الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عصر التضخم.. كثير من النقود قليل من الخيارات!

كيوبوست- ترجمات

كينيث إس. روجوف♦

قال كينيث روجوف، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، إنه يبدو أن أزمة التضخم في العامَين الماضيَين قد فاجأت الكثير من دول العالم؛ فبعد ثلاثة عقود من نمو الأسعار ببطء في مختلف الاقتصادات المتقدمة على مستوى العالم، أصبحت المملكة المتحدة والولايات المتحدة ومنطقة اليورو فجأة في مواجهة معدل تضخم يتجاوز 10% تقريباً.

اقرأ أيضاً: من الخاسر في الحرب الاقتصادية العالمية: أوكرانيا، روسيا، أم الاتحاد الأوروبي؟!

وأضاف روجوف أنه رغم ارتفاع الأسعار بسرعة أكبر في العديد من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، حيث تجاوز التضخم 80% في تركيا واقترب من 100% في الأرجنتين؛ فإن التضخم العالمي لعام 2020 لا ينافس حتى الآن أسوأ أزمات التضخم في العقود الماضية.

ففي السبعينيات ظلَّت الزيادات السنوية في الأسعار في الولايات المتحدة أعلى من 6% لمدة عشر سنوات، وبلغت 14% عام 1980؛ بينما بلغ التضخم في اليابان والمملكة المتحدة ذروته بأكثر من 20%. وبالنسبة إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، كانت أوائل التسعينيات أسوأ من ذلك؛ فقد تجاوزت معدلات التضخم في أكثر من أربعين دولة 40%، ووصل بعضها إلى 1000% أو أكثر.

جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال مؤتمر صحفي بعد رفع أسعار الفائدة

ومع ذلك، ففي عامَي 2021 و2022، تحرك الاقتصاد العالمي في اتجاه مقلق للغاية مع اكتشاف الحكومات وصناع القرار في وقت متأخر أنهم يواجهون زيادات جامحة في الأسعار وسط الحرب في أوكرانيا وغيرها من الصدمات العالمية واسعة النطاق.

اقرأ أيضاً: عودة ذكريات “الكساد الكبير” في أزمة “كورونا”

وأشار روجوف إلى أن هذا التدهور الاقتصادي سينعكس بلا شك على التوجهات السياسية واختيار القيادات خلال الفترة المقبلة؛ خصوصاً انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، فالناخبون “لا يحبذون الغلاء”، على حد قوله. وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في أغسطس 2022، قال أكثر من ثلاثة من أصل أربعة أمريكيين -77%- إن الاقتصاد هو قضيتهم الانتخابية الأولى.

وبالإضافة إلى معاناتها من عواقب التفكير الاقتصادي الذي يتسم بقصر النظر، قال روجوف إن البنوك المركزية قد تعرضت إلى ضربة قوية؛ بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية الدراماتيكية التي تشبه كثيراً ما تعرضت له خلال فترة الكساد الكبير، حين تحول عقد العشرينيات ليصبح الحقبة الأكثر صعوبة في مجال البنوك المركزية.

مؤشر التضخم الصادر عن البنك الدولي بالنسبة إلى التكلفة التي يتحملها المستهلك للحصول على سلعة بين عامَي 1970 و2020

واليوم، يبدو أن الصدمات العالمية واسعة النطاق؛ مثل الحرب والجائحة والجفاف، تتوالى الواحدة تلو الأخرى أو معاً. ومن ناحية أخرى، تواجه قوى العولمة، التي ساعدت على مدى القسم الأعظم من السنوات العشرين الماضية في الحفاظ على النمو طويل الأجل، صعوبات كبيرة؛ وذلك لأن الصين تنمو بسرعة كبير، فضلاً عن الاحتكاكات الجيوسياسية المتزايدة بينها وبين الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: هل يمثل الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة فرصة أفضل للاقتصادات الناشئة؟

وأضاف الخبير الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي أنه في خضم سلسلة لا تنتهي من صدمات العرض، قد تواجه البنوك المركزية أيضاً تحولاً طويل الأجل لم يأخذه صناع السياسات ولا الأسواق المالية في عين الاعتبار بعد.

وفي كثير من أنحاء العالم، كان ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة هو العامل الدافع للأزمة الاقتصادية، ولكن في الولايات المتحدة جاءت الزيادات الأكثر وضوحاً في أسعار الإيجارات، والمركبات، والملابس، والترفيه. وعند هذه النقطة، وفقاً لروجوف، شقت التأثيرات الاقتصادية طريقها عبر الاقتصاد مع الزيادات في الأسعار على نطاق أوسع عبر العديد من القطاعات.

سوق كاديكوي في إسطنبول تشهد ركوداً بسبب ارتفاع الأسعار.. حيث تجاوز معدل التضخم في تركيا 80%- “بلومبيرغ”

وقد بدأ الخبير الاقتصادي بجامعة هارفارد ووزير الخزانة الأمريكي السابق، لورانس سامرز، في التحذير من أن الخطوات التي يتم تبنيها في مشروع قانون السياسات النقدية الأخير، قد يؤدي إلى التضخم؛ حيث كانت لدى سامرز رؤية بسيطة مفادها أن ضخ تريليونات الدولارات في اقتصاد يعاني قيوداً شديدة على العرض ونقص متوسط الطلب، يجب أن يؤدي إلى التضخم.

اقرأ أيضاً: تبعات “كورونا” تعمِّق أزمات الاقتصاد التركي

ويرى روجوف أنه حتى الآن، نجحت اليابان وأوروبا، اللتان اقتربتا من معدلات الفائدة السلبية، في تجنب هذه المشكلة؛ لكنْ هناك حلان من شأنهما أن يمنعا المراجحة في العملة الورقية، على حد قوله: الأول يتضمن تحديد سعر صرف بين العملة الورقية واحتياطيات البنك المركزي (وهي رقمية) تنخفض قيمتها بمرور الوقت بالقدر الكافي للتعويض عن حقيقة مفادها أن العملة الورقية، إذا نحينا جانباً تكاليف التخزين والتأمين، قد تبدو جيدة في عالم معدل الفائدة السلبي.

أما الحل الآخر، فهو إلغاء العملة الورقية تماماً، مع ضمان إتاحة الخدمات المصرفية الأساسية المجانية للجميع؛ إما عن طريق إدخال عملة رقمية للبنك المركزي وإما من خلال إلزام البنوك بتقديم حسابات أساسية مجانية للأفراد الذين لا يتعاملون مع البنوك (كما تفعل اليابان على سبيل المثال).

متظاهرون ينددون بالتضخم ويطالبون بزيادة الأجور في مسيرة خلال إضراب وطني في باريس.. 2022

وحسب روجوف، ثمة خطر آخر يتمثل في أن أسعار الفائدة الحقيقية طويلة الأجل -أي أسعار الفائدة المعدلة وفقاً للتضخم، والتي انهارت بعد الأزمة المالية في عام 2008- قد تستمر في التحرك صعوداً نحو الاتجاه طويل الأجل للغاية، والذي يميل إلى الانخفاض بنحو 1.6% في كل قرن؛ ولكن لا شيء أكثر من الانخفاض الذي يقرب من 3%، والذي حدث بعد بضع سنوات فقط من الأزمة المالية.

شاهد: برنامج الدعم الاجتماعي.. خطوة إماراتية تواكب التحديات الاقتصادية العالمية

وهذا من شأنه أن يزيد من تكاليف اقتراض الحكومات للأموال وفرض المزيد من الضغوط على البنوك المركزية؛ للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة وخفض قيمة الدين الحكومي من خلال التضخم.

والواقع أن التغيرات التي طرأت على المشهد السياسي والاقتصادي أصبحت عميقة إلى الحد الذي يجعل من غير المرجح في المستقبل المنظور أن يختار بنك الاحتياطي الفيدرالي خفض معدلات التضخم إلى مستويات ما قبل الجائحة والإبقاء عليها عند هذا الحد.

كريستين لاغارد -رئيسة البنك المركزي الأوروبي- تتحدث عن السياسات النقدية الجديدة للتعامل مع التضخم في أمستردام.. 2022

ويختتم أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد مقالته بالإشارة إلى أن السياسة النقدية بدورها لها تأثير كبير على القرارات السياسة؛ حيث تعتبر الدورة الاقتصادية مؤشراً قوياً على الانتخابات في كل مكان في العالم تقريباً. ولكن كما أوضحت الأزمة الحالية، فإن كليهما يؤثر على السياسة النقدية.

ولهذا السبب، بذل البنك المركزي الأوروبي الكثير من الجهود لشرح الأسباب التي جعلته مضطراً إلى الاستمرار في شراء كميات ضخمة من الديون من بلدان واقعة على أطراف أوروبا؛ خصوصاً من إيطاليا.

اقرأ أيضاً: العملات الرقمية للبنوك المركزية.. مستقبل المال

وقد قال الخبير الاقتصادي ميلتون فريدمان، ذات مرة، إن التضخم دائماً وفي كل مكان ظاهرة نقدية، وهو بالطبع مبالغة جدلية، على حد قول روجوف. فكما يشهد العالم الآن، تؤثر العديد من العوامل على التضخم؛ بما في ذلك تحفيز الإنفاق الحكومي وصدمات العرض العالمية.

وسواء تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية من إدارة “هبوط ناعم” في الأزمة الحالية أم لا، فمن المرجح أن تكون التحديات التي سيواجهونها في العقد القادم أكثر صعوبة بكثير مما كان في عالم ما قبل الجائحة.

♦أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية. شغل منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي من 2001 إلى 2003.

المصدر: فورين أفيرز

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة