقارير حول قوة الاستجابة الأمنية لذلك ليست مشجعة أبداً. في الواقع تحدث العديد من الناشطين ووسائل الإعلام بأن الشرطة الإسرائيلية كانت في الحقيقة تقوم بحماية هذه المجموعات المتطرفة -التي غالباً ما يكون أفرادها من أكثر المستوطنين تطرفاً من سكان الأراضي المحتلة- بدلاً من حماية مواطني إسرائيل الفلسطينيين منهم. وليس لديَّ الكثير من الدوافع لأتوقع أن السلطات الإسرائيلية ستعطي أولوية للمساءلة عن أي من تلك الأفعال.

تميزت الجولتان الأخيرتان من الانتخابات العامة الإسرائيلية بظهور وجود سياسي عربي أكثر صلابة وبالمكانة التي اكتسبتها الأحزاب العربية من خلال قدرتها على ترجيح الكفة نوعاً ما في الحكومات الائتلافية. هل تعتقد أن هذا الأمر سيتغير بعدما حدث في الأسابيع القليلة الماضية؟

شاهد: فيديوغراف.. هل يمكن للعرب والإسرائيليين أن يزدهروا معاً؟

يمكن للسياسة الإسرائيلية أن تحمل الكثير من المفاجآت عندما يتعلق الأمر بالمواطنين الفلسطينيين؛ فمن ناحية يمكن أن يقرر الفلسطينيون الإسرائيليون الشباب أن الطريق أمامهم للدفاع عن حقوقهم هو عبر الانخراط أكثر في السياسة، والمشاركة في سياسة الأحزاب الإسرائيلية. إذا كان الأمر كذلك؛ فهذا يعني أن المزيد من الفلسطينيين سيشاركون في التصويت، وأن صوتهم سيُسمع بشكل أفضل من خلال صناديق الاقتراع. ومن الناحية الأخرى، يمكن أن يصلوا إلى قناعة مفادها أن هذه المؤسسات مصممة في الأصل لتقويض دورهم وليس لتعزيزه، وعندها سينأون بأنفسهم عن الهياكل السياسية الإسرائيلية إلى أن تتمكن قوى إسرائيلية أكثر تقدمية من إحراز مكانة أكبر فيها.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى وجود سقف للتمثيل السياسي للفلسطينيين الإسرائيليين في جميع الأحوال؛ نظراً لطبيعة نظام التصويت الإسرائيلي، ولكونهم أقلية سكانية. اكتسبت الأحزاب العربية أهمية خلال الأشهر الماضية؛ ليس بسبب مناوراتها السياسية فحسب، بل أيضاً بسبب الانقسامات العميقة في اليمين اليهودي الإسرائيلي. لولا هذه الانقسامات لكانت قد تشكلت حكومة ائتلاف منذ أسابيع.

السياسيون الإسرائيليون يجربون شراكات جديدة مع الفلسطينيين- “ميديل إيست آي”

ربما يكون من المبكر استخلاص أية نتائج من موجة العنف الحالية؛ ولكن هل يمكن التكهن بشأن تطرف الجالية الفلسطينية في إسرائيل؟

  • إذا كنت تقصد التطرف السياسي، فأنا أعتقد أن ذلك أمر مرجح، ولا أرى في ذلك شيئاً يدعو إلى القلق بالضرورة؛ فالدعوة إلى دولة يتساوى فيها جميع المواطنين من فلسطينيين ويهود هي فكرة متطرفة في سياق الإطار القانوني والسياسي الحالي لإسرائيل، وسيكون من الصعب بالنسبة إلى المدافعين عن مثل هذه الدعوة في الغرب أن يزعموا أن إسرائيل يجب أن تكون استثناءً في هذا الصدد.

أما إذا كنت تقصد التطرف الإسلامي، سواء أكان عنيفاً أم غير عنيف، فأنا أستبعد ذلك تماماً. الفلسطينيون الإسرائيليون على مدى 73 عاماً لم يظهروا أي ميل كبير نحو هذا النهج أو التوجه. بل على العكس، أنتج التيار الإسلامي السياسي الفلسطيني حزب رعام الإسرائيلي، الذي يمكنه بالفعل أن يرجح الكفة في التحالفات الإسرائيلية المستقبلية.

اقرأ أيضًا: كيف ثار يهود وعرب إسرائيل ضد بعضهم؟

إن التطرف الذي يجب أن يثير قلق المراقبين هو التطرف السائد في السياسة اليهودية الإسرائيلية؛ فنسبة الأحزاب اليهودية اليمينية المتطرفة في الكنيست هي اليوم أكبر بكثير من أي وقت مضى، والكثير من الخطاب العنصري الذي يميز طروحاتهم أصبح هو السائد، وهذا الأمر يرتبط بشكل لا يقبل الشك بالهجمات التي شُنت خلال الأسبوع الماضي على الفلسطينيين الإسرائيليين.

من المحتمل أن يكون الفلسطينيون الإسرائيليون مدركين تماماً للتوازن بين التحريض والاحتجاج من أجل حقوقهم ضمن النظام الإسرائيلي، ومن أجل منع الراغبين في طردهم من البلاد من تحقيق رغبتهم. وهنالك الكثير من الطرق المبتكرة للتحرك في هذا الاتجاه، وأعتقد أنه من المرجح أننا سنرى الكثير منها في السنوات القادمة.

هنالك أمر واحد في غاية الوضوح؛ لقد بدأت مرحلة جديدة من النضال من أجل الحقوق المدنية للفلسطينيين.

♦زميل أول مشارك في مركز رويال يونايتد للأبحاث.

المصدر: مركز رويال يونايتد للأبحاث

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة