شؤون عربية

علاقة القوميين العرب مع إيران: أزمة فكر أم هوية؟

علاقة إستراتيجية رغم التنافر الأيديولوجي

كيو بوست – رشيد العزوزي

ما أكثر التبريرات التي يقدمها الإٍسلام السياسي في العالم العربي كلما سئل عن طبيعة علاقته بإيران، لكن ما يثير الاستغراب أكثر هو ذلك الترابط المفصلي خلال السنوات الأخيرة بين الولي الفقيه وأيديولوجيته (الرجعية)، مع بعض القوميين العرب، وباقي القوى (التقدمية)، فما هو السياق الثقافي والسياسي، والدولي، والإقليمي الذي جعلهم يبايعون رجالات “طهران” وأفكار “قم”، رغم ما يبدو من تعارض بينهما؟

 

في الجذور

شكلت المسألة القومية نواة قيام الدولة في الغرب، وكانت بمثابة قطيعة تاريخية مع التحالف الإقطاعي الكنسي، مبشرة بعهد جديد، مفاهيمه الفلسفية ثقيلة؛ كالحرية، والمواطنة، والقومية، وحقوق الإنسان، ومظاهره ملهمة، مثل التقدم العلمي والاكتشافات، واعدة الجميع بالبحبوحة، والرخاء، ودولة الرفاه.

اقرأ أيضًا: قبل عبد الناصر بسنوات طويلة: كيف ومتى نشأت القومية العربية؟

أحلام كبيرة سرعان ما انهارت على صخرة صماء، بل تسببت في انفجار حروب رأسمالية قاسية لأسباب عقدية في أوروبا، بدأت بالحروب الدينية بين البروتيستانت والكاثوليك، ومرت بإبادات جماعية عنصرية في أمريكا، ولم تنته مع كوارث إنسانية شاهدة عليها نتائج الحرب العالمية الأولى والثانية التي امتدت آثارها للمنطقة العربية.

السيناريو نفسه تكرر مع الحالة العربية خلال النصف الثاني من القرن 19 وما بعده؛ فالأفكار الإصلاحية في المشرق سرعان ما تجسدت سياسيًا في أحزاب وأنظمة قومية، قذف بها إلى الحكم بدون شرعية تاريخية ولا ديمقراطية، لتحاول البحث لها عن شرعية الإنجاز، وهو ما فشلت فيه أيضًا فشلًا ذريعًا.

أما في المغرب ففكرة القومية تنظيرًا وممارسة لم تعرف ذلك الزخم وتلك المكانة، لخصوصية المنطقة السوسيوتاريخية؛ فقد كان الطرح العروبي غريبًا نسبيًا عن الأمازيغ ثقافيًا، لأن المغرب الأقصى لم يشمله الحكم العثماني تاريخيًا، وبالتالي فالمغاربة لم يكونوا معنيين بمواجهة سياسة التتريك كما حصل في الشرق عمومًا، ومع مصر والشام تحديدًا، وإن كنا لا نعدم بعض الشخصيات والتنظيمات التي أظهرت قابلية للتعريب، متأثرة بالتجربة الناصرية والبعثية مع ابن بلة وابن بركة والقذافي وآخرون.

عمومًا، في المشرق كما في المغرب، لم تستطع التجربة تحقيق الوحدة المنشودة، فلا هي أفلحت في صياغة نموذج نهضوي، ولا نجحت حتى في الحفاظ على الوحدة الترابية والنفسية للمنطقة، بل لن نبالغ إذا قلنا إن مفكري ومنظري وساسة المسألة القومية شكلوا على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي عقبة في وجه التحديث والحداثة، كما عاشوا أزمة هوية قبل سقوط السوفييت -مع مطلع تسعينيات القرن الماضي-  ويتم أيديولوجي بعده.

اقرأ أيضًا: التسويق المقدس: الإسلامويون بين الدعوي والسياسي

 

يتم أيدوبلوجي وأزمة هوية

رغم تعدد التيارات والمدارس، إلا أن معظم القوميين العرب كانوا يساريين في الأصل، لذلك فانهيار المعسكر الاشتراكي الداعم الأول لأنشطتهم وتحركاتهم، والممول لتنظيماتهم الخفية والمعلنة، جعلهم يعيشون أزمة فكر وانتماء.

اعترف بهذه الأزمة أبرز ممثلي التيار القومي إبان الحرب الباردة خلال السبعينيات، وخصها ياسين الحافظ أحد أهم مفكريهم بكتاب صدر سنة 1978 تحت عنوان “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة“، شرح فيه أسباب هزائم الأمة العربية منذ وعد بلفور عام 1917، متجاوزًا لأول مرة نقد السياسة إلى نقد المجتمع.

أسئلة عميقة فشل فيها التيار القومي فشلًا ذريعًا ولم يقدم لها إجابات، مع العلم أنها من بنات الأفكار المؤسسة لمشروعه، من قبيل ما العروبة؟ ما العربي؟ هل نحن بصدد أمة مشكلة تاريخيًا كما وصف كثيرون؟ أم أننا إزاء أمة قيد التشكل كما عبر عن ذلك زريق قسطنطين؟ مع العلم أن المؤرخ السوري سبق له أن أصدر كتابًا موسومًا بـ”الكتاب الأحمر” مع مطلع الثّلاثينيات من القرن العشرين، اعتُبر ميثاقًا للقومية العربية.

يبدو أن القوميين تاهوا بين الذوبان في الاتحاد السوفياتي، وبين القطيعة مع المعسكر الليبرالي الإمبريالي، في أدبياتهم، أو الانفتاح على دول عدم الانحياز كما عمل على ذلك جمال عبد الناصر، ولم لا تأسيس الولايات المتحدة الإفريقية كما حلم القذافي، إلى أن انتهى بهم المطاف بالتحالف الإستراتيجي مع الفرس أعداء الأمس.

إشكالات حقيقية ومؤرقة لم يقدم لها القوميون حلولًا دقيقة، فصار من كان يدخل في المجال الجغرافي للأمة بالكاد يقدم نفسه الآن شيعيًا أو سنيًا، أو كرديًا أو أمازيغيًا قبل أن يحدثك عن التعريب، هذا إن لم يكن له موقف من العرب وتاريخهم، لأنها -أي القومية- سقطت في الشوفينية وتناست أن سياسة الرجل المريض العرقية هي سبب ظهورها، مكرسة الواقع التاريخي نفسه الذي أدى إلى تداعيات خطيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نعيشها حاليًا دمارًا وقتلًا على الهوية.

 

التقاطعات القومية الأصولية

ترجع هذه التقاطعات إلى الجغرافيا وبواكير الفكرة القومية؛ فمفهوم العروبة ولد مسكونًا بالروح الإٍسلامية كما نستشف من الكتابات الأولى لعبد الرحمن الكواكبي، باعتباره سباقًا في إبراز الشعور القومي، الذي كانت  الخلافة العثمانية تخنقه بسياسة التتريك العنصرية.

إدريس جنداري

ولفهم العلاقة القائمة بين القوميين العرب وبين القوميين الفرس، التي تتجلى على شكل تقارب إستراتيجي واضح بين سوريا وإيران، قال الباحث في الفكر السياسي الإٍسلامي إدريس جنداري لكيوبوست: “لا بد من التركيز على المدخل المعرفي، لأنه وحده القادر على تحليل البنيات الداخلية المُضمرة، وما تخفيه من لا شعور سياسي مسبق يتحكم في القرارات السياسية”.

اقرأ أيضًا: إيران والإخوان المسلمون: تحالف الولي الفقيه مع المرشد العام

وبالفعل، فرواد القومية الأوائل والقوميون الجدد -إذا صح التعبير- من الكواكبي وعبده إلى عبد اللطيف شرارة وساطع الحصري… يكادون يجمعون على أن الإٍسلام وليد العروبة، إيمانًا منهم بأن جذور التيار العروبي وتيار الإٍسلام السياسي واحدة، رغم التصادم الدموي على كراسي الحكم من خمسينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي، بداية من مصر، وصولًا إلى حكمي البعث في سوريا والعراق.

ويرى الأستاذ الباحث عمر بومهدي أنه “على الرغم من هذه التقاطعات وغيرها كتأثيرات الإدارة الفارسية في الحضارة العربية، إلا أن العلاقة ظلت تتصف بالحذر، منذ الفتح العربي الإٍسلامي لفارس على يد الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، حتى حكم الخميني”.

فالصحابي عمر نفسه -كما يؤكد الباحث ذاته- ثبت عنه تاريخيًا قول يعكس هذا التوجس منذ البداية، جاء فيه: “وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم”، ولكن الفرس لم يركنوا إلى الهدوء، فكانوا يجهزون الجيوش استعدادًا لمواصلة الحرب، كما كانوا يقومون بأعمال التمرد في البلاد المفتوحة، ولما سأل عمر كبار الصحابة عن سبب ذلك أجابوه: “لا يمكن أن تخمد هذه الفتنة ما لم يخرج يزدجرد (ملك الفرس) من حدود إيران، ولا يمكن أن تنقطع آمال الإيرانيين طالما تراودهم هذه الفكرة، وهي أن وارث عرش “كنعان” موجود على قيد الحياة”.

يسترسل بومهدي قائلًا إن “الأمة العربية هي وارثة عرش كنعان؛ أي أن الصراع مستمر، وإن تغيرت الوسائل بتغير الوقائع والأحوال. المد الصفوي حاليًا يتوغل عبر بعض الموالين الشيعة في المنطقة، ويتسرب عبر بعض القوميين العرب تحت يافطة “القضية الفلسطينية”، باعتبارها العامل المشترك بين الطرفين في الشعارات والخطابات لا أقل ولا أكثر، في حين أن هناك إمكانية رد الصاع صاعين عربيًا هذه المرة عبر المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج بقيادة مريم رجوي، لخلق نوع من التوازن، الغائب حتى الآن، وإن كان التدخل العربي في اليمن لا يمكن فهمه إلا في سياق إدارة هذا الصراع والوقوف في وجهه”.  

ويضيف: “الخطير في الأمر أن علاقة القوميين العرب بإيران أصبحت إستراتيجية بين دمشق وطهران، واكتست طابعًا مؤسساتيًا مع الإخوان الرفاق والرفاق الإخوان، فيما يعرف بـ”المؤتمر القومي الإٍسلامي المؤسس سنة 1994، الذي انتخب خالد السفياني (القومي العربي) منسقًا عامًا له، خلفًا لـ(المفكر الإٍسلامي) منير شفيق.

عمر بومهدي

قوميون عرب مع الفرس ضد أوطانهم العربية؟

لا يتجادل اثنان في أن ما تبقى من بعض القوميين العرب صاروا إيرانيين أكثر من الإيرانيين أنفسهم، عبر ولائهم لدمشق الموالية لطهران، التي حاربت صدام (1980 – 1988)، وهم من كانوا يعتبرونه حامي البوابة الشرقية للأمة العربية، ويعون أكثر من غيرهم أن الرجل لم يكن يومًا على وفاق مع بشار الأب والابن، وبعث سوريا، وإن اشتركا في الاسم والشعار والعديد من الأفكار.

وهنا، يؤكد الباحث إدريس أن “المشترك المعرفي، يوفر مجالًا واسعًا لحدوث تقاطب بين القوميات، إما على شكل تقاطب سالب يقود إلى الصراع حينما تتنافر المصالح، وإما على شكل تقاطب موجب يؤدي إلى التحالف حينما تتوحد المصالح. في الحالة الإيرانية-السورية، تتوفر جميع هذه العوامل، فكلا النظامين السياسيين ينزعان نحو التوجه القومي المغلق، مما يسهل مهمة التواصل وتجسير الهوة السياسية. وهذا التواصل يصادف، خلال المرحلة الراهنة، وحدة في المصالح الإستراتيجية، مما رجح كفة التقاطب الموجب بين النظامين القوميين خلال السنوات الأخيرة”.

اقرأ أيضًا: من معركة صفين إلى سيد قطب.. السياق النفسي للحاكمية والتكفير

وكشف للملأ عام 2015 أن هذه النسخة الأخيرة من التيار العروبي لا يعيشون أزمة فكرة وانتماء، وإنما خبطوا خبط عشواء عندما دعموا «حزب الله» ذراع إيران في لبنان. واتهموا حماس بالخيانة ليس لأنها تشق الصف الفلسطيني وتضرب اللحمة الوطنية في العمق، ولكن لأنها لم تقاتل مع الأسد في اليرموك وباقي المخيمات، عندما اشتد خناق الثورة السورية، قبل تدخل الروس الحالم بلعب دور الاتحاد السوفييتي هناك.

و”من هذا المنظور المعرفي، يجب التأكيد على أن القوميات، عبر العالم وعبر التاريخ، تحضر باعتبارها أنساقًا أيديولوجية مغلقة، توظف اللغة والدين وأحداث التاريخ… من أجل صياغة سردية تاريخية قادرة على جمع الأتباع، وتجنيدهم من أجل تحقيق أهداف سياسية خاصة وإستراتيجية عامة”، بحسب ما قاله الباحث.  

ومن بين إستراتيجيات القوميين المشارقة العداء العلني والصريح للبلدان الخليجية، لأنها “تضع يدها في يد الإمبريالية الأمريكية وتنسق معها”، وفي المقابل تدعم القومية الأسد حتى النهاية، وإن سلم البلاد طواعية لبوتين وخامنئي، وسمح لمختلف الميليشيات الطائفية بالقتال في صفه، لأن مكونًا آخر مهمًا من مكونات الشعب السوري طالب كما يطالبون بالتداول السلمي للسلطة.

أما القوميون العرب المغاربة فبلغوا في الوفاء لطهران مبلغًا غير مسبوق، عندما كذبوا بيان بلدهم عقب تدخل حزب الله وإيران في زعزعة وحدتهم الترابية من الجزائر، حسب الدولة المغربية، وانتصروا لرواية حسن نصر الله، منزهين الحزب عن مثل هذه الأعمال، مطالبين بلدهم محاورة طهران لا قطع العلاقة معها، رافضين خضوع الدولة لـ”ابتزاز صهيوني أمريكي سعودي”، على حد تعبيرهم.

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة