الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

عقود “اللوبيينغ” والتمويل الأجنبي تضع حركة النهضة أمام القضاء

تفعيل أحكام دائرة المحاسبات سيؤدي آلياً إلى حل الأحزاب التي اعتمدت أموال الدعاية لتوجيه الرأي العام

تونس- فاطمة بدري

قرر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي (مجمع قضائي مختص بقضايا الفساد الإداري والمالي)، الثلاثاء الـ26 من أكتوبر، بعد وصوله إلى مقر حركة النهضة، حجز الخادم (سيرفر) التابع لحركة النهضة؛ لنقل محتواه وإجراء الاختبارات الفنية اللازمة عليه. وتأتي هذه الخطوة في سياق التحقيقات القضائية ضد الحركة؛ بسبب قضية “اللوبيينغ” الأولى المثارة سنة 2019، والثانية التي تم تداولها بعد إجراءات الـ25 من يوليو التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، وأسفرت عن تجميد البرلمان وإقالة الحكومة. ومن المرجح أن تكون هذه القضية بداية.

وقالت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، في تعليقات لوكالة الأنباء الرسمية: كشفت هذه التحقيقات عن وجود شبهة اتصال بين حركة النهضة وشركة لـ”اللوبيينغ” (الضغط السياسي) باستعمال بريد إلكتروني تابع للحركة، كما اتضح أن الحساب الإلكتروني المذكور تابع لمشغل تونسي.

اقرأ أيضاً: تونس.. حركة النهضة تفقد القدرة على تحريك قواعدها

وتعود أحداث هذه القضية إلى نحو عامَين، وتحديداً في أكتوبر 2019، عندما تقدم محمد عبو (وزير سابق) بشكوى إلى قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، اتهم فيها “النهضة” بالتعاقد مع شركة دعاية أجنبية قبيل الانتخابات.

القضاء التونسي يفتح القضايا تباعاً- (صورة وكالات)

وفي ذات الفترة، كشف موقع lobbying.al-monitor.com نقلاً عن موقع وزارة العدل الأمريكية، تعاملات لحركة النهضة مع شركة لوبيينغ تُسمى “Burson-Marsteller” المتخصصة في الاتصال والعلاقات العامة، بعقد قيمته 285 ألف دولار في سنة 2014؛ بهدف تحسين صورتها والقيام باتصالات مع مسؤولين في الدولة الأمريكية، إضافة إلى عقد آخر بقيمة 112500 دولار، بمجموع يقدر بـ397 ألف دولار.

وفي الـ19 من أكتوبر 2019، تم الكشف عن أن حركة النهضة تعمدت مغالطة الرأي العام وإنكار تعاملها مع شركات ضغط أجنبية للتلاعب بالرأي العام الانتخابي خلال تشريعيات 2019. فحسب سجل الشفافية الأوروبي، فإن اسم حركة النهضة يوجد في خانة عملاء اللوبي Burson Cohn & Wolfe، وأن الحزب الإسلامي التونسي هو أحد كبار عملاء وكالة الضغط؛ حيث دفع مبالغ تجاوزت مئات الآلاف من اليوروهات.

وفي الـ29 من يوليو الماضي، أي بعد أيام قليلة من قرارات الـ25 من يوليو، نشر موقع وزارة العدل الأمريكية تفاصيل عقد لوبيينغ، أبرمته حركة النهضة؛ لقاء التمتع بخدمات بقيمة 30 ألف دولار.

اقرأ أيضاً: 25 يوليو.. هل يكون موعداً لطرد حركة النهضة من الحكم؟

تمويلات أجنبية

في تقريرها حول التجاوزات في الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019، أكدت محكمة المحاسبات (أعلى هيئة قضائية رقابية في تونس)، أن “النهضة” و”قلب تونس” و”عيش تونسي” تورطت في الحصول على تمويلات أجنبية والقيام بعقود مع شركات دعاية غربية.

وفي أكتوبر الجاري، أصدرت المحكمة 350 حكماً ابتدائياً في قضايا انتخابية تعلقت بمخالفات مالية تم ارتكابها من قِبل قائمات في الانتخابات الماضية، أسفرت عن إسقاط 80 قائمة للانتخابات البلدية؛ بسبب عدم احترام مبدأ الشفافية، وإحالة أكثر من 30 ملفاً إلى أنظار النيابة العمومية في شبهات الإشهار السياسي والتمويلات غير المشروعة. ودفعت هذه الأحكام القضاة للبحث في تورط “النهضة” في التمويل الأجنبي وتوقيع عقود “اللوبيينغ” التي يمنعها القانون التونسي.

هل حانت نهاية حركة النهضة- (صورة وكالات)

إذ ينص الفصل 19 من المرسوم عدد 87 لسنة 2011، المؤرخ في 24 سبتمبر 2011، والمتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية، على أنه يحجر على الأحزاب السياسية قبول تمويل مباشر أو غير مباشر نقدي أو عيني صادر عن أية جهة أجنبية، أو تمويل مباشر أو غير مباشر مجهول المصدر.

ورغم ذلك؛ فإن حركة النهضة تواصل نفي التعاقد مع شركة دعاية أمريكية فترة الحملة الانتخابية للتأثير في صانع القرار الأمريكي والحصول على تمويلات أجنبية مشبوهة، وتتمسك بالقول إن معاملاتها “تخضع لإجراءات القانون التونسي، وحساباتها وعقودها تتم مراقبتها من قِبل محكمة المحاسبات، وأنها لم تقم بأي تحويلات مالية إلى الخارج، ولم تتلقَّ أي تحويلات أو تمويلات مالية من الخارج”.

ولكن هذا التنصل من المسؤولية قد لا يؤتي أُكله في ظل توفر عدة أدلة تؤكد انخراط الحركة في عقود اللوبيينغ وتلقيها الأموال من أطراف أجنبية، والتي من المرجح أن تؤدي إلى حل الحزب، كما يقضي بذلك القانون التونسي.

اقرأ أيضاً: شباب حركة النهضة يسحب البساط من تحت الغنوشي

فتح ملفات

الكاتب والمحلل السياسي محمد ذويب، يشدد على ضرورة فتح هذه الملفات في هذه الفترة التي تشهد تغييرات إيجابية في سلك القضاء، ودعوة الرئيس قيس سعيد الصريحة لفتح كل الملفات الكبرى.

محمد ذويب

وقال ذويب لـ”كيوبوست”: “في حقيقة الأمر، يجب على القضاء فتح هذا الملف الذي يمثل حلاً قانونياً لمسألة حل البرلمان بصفة نهائية، ويجب على القضاء أن يفعِّل تقرير دائرة المحاسبات وغيره من الملفات المهمة؛ خصوصاً مع النقلة النوعية التي يشهدها القضاء التونسي بعد انتخاب الرئيس الأول لمحكمة التعقيب منصف الكشو، واستقباله من قِبل السيدة جفال وزيرة العدل.. عموماً الإرادة السياسية موجودة لتفعيل هذه القرارات وغيرها، وما على القضاة الشرفاء إلا تحمل مسؤوليتهم أمام الشعب والوطن”.

وأضاف أن “تفعيل هذا القرار سيكون له انعكاساته المباشرة؛ خصوصاً أن هذا التقرير يدين حركة النهضة و(قلب تونس) و(عيش تونسي)، ويؤكد تجاوزها السقف الأعلى المادي المسموح به، واعتماد أموال لوبيينغ لتوجيه الرأي العام؛ وهو ما سيؤدي آلياً إلى حل البرلمان وحل هذه الأحزاب”، لافتاً إلى أن حزب “عيش تونسي” بطبيعته ليس حزباً بالمعنى الحقيقي، و”قلب تونس” تقريباً تلاشى واستقال عدد كبير من نوابه، أما حركة النهضة فسيقع حلها بعد تنفيذ قرار دائرة المحاسبات، وهو ما استشعرته بعض القيادات التي استقالت من الحركة، ولمّحت إلى الشروع في تأسيس حزب جديد، وهو ما أكده سمير ديلو، الذي غادر الحركة منذ مدة صحبة بعض القيادات الوازنة فيها، كعبداللطيف المكي ومحمد بن سالم وجميلة كسيكسي، وغيرهم”.

وتجدر الإشارة أن عمل شركات اللوبيينغ يقوم على تشكيل رأي عام مؤيد لفكرة ما أو معارض لها بشكل يتيح جمع ما يكفي من الأصوات لدعم ذلك الرأي في مراكز القرار؛ مثل الكونغرس.

ويسمح القانون الأمريكي بتعامل شركات الضغط أو ما يعبر عنه باللوبيينغ؛ ولكنه يفرض إجبارية نشر كل العقود والإفصاح عنها للعموم على موقع وزارة العدل الأمريكية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة