الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عشرون عامًا على هجمات 11 سبتمبر: معضلات الاستخبارات وإخفاقاتها

كيوبوست- ترجمات

فرانشيسكو ماروني♦

لا شك أن هجمات 11 سبتمبر شكّلت حدثًا حاسمًا لكل ما يتعلق بموضوعات الجهاد الإسلامي والإرهاب، وما تشكله من تحديات للسياسة الدولية بشكل عام. فلقد تمكّن تنظيم القاعدة، تنظيم غير معروف نسبيًا في ذلك الوقت، من أخذ “القوة العظمى” الوحيدة في العالم على حين غرة وتنفيذ أخطر هجوم إرهابي في التاريخ، في عقر دارها. كيف كان هذا ممكنًا؟ ولماذا فشل نظام الاستخبارات؟ هذه الأسئلة لا تزال محل دراسة حتى اليوم.

غالبًا ما يميل النقاد والمعلقون إلى إلقاء اللوم فيما يتعلق بأي فشل استخباراتي على الأفراد، عادة على أعلى مستويات التسلسل الهرمي لنظام الأمن القومي. غير أن الخبراء في هذا المجال أظهروا أن الإخفاقات الاستخباراتية عادة ما تكون إخفاقات ذات طبيعة هيكلية ولا تُعزى إلى خطأ (أو سلسلة من الأخطاء) يرتكبه للأسف فرد أو مجموعة محددة. هذه الحقيقة لها تداعيات عملية لا تقل أهمية، لأنها ليست متفائلة جدًا: لعلاج فشل الاستخبارات لا يكفي معاقبة أو إقالة فرد أو مجموعة، بل يجب إجراء مراجعة دقيقة لنظام عمل الاستخبارات وأنشطته.

اقرأ أيضًا: تأملات جندي بريطاني في حروب 11 سبتمبر

بداية، يتعين بحث فرضيتين عامتين لدراسة إخفاقات الاستخبارات. أولًا، ينبغي الاعتراف بأن الرأي العام لديه عمومًا توقعات عالية جدًا فيما يتعلق بأهداف وكالات الاستخبارات ونتائجها. ثانيًا، ينبغي التأكيد على أن القادة السياسيين قد يتحملون مسؤوليات كبيرة عن الفشل في التنبؤ بحدثٍ ذي صلة بالمصلحة الوطنية، وكيفية التعامل معه.

مع أخذ هذه الافتراضات المهمة في الاعتبار، يسعى هذا التحليل إلى إعادة النظر، بإيجاز، في أخطاء وقيود وكالات الاستخبارات في حالة هجمات 11 سبتمبر، استناًدا إلى المعلومات المتاحة. وكما اعترف العديد من الباحثين، فلا يوجد سبب واحد فقط لفشل الاستخبارات. يتناول التحليل العوامل السببية المختلفة، من خلال بُعدين: المستوى الفردي، فيما يتعلق بالعوامل المعرفية والنفسية، والمستوى التنظيمي.

ضابط شرطة مدينة نيويورك داني شيا يحيي النصب التذكاري الوطني لضحايا هجمات 11 سبتمبر، 2011- رويترز

العوامل المعرفية والنفسية

عادة ما تلعب العوامل المعرفية والنفسية دورًا حاسمًا في فشل الاستخبارات. أولًا وقبل كل شيء، ترتبط إحدى المشكلات الكلاسيكية للنشاط الاستخباراتي بوجود تخمة في المعلومات. تقوم وكالات الاستخبارات الحديثة، ووكالات إنفاذ القانون، باستمرار بجمع كمية هائلة من المعلومات. وقد تكون المعلومات الاستخباراتية القيمة مخفية في خضم هذا العدد الهائل من المؤشرات المتضاربة في بعض الأحيان.

ومن الواضح أن المشكلة تتعلق بصعوبة الاعتراف بالمشكلة -ما يسمى بمشكلة “نسبة الإشارة إلى الضجيج” (signal to noise ratio)- والقيام بذلك في الوقت المناسب. هذه المشكلة ليست فقط في الوقت الحقيقي، ولكن عند النظر إليها بعد حدوثها: تحديد ما يعتبر “فشلًا” يتأثر بحقيقة أن القائمين على المراجعة يعرفون الاتجاهات التي كانت الإشارات تؤدي إليها.

اقرأ أيضًا: “11 سبتمبر” بداية القرن الـ21 بالنسبة للولايات المتحدة

في حالة 11 سبتمبر، بالتأكيد أنه في الأشهر التي سبقت الكارثة كانت هناك إشارات مقلقة كثيرة، لا سيما خلال ما أسمته لجنة 11 سبتمبر “صيف التهديد” في عام 2001. ولكن من غير المؤكد في أحسن الأحوال أن نرى أن أيًا من هذه الإشارات كان جوهريًا لدرجة أنه لو فسرته الوكالات الأمريكية تفسيرًا سليمًا لكان سمح لها بإحباط هجمات 11 سبتمبر. ومن السهل بما فيه الكفاية على جورج تينيت، مدير الاستخبارات المركزية آنذاك، أن يجادل، كما فعل فيما بعد، بأن “النظام كان يومض باللون الأحمر” بحلول صيف عام 2001، ولكنه يطرح الكثير من الأسئلة.

علاوة على ذلك، حتى عندما تظهر بعض المعلومات ذات الصلة من “ضجيج” الخلفية، فإنها قد تكون عامة بحيث تكون عديمة الفائدة تقريبًا. وفي هذا الصدد، وفقًا لأعضاء لجنة 11 سبتمبر، “أقرت معظم دوائر الاستخبارات في صيف عام 2001 بأن عدد تقارير التهديد وخطورتها كانت غير مسبوقة. قال لنا العديد من المسؤولين إنهم يعرفون أن هناك شيئًا فظيعًا مخططًا له، وأنهم كانوا يبذلون قصارى جهدهم لوقفه. وعلى الرغم من العدد الكبير للتهديدات الواردة، فإنها لم تتضمن سوى تفاصيل قليلة تتعلق بالزمان أو المكان أو الأسلوب أو الهدف”. ومرة أخرى، يمكن التعرف على قطع اللغز بسهولة بمجرد اكتمال الصورة، أي بعد وقوع الهجوم.

الحادي عشر من سبتمبر ذكرى غيرت أمريكا والعالم – أرشيف

يُزعم أن ثمة عامل نفسي آخر أدى إلى فشل الاستخبارات يتعلق بالثقة المفرطة. بل إن بعض الخبراء أشاروا إلى شكل من أشكال “الغطرسة التنظيمية”، قائم على نوع من “أسطورة المناعة”، أي القوة التي لا تقهر، بعد النهاية المظفرة للحرب الباردة. ولا شك أن هذه المواقف يمكن أن تؤدي إلى التقليل من شأن الخطر الذي يشكّله تنظيم القاعدة.

ومن المؤكد أن الجماعة الجهادية لم تخفِ عداءَها للولايات المتحدة. وفي 23 فبراير 1998، أصدر أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وثلاثة قادة جهاديين آخرين، “فتوى” حثُّوا فيها كل مسلم على قتل الأمريكيين وحلفائهم “أينما وجدوا ومتى وجدوا”. ثم أثبتت القاعدة أن لديها القدرات الحقيقية، فضلًا عن النيّة، للتخطيط وتنفيذ هجماتٍ انتحارية معقدة ومدمرة ضد مواطنين أمريكيين: ففي 7 أغسطس 1998، تعرّضت سفارتا الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا في وقتٍ واحد لهجمات، ما أسفر عن مقتل 224 شخصًا، وفي 12 أكتوبر 2000، جاء دور المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول”، حيث هاجمها انتحاريان في قارب، قتلا سبعة عشر شخصًا. ورغم مشكلة الثقة المفرطة هذه، فإن تلك الهجمات البارزة لم تغيّر هذا الموقف تغييرًا جذريًا.

اقرأ أيضاً: من 11 سبتمبر إلى 1 يونيو الحرب على الإرهاب تستنفر اليمين المتطرف

ويبدو أن هذا الموقف صاحبه التفكير الواهم الأمر الذي حال دون الاعتراف الكامل بخطر هجومٍ بارز يشنه تنظيمٌ إرهابي مثل القاعدة، على الرغم من أنه أظهر بالفعل أن لديه النيّة والقدرة. وعلى المستوى النفسي، قد تخفي هذه المعتقدات، وفقًا لبعض المؤلفين، نوعًا من خداع الذات الذي يسمح للأفراد بتخفيف القلق، الأمر الذي يقود لزيادة نقاط الضعف.

وقد تكون ظواهر التوافق و”التفكير الجماعي“، وهي ظاهرة نموذجية للمجموعات الصغيرة التي يتعين عليها اتخاذ قرارات مهمة تحت الضغط، قد سهلت هذه المشكلات. وعلاوة على ذلك، يرى بعض الخبراء أن “التجانس” المزعوم للثقافة والعقلية داخل وكالات الاستخبارات قد أدّى إلى التقليل من شأن التهديد الذي يشكّله تنظيم القاعدة، بل وتهميش أعضاء الوكالات الذين حذروا بشدة من الخطر قبل 11 سبتمبر.

مسار الطائرات الأربع التي تم اختطافها لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر- مركز ميلر

وثمة مشكلة أخرى تكمن وراء كل المشكلات الأخرى، يمكن تسميتها “غياب الخيال”. إن اختطاف أربع طائراتٍ تجارية مليئة بالركاب -ليس للدخول في مفاوضات، ولكن لاستخدام الطائرات نفسها كصواريخ تُطلق ضد أهداف ذات رمزية بالغة للولايات المتحدة، والتضحية عمدًا بحياتهم أثناء المهمة- أمرٌ لم تتصوره الاستخبارات الأمريكية أبدًا. ومهما كانت الإشارات التي تم التقاطها في وسط الضجيج، لم يستطع أحد ترتيب قطع اللغز معًا للوصول إلى الصورة الكلية للتهديد. وأيًا كانت درجة الثقة المفرطة والتفكير بالتمني، فإن ذلك كان يستند جزئيًا إلى الهجمات السابقة لتنظيم القاعدة، فمن المتوقع أن يقع الهجوم خارج الولايات المتحدة. وحتى لو كان التفكير الجماعي في وكالة المخابرات المركزية أقل قوة، فإن آليات هذه المؤامرة لم ترد على ذهن أي شخص. وكان أكثر ما يمكن أن تفعله لجنة 11 سبتمبر هو التوصية بشكل عام بعملية “مأسسة الخيال”.

ولكن من المؤسف أنه إذا كان الموقف السلبي يمثل خطأ واضحًا، فإن النشاط الزائد ليس بالضرورة الحل للمشكلة؛ بل إنه يمثل أيضًا إشكالية، تصل إلى أنها قد تؤدي حتى إلى مشكلةٍ معاكسة، هي الإفراط في التحذير. فمن ناحيةٍ، وعلى المستوى التنفيذي، لا يمكن لوكالات الاستخبارات والأمن أن تتتبع جميع “المسارات” الممكنة؛ لأن هذا سيكون مضيعة كبيرة للوقت، وإهدارًا للموارد. ومن ناحيةٍ أخرى، فمن المثير للاهتمام أكثر أن الإبلاغ عن عددٍ كبير من الإنذارات الكاذبة يؤدي إلى نتائج ضارة بالقدر ذاته؛ لأنه يزيل حساسية المحللين وصانعي السياسات تجاه مثل هذه التقارير، وهي ظاهرة تعرف باسم “متلازمة صراخ الذئب” (crying wolf syndrome)، وهذا جزء من قصة 11 سبتمبر أيضًا. ذلك أن الإصرار الذي أبلغ به بعض المسؤولين الحكوميين، حتى على أعلى المستويات، عن إنذاراتٍ لهجماتٍ وشيكة، لكنها لم تقع، قبل 11 سبتمبر كان له أثر غير مرغوب فيه هو خفض مستوى الاهتمام، بدلًا من رفعه، ما أدى إلى نوع من الإدمان على الإنذارات، بل وانتهى به الأمر في بعض الحالات إلى المساس بمصداقيتهم الشخصية أيضًا.

اقرأ أيضًا: وثائقي “نقطة التحوُّل: هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب”

عوامل تنظيمية

لفت الباحثون والخبراء الانتباه إلى بعض القيود التنظيمية والمعضلات التي تواجه وكالات الاستخبارات التي قد تفسر فشلها. في عام 2001، تم تقسيم دوائر الاستخبارات الأمريكية إلى أكثر من اثنتي عشرة وكالة مدنية وعسكرية، برئاسة إدارات وهياكل مختلفة من الحكومة في واشنطن.

وبصفةٍ عامة، يمكن أن يكون لتخصيص وكالات الاستخبارات وتقسيمها آثار إيجابية على إدارة قضايا محددة، ولكنه يزيد من صعوبة رؤية صورة التهديد بأكملها، إذا كان لدى وكالات مختلفة أجزاء مختلفة من الصورة. لكن هذا لا ينبغي أن يكون مشكلة مستحيلة، إذا كانت هناك تواصل سليم، الذي لم يكن موجودًا في ذلك الوقت بين الوكالات الأمريكية.

يمكن القول إن أكثر حالة جرى مناقشتها حيث انهار تبادل المعلومات بين الوكالات الأمريكية هي لاثنين من المهاجمين الانتحاريين التسعة عشر في 11 سبتمبر، خالد المحضار ونواف الحازمي. وعلمت وكالة المخابرات المركزية أن هذين الجهاديين حضرا اجتماعًا تخطيطيًا كبيرًا لأعضاء تنظيم القاعدة في كوالالمبور، ماليزيا، في الفترة من 5 إلى 8 يناير 2000، ولكنها لم تنقل هذه المعلومات على الفور إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي أو وزارة الخارجية، حتى عندما دخل المواطنان الأجنبيان -اللذان حضرا الاجتماع- الولاياتِ المتحدةَ بعد أسبوعٍ.

اندلاع النيران في البرج الثاني لمركز التجارة العالمي بعد أن اصطدمت به الطائرة المخطوفة- رويترز

من الواضح أن هذا التردد في تبادل المعلومات لا يمكن الدفاع عنه، ولكن هناك أسبابًا عملية لذلك. ويخشى مكتب التحقيقات الفيدرالي دائمًا من أن تبادل المعلومات قد يعرّض الملاحقات القضائية للخطر، وهو الغرض النهائي الذي يجمع مكتب التحقيقات الفيدرالي معلوماتٍ من أجله، في حين تخشى وكالة الاستخبارات المركزية من أن أي إفشاء للمعلومات يمكن أن يكشف عن مصادرها وأساليبها، ما يقوّض الغرض الرئيس.

وأدى ذلك إلى نتائج سلبية: فالعلاقات بين وكالات الاستخبارات والأمن في الولايات المتحدة انتهت إلى منافساتٍ مريرة وحروبٍ على النفوذ، مع مواقف من عدم الثقة المتبادلة والشك تجاه بعضها بعضاً. (خاصة في مكتب التحقيقات الفيدرالي حيث كان هناك انقسام داخلي خلق مشكلاتٍ في تدفق المعلومات.) ومع ذلك، ففي حين تسببت “جدران الحماية” في هذه المشكلات، فقد أنشئت لحل مشكلات أخرى، وهي حماية الحقوق القانونية للمواطنين، التي تعرّضت للإساءة خلال الأوقات الأكثر مرونة من الناحية المؤسسية قبل السبعينيات، عندما تم الكشف عن الانتهاكات وأُجريت إصلاحات.

وقد جادل بعض الباحثين والخبراء بأن إقامة علاقة أكثر فعالية بين المؤسسات في دوائر الاستخبارات كان من شأنها أن تقلِّل إلى حدٍّ كبير من خطر الفشل. واعتمد التقرير النهائي للجنة 9/11 في حد ذاته منظورًا مماثلًا، وأوصى بدرجة أكبر من التنسيق والمركزية في النظام.

منظر جوي لمركز التجارة العالمي- مارس 2001- أرشيف

غير أنه من المفيد في هذا الصدد أن نضيف أنه نظرًا للمعضلات التنظيمية التي تُعتبر نموذجية في حالة وكالات الاستخبارات، فإن زيادة تبادل المعلومات يمكن أن تؤدي إلى مخاطر كبيرة أيضًا. في الواقع، نشر المعلومات في المنظمات التي تحكمها حتمية السرية، يميل إلى زيادة الأخطار التي يتعرض لها النظام، لا سيما من حيث مكافحة التجسس، ما يزيد من خطر (والضرر الذي يمكن أن يلحقه) العملاء المزدوجين، و”المبلغين عن المخالفات”.

الخلاصة

الإرهاب يمثل بكل تأكيد تحديًا خبيثًا وصعبًا بشكل خاص لأجهزة الاستخبارات. وفي الواقع، من الضروري تحديد ليس ما إذا كان الهجوم سيقع فحسب، ولكن أين ومتى وكيف أيضًا. كما أن الإرهابيين بحكم طبيعتهم يعملون سرًا ويستخدمون عامل المفاجأة باستمرار.

علاوة على ذلك، فإن بعض السمات المميزة للإرهاب المعاصر، مثل انتشار العنف على نطاق عالمي، والقدرة الواضحة على تبني أشكالٍ لا مركزية من العمل، والاستعداد لتغيير التكتيكات والأسلحة وأهداف العنف، والاستخدام الواسع النطاق والمتطور لمختلف وسائل الاتصال (بما في ذلك المنصات الإلكترونية)، وتعدد الملامح الفردية للمهاجمين والمؤيدين، يجعل مهمة وكالات الاستخبارات أكثر صعوبة وإرهاقًا، خاصة إذا نظرنا إلى القيود المفروضة على الوقت والموارد والضغوط السياسية المحتملة التي يتعين عليها التعامل معها.

لكن بشكلٍ عام، بالمقارنة مع عام 2001، تأقلمت أجهزة الاستخبارات والأمن في الولايات المتحدة ودولٍ أخرى مع التطورات، وتبدو الآن أفضل استعدادًا وتجهيزًا للتعامل مع التهديد المحدد للإرهاب الجهادي، على الأقل على الأراضي الوطنية. ومع ذلك، وبعد عشرين عامًا، فلا يزال الإخفاق الاستخباراتي في 11 سبتمبر روايةً تحذيرية بالغة الأهمية.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة