الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

عصابات تجارة الآثار تعبث بالتراث اليهودي في تونس

تصاعدت عمليات نهب الآثار اليهودية في تونس بعد الثورة وسط عجز حكومي لكبح جماح هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع

تونس- وفاء دعاسة

عرفت تونس مؤخراً عمليات نهب وتهريب من قِبل شبكات دولية لمخطوطات ووثائق تاريخية، تعود إلى فترات زمنية عرفتها البلاد؛ خصوصاً في ما يتعلق بالآثار اليهودية والكتب العبرية القديمة.

ولا يكاد يمر أسبوع حتى تُلقي الفرق الأمنية القبض على متورطين في عمليات تهريب آثار تونسية عبر الحدود؛ بل إن العصابات وسعت نشاطها حتى التراب الليبي لتستولي على نفائس من الآثار الليبية، مستغلة الوضع غير المستقر فيها، وهو ما يهدد بدوره الآثار اليهودية هناك، ليتم تهريبها بهدف بيعها للسوق الأوروبية.

ولم تتوقف عمليات التهريب منذ اندلاع الثورة؛ بل زادت عما كانت عليه في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ومنذ 2011 وحتى نهاية 2017 بلغ مجموع القطع الأثرية المحتجزة نحو 33 ألفاً و102؛ من بينها 6 آلاف قطعة مقلدة، ما يؤكد توسُّع تجارة الآثار المنهوبة والمقلدة بالبلاد.

اقرأ أيضاً: متى ينال اللاجئون اليهود من الدول العربية العدالة التي يستحقونها؟

كنوز أثرية

وفي هذا السياق، يؤكّد مدير البحوث التاريخية والأثرية بالمعهد الوطني للتراث الحبيب بن يونس، أن تونس تمتلك كنزاً من الآثار لفترات تاريخية مختلفة تتجاوز ما تمتلكه إيطاليا واليونان؛ لكن تبقى الإشكالية في وعي المواطن التونسي، خصوصاً ما بعد 2011؛ حيث تصاعدت أزمات اجتماعية وحضارية وانتشرت عمليات البحث على الكنوز، وهنا تتحمل السلطات التونسية مسؤوليتها بالكشف عن القيمة المادية لبعض المضبوطات في وسائل الإعلام؛ وهو ما يشجع على نهبها وسرقتها، حسب قوله.

الحبيب بن يونس

وأشار ابن يونس، في حديثٍ خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، إلى أن المعهد الوطني للتراث يحرص على حماية الموروث اليهودي في الكنائس في عدد من المدن التونسية، مؤكداً أنه تم جمع التحف والوثائق الموجودة في الكنيس اليهودي بمدينة الكاف (الشمال الغربي)، في المعهد الوطني للتراث، كما تعمل الدولة التونسية على حراسة بقية المعالم اليهودية المفتوحة وتأمينها؛ خصوصاً تلك الموجودة في العاصمة ومدينة جربة (الجنوب التونسي)، حيث يوجد المعبد اليهودي الذي يعدّ أقدم معبد توحيدي في الحوض الغربي للمتوسط، كما يحتوي على أقدم نسخة توراة في العالم.

ويعود الوجود اليهودي في تونس إلى أكثر من ألفَي عام، وعززته موجات من اللاجئين؛ خصوصاً من الأندلس أواخر القرن الخامس عشر، حسب المؤرخين، فطبع اليهود بتقاليدهم الحياة الثقافية في البلاد. ويعيش نحو 100 ألف يهودي موزعين بين مدن تونسية عدة؛ أبرزها جربة وصفاقس، وتونس العاصمة وضواحيها، خصوصاً مدينة حلق الوادي؛ حيث كانوا يعيشون مع جالياتٍ أجنبية عديدة من إيطاليا ومالطا وفرنسا، غير أن اليهود غادروا تونس بعد الاستقلال؛ حيث لم يبقَ منهم إلا نحو 1500 يهودي، يُقيم أغلبهم في جزيرة جربة وتونس العاصمة حتى اليوم.

تجمع لليهود في كنيس بجربة- “أ ف ب”

اقرأ أيضاً: في جو صوفي مغربي.. مسلمون ويهود يقدسون نفس الأضرحة والأولياء

ورغم أن مؤسسات الدولة التونسية، وإطارات المعهد الوطني للتراث، تكافح من أجل حماية التراث اليهودي المهدد بالتخريب والنهب وتهريب القطع الأثرية القيمة التي تشهد على التاريخ الطويل ليهود المنطقة؛ فإن ذلك لا ينفي تعرُّض العديد من المعابد والمقابر اليهودية في تونس إلى الإهمال.

معبد الغريبة بمدينة جربة- وكالات

ويعتقد ابن يونس أن المحجوزات التي تم ضبطها لدى عددٍ من تجار الآثار والمنقبين عن الكنوز، هي إما ملك عائلات يهودية مقيمة في تونس، وإما تم جلبها من مصر وليبيا.

مسؤولية حكومية

في منتصف شهر ديسمبر، تمكنت الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية بإدارة الشرطة العدلية، إثر تفتيش منزل بحي ابن خلدون، من حجز مخطوط ذي قيمة تاريخية من الجلد مكتوب باللغة العبرية بسائل من ماء الذهب، إضافة إلى سيف كبير الحجم من المعدن الأبيض، وأكد خبراء من المعهد الوطني للتراث أن الكتاب أصليٌّ ويكتسب قيمة تاريخية كبيرة ومكتوب على الجلد الرفيع.

مخطوط تاريخي مكتوب باللغة العبرية- موقع وزارة الداخلية

والملاحظ أن المضبوطات شملت مخطوطات مُختلفة الأحجام تضم عشرات الصفحات، نُسخت بماء الذهب أو الحبر الأسود، أو تحتوي تلك القطع الأثرية المنهوبة على “أناشيد دينية وأدعية وحكم وزخرفة هندسية ونباتية وحيوانية وتجسيمات إنسانية نادرة وأبراج”. وتبيِّن إحصاءات رسمية أن الإهمال والتخريب لحقا بأكثر من 70 معبداً من أصل 119 كنيساً تنتشر في المدن التونسية.

وفي هذا السياق، أفاد بيريز الطرابلسي؛ رئيس جمعية الغريبة بجربة، بالقول: تعددت الاعتداءات على المعالم الأثرية اليهودية في أكثر من منطقة بالبلاد التونسية، وذلك لغياب الحراسة والتأمين لتلك المواقع أو التراث، فتم الاستيلاء على الذهب والكتب الدينية.

بيريز الطرابلسي

ويفسر الطرابلسي، في حديثٍ خاص أدلى به إلى “كيوبوست”، أن هذه الانتهاكات للموروث اليهودي في تونس تعود إلى تشتت العائلات اليهودية التونسية، ومغادرتها خارج الوطن؛ مما تسبب في تقلص عددهم وإهمال المعالم الأثرية الدينية، وهو ما جعلها في متناول عصابات الآثار، محملاً الدولة التونسية مسؤولية ما آل إليه الوضع، ومشيراً إلى الإهمال الكبير للتراث اليهودي من قِبل الجهات المختصة؛ والذي فتح الباب واسعاً أمام تجار الآثار.

كما أشار الطرابلسي إلى أن عدداً مهماً من الآثار اليهودية المحجوزة من قِبل الأمن التونسي؛ هي في الحقيقة موردة من ليبيا في ظل الوضع الأمني غير المستقر، باعتبار أن عدد اليهود كان مرتفعاً أيضاً هناك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة