الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

عشر خرافات حول التمارين الرياضية

كيوبوست- ترجمات

دانييل ليبرمان♦

نعتقد جميعاً أنه يجب علينا ممارسة المزيد من التمارين الرياضية. فلماذا من الصعب الاستمرار في ذلك؟ دانيال ليبرمان؛ أستاذ علم الأحياء التطوري بجامعة هارفارد، يكشف عن الأساطير غير المفيدة الأكثر شيوعاً حول التمارين الرياضية.

بالأمس في مقهى في الهواء الطلق، التقيت صديقي القديم جيمس شخصياً، لأول مرة منذ بداية الوباء. على مدى العام الماضي بدا على ما يُرام من خلال تطبيق زوم، ولكن عندما رأيته في الواقع لم يكن هناك ما يخفي مقدار الوزن الذي اكتسبه. بينما جلسنا نشرب الكابتشينو، لم أقل شيئاً؛ لكن الكلمات الأولى التي خرجت من فمه كانت: “نعم، نعم، أنا الآن أثقل وزناً بعشرة كيلوجرامات، وفي حالة مثيرة للشفقة. أنا بحاجة إلى اتباع نظام غذائي وممارسة الرياضة؛ لكنني لا أريد الحديث عن ذلك!”.

إذا كنت تشعر مثل جيمس، فأنت من الأغلبية. مع اقتراب نهاية جائحة “Covid-19″، يقول 70% من البريطانيين إنهم يأملون في اتباع نظام غذائي صحي، وفقدان الوزن، وممارسة الرياضة بشكل أكبر. ولكن كيف؟ يتعهد ملايين الأشخاص كل عام بأن يكونوا أكثر نشاطاً بدنياً؛ لكن الغالبية العظمى من هذه القرارات تفشل. كلنا نعرف ما يحدث؛ بعد أسبوع أو أسبوعين من التمسك بنظام تمرين جديد، نعود تدريجياً إلى العادات القديمة، ثم نشعر بالسوء تجاه أنفسنا.

اقرأ أيضاً: 6 أساطير حول “اللياقة البدنية” تضر أكثر مما تنفع

من الواضح أننا بحاجة إلى مقاربةٍ جديدة؛ لأن جميع الوسائل التي نتبعها للتشجيع على الرياضة -من الناحية الصحية والتجارية- تفتقر إلى الفعالية على نطاقٍ واسع. والدليل على ذلك، هو أن معظم الأشخاص البالغين في الدول الغنية؛ مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، لا يحصلون على الحد الأدنى المطلوب من النشاط البدني الذي يوصي به معظم المتخصصين في مجال الصحة، والذي يبلغ 150 دقيقة أسبوعياً. يعلم الجميع أن ممارسة الرياضة مفيدة للصحة؛ ولكن النصح بها وتسويقها نادراً ما يجدي نفعاً.

أعتقد أنه يمكننا أن نقوم بعملٍ أفضل من خلال النظر إلى ما وراء هذا العالم الغريب الذي نعيش فيه كي نكتشف كيف تمكن أسلافنا، وبعض الشعوب الأخرى، من الحفاظ عل نشاطهم البدني. يكشف هذا النوع من المنظور التطوري الأنثروبولوجي عن عشر خرافات عديمة الفائدة حول ممارسة الرياضة؛ إن التخلي عن هذه الأساطير لن يجعل منك بطلاً أوليمبياً؛ ولكنه ربما يساعدك على فتح صفحةٍ جديدة، دون أن تشعر بالسوء تجاه نفسك.

يعلم الجميع أن ممارسة الرياضة مفيدة للصحة.. ولكن النصح بممارستها نادراً ما يجدي نفعاً- أرشيف

الأسطورة الأولى: ممارسة التمارين الرياضية هي سلوك طبيعي

عندما تقوم بأية حركة أو تفعل أي شيء، فإنك تمارس نشاطاً بدنياً. وبالمقابل، التمرين هو نشاط بدني تطوعي نقوم به في سبيل اللياقة. ربما تعتقد أن ممارسة التمارين الرياضية أمر طبيعي؛ ولكنه في الحقيقة سلوك عصري. على مدى ملايين السنين كان البشر يمارسون النشاط البدني في حالتَين فقط: عندما يكون ذلك ضرورياً أو مجزياً؛ النشاط البدني الضروري يشمل الحصول على الطعام والقيام بالأمور الأخرى الضرورية للبقاء، والنشاط البدني المجزي يشمل اللعب والرقص أو التمرين بهدف المتعة أو اكتساب المهارات؛ ولكن لم يسبق لأحد في العصر الحجري أن مارس الجري لمسافة خمسة أميال لدرء تدهور صحته أو أن مارس رياضة رفع الأثقال التي كان الغرض الوحيد منها هو رفع هذه الأثقال.

اقرأ أيضاً: هذه الأسباب ستدفعك إلى المشي يومياً!

الخرافة الثانية: تجنُّب بذل المجهود يعني أنك كسول

كلما رأيتُ مصعداً وبجانبه دَرَج أسمع صوتاً في عقلي يقول لي “خُذ المصعد”، فهل أنا كسول؟ مع أن المصاعد لم تكن موجودة في الماضي؛ فذلك الصوت بداخلك طبيعي تماماً لأن النشاط البدني يكلفك سعرات حرارية، وهذه السعرات كانت حتى وقت قريب غير متوفرة (وهي لا تزال كذلك بالنسبة إلى كثيرين). فعندما يكون الغذاء محدوداً فإن كل كالوري تُنفق على النشاط البدني هي كالوري لم يتم إنفاقها على وظائف حيوية أخرى؛ مثل المحافظة على أجسادنا وتخزين الطاقة والتكاثر. ونظراً لأن الاصطفاء الطبيعي لا يهمه إلا عدد النسل الذي ننجبه؛ فقد تطور أسلافنا من الصيادين وجامعي الطعام، لتجنب بذل المجهود الذي لا داعي له -التمارين الرياضية- ما لم يكن ذلك المجهود مجزياً. لذلك لا تشعر بالسوء حيال غريزتنا الطبيعية التي ما زالت موجودة فينا، وتقبَّل حقيقة أنها طبيعية، ويصعب التخلص منها.

بالنسبة إلى معظمنا لا يكفي أن يُقال لنا “مارسوا الرياضة”.. فالتمارين يجب أن تبدو مفيدة وضرورية- “الغارديان”

الخرافة الثالثة: الجلوس هو التدخين الجديد

ربما تكون قد سمعت عن إحصاءات مخيفة بأننا نجلس كثيراً، وأن هذا الأمر يقتلنا. صحيح أن كثرة الكسل هي أمر غير صحي؛ ولكن لا يجب أن نُشيطن سلوكاً طبيعياً كالجلوس، فالبشر من مختلف الثقافات يجلسون كثيراً؛ حتى أسلافنا الذين لم يمتلكوا الأثاث كانوا يجلسون نحو عشر ساعات في اليوم، كما يفعل معظم سكان الدول الغربية؛ ولكنّ هنالك طرقاً صحية أكثر أو أقل للجلوس. تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يجلسون بنشاط وينهضون كل 10 أو 15 دقيقة يحفزون نظام الاستقلاب في أجسامهم، ويستمتعون بصحة أفضل على المدى الطويل، بالمقارنة مع مَن يجلسون بخمول لفترات طويلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجلوس في أوقات الراحة أكثر ارتباطاً بالنتائج الصحية السيئة من الجلوس في أوقات العمل؛ فإذا كنتَ ممن يمضون يوم عملهم في الجلوس على كرسي، فانهض بانتظام وتحرك قليلاً، وحاول ألا تمضي بقية يومك بالجلوس أيضاً.

اقرأ أيضاً: فوائد بدنية وعقلية للمشي

الخرافة الرابعة: أسلافنا كانوا مجدِّين وأقوياء وسريعين

هناك أسطورة شائعة مفادها أن الناس قبل أن يتلوثوا بالحضارة كانوا رياضيين بالفطرة، ويتمتعون بقوة وسرع فائقتَين وبالقدرة على خوض سباق الماراثون بسهولة. هذا غير صحيح؛ كان معظم الصيادين وجامعي الطعام يتمتعون بلياقةٍ مقبولة؛ ولكنهم كانوا معتدلي القوة، وغير سريعين بشكل خاص. لم تكن حياتهم سهلة؛ ولكنهم كانوا يمضون وسطياً نحو ساعتَين إلى ثلاث ساعات يومياً في ممارسة نشاط بدني متوسط إلى شديد. وليس من الطبيعي ولا الضروري أن تكون قوياً جداً وأن تتمتع بلياقة فائقة.

الخرافة الخامسة: المشي لن يخلصك من الوزن الزائد

حتى وقتٍ قريب كانت جميع برامج تخفيض الوزن تقريباً تتضمن ممارسة التمارين الرياضية؛ ولكن مؤخراً أصبحنا نسمع كثيراً أننا لا نستطيع تخفيض وزننا من خلال ممارسة التمارين الرياضية؛ لأن معظم التمارين لا تحرق كمية كبيرة من الحريرات، بل تجعلنا نشعر بالجوع فنأكل أكثر. الحقيقة هي أنك تفقد الوزن بسرعة أكبر بكثير من خلال اتباع حمية غذائية بالمقارنة مع الوزن الذي تفقده بممارسة التمارين؛ خصوصاً في حال ممارسة تمارين معتدلة مثل 150 دقيقة في الأسبوع من المشي السريع. ولكن ثبت أن ممارسة التمارين لفتراتٍ أطول وبشدة أكبر تؤدي إلى فقدان تدريجي للوزن، كما أن ممارسة التمارين بشكل منتظم تمنع اكتساب الوزن أو استرجاع الوزن المفقود خلال الحمية. والخلاصة هي أن كل حمية غذائية تستفيد من ممارسة التمارين الرياضية.

ممارسة المشي تفقدك الوزن ودهون البطن- “ناتشورال هيلث كير توداي”

الخرافة السادسة: الجري سيؤدي إلى تلف الركبتَين

يخشى كثيرون من ممارسة الجري؛ لأنهم يعتقدون أنه يؤذي الركبتَين. وهذه المخاوف ليست مغلوطة تماماً؛ فالركبتان هما المكان الأكثر تعرضاً للإصابة عند العدائين، ولكنَّ الركبتَين والمفاصل الأخرى ليست مثل مخمدات الصدمات في السيارة التي تتعرض إلى الاهتراء بسبب الاستعمال المتكرر، بل على العكس، ثبت أن الجري والمشي والأنشطة الأخرى تساعد على الحفاظ على صحة وسلامة الركبتَين. وقد أثبتت العديد من الدراسات العلمية القيمة أن العدائين هم أقل تعرضاً للإصابة بالتهاب مفصل الركبة. والاستراتيجية الصحيحة لتجنب آلام الركبة هي تعلم الجري بطريقةٍ صحيحة والتمرن بشكل معقول (أي ألا تزيد المسافة التي تقطعها بشكل مفاجئ).

اقرأ أيضاً: خرافات حول الشيخوخة

الخرافة السابعة: من الطبيعي أن يقل نشاطنا مع تقدمنا في العمر

بعد سنواتٍ طويلة من العمل الشاق، ألا تستحق أن تمدد ساقَيك وتستريح في سنواتك الذهبية؟

 لا، ليس كذلك. فعلى الرغم من الشائعات التي تفيد أن حياة أسلافنا كانت صعبة وشاقة وقصيرة؛ فقد كان الصيادون وجامعو الطعام إذا ما تجاوزوا مرحلة الطفولة يعيشون سبعين عاماً وسطياً، وكانوا يستمرون بالعمل مع تقدمهم في السن. في الحقيقة نحن تطورنا بحيث نكون أجداداً ناشطين من أجل توفير الغذاء لأولادنا وأحفادنا. وفي الوقت نفسه، فإن المحافظة على نشاطنا مع تقدمنا في السن تحفز عمليات الإصلاح والصيانة التي لا تحصى، والتي تحافظ على صحة أجسادنا. وقد وجدت العديد من الدراسات أن ممارسة التمارين الرياضية تصبح أكثر فائدة للصحة مع تقدمنا في السن.

ممارسة التمارين الرياضية هي الطريق إلى شيخوخة مفعمة بالصحة الجيدة- “كيندرد هيلث كير”

الخرافة الثامنة: هنالك مقدار مثالي أو نوع مثالي من التمارين

يوصي الأطباء بممارسة التمارين الرياضية بسبب فوائدها الصحية؛ ولكن ما المقدار المناسب؟ وما التمارين الأفضل؟

يتبع كثير من الأطباء توصيات منظمة الصحة العالمية بممارسة التمارين المعتدلة لمدة 150 دقيقة أسبوعياً أو التمارين الشديدة لمدة 75 دقيقة أسبوعياً بالنسبة إلى البالغين. في الحقيقة هذه وصفة عشوائية؛ لأن مقدار التمارين يعتمد على عشرات العوامل، مثل درجة اللياقة والسن، وتاريخ الإصابات والمشكلات الصحية للمرء. تذكر دائماً: مهما كانت لياقتك متدنية، فإن قليلاً من التمارين دائماً ما يكون أفضل من لا شيء، وساعة واحدة في الأسبوع (ثماني دقائق في اليوم) يمكن أن تعطي نتائج جيدة. إذا كنت تستطيع أن تتمرن أكثر فهذا أمر جيد؛ ولكن الإفراط الشديد لا يعطي فوائد إضافية. ومن المفيد أيضاً أن تنوِّع التمارين التي تمارسها، وأن تمارس تمارين القوة مع تقدمك في السن.

اقرأ أيضاً: 7 نصائح سريعة وبسيطة للحفاظ على لياقتك البدنية

الخرافة التاسعة: النصيحة تكفي

دعونا نواجه الأمر؛ معظم الناس لا يحبون ممارسة التمارين الرياضية، وعليهم التغلب على ميلهم الطبيعي لتجنبها. وبالنسبة إلى معظمنا، فإن عبارة “مارس الرياضة” لوحدها لا تؤدي إلى أكثر مما تؤدي إليه عبارة “أقلع عن التدخين” للشخص المدمن. وللتشجيع على ممارسة التمارين، فنحن غالباً ما نوصي بها ونسوِّقها، ولنتذكر دائماً أننا تطورنا بحيث نكون نشيطين بدنياً لسببين فقط؛ هما إذا ما كان النشاط ضرورياً أو مجزياً فقط، لذلك فلنحاول أن نجد طريقة لتحقيق الأمرَين معاً؛ أي أن نجعل التمرين ضرورياً ومجزياً.

ومن الطرق المتعددة لتحقيق ذلك وأفضلها على ما أعتقد هو جعل ممارسة التمارين الرياضية نشاطاً اجتماعياً، فإذا ما اتفقت مع مجموعة من أصدقائك على التمرن معاً، فإنك سوف تكون ملزماً بالذهاب، وسوف تستمتع بالتمارين، وسيشجع بعضكم بعضاً على الاستمرار.

اجعل ممارسة الرياضة نشاطاً اجتماعياً- أرشيف

الخرافة العاشرة: ممارسة التمارين الرياضية هي الحل السحري

أخيراً دعونا لا نبالغ في تسويق ممارسة الرياضة كدواء؛ فمع أننا لم نتطور من أجل ممارسة الرياضة، بل تطورنا لنكون نشيطين بدنياً كما تطورنا لنشرب الماء أو نتنفس الهواء ونكوِّن صداقات؛ ولذلك فإن غياب النشاط البدني هو ما يجعلنا أكثر تعرضاً للعديد من الأمراض الجسدية والعقلية.

في العالم العصري الغربي لم نعد مضطرين لنكون نشيطين بدنياً، ولذلك ابتكرنا ممارسة الرياضة؛ ولكنها ليست الحل السحري الذي يضمن الصحة الجيدة. لحسن الحظ، فإن القليل من التمارين يمكن أن يبطئ عوارض الشيخوخة، وأن يقلل كثيراً فرصَ إصابتك بعدد من الأمراض؛ خصوصاً مع تقدمك في السن. ويمكن أيضاً أن يكون نوعاً من المتعة التي افتقدناها جميعاً أثناء هذه الجائحة المريعة.

♦أستاذ علم الأحياء التطوري البشري في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب «علم النشاط البدني والراحة والسعي وزراء الصحة».

المصدر: صحيفة الغارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات