الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

عزاء للرئيس أم تشييع لعهده؟ ترامب يمر بأصعب اختبارات القيادة!

كيوبوست – ترجمات

في أوقات الصدمات الوطنية، كثيراً ما ينظر القادة إلى أنفسهم باعتبارهم رؤساء مؤازرين؛ مثلما حدث مع باراك أوباما بعد مذبحة ساندي هوك، وجورج دبليو بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وبيل كلينتون بعد تفجيرات أوكلاهوما، وروزفلت خلال فترة الكساد الكبير.

غير أن دونالد ترامب حالة مختلفة بين رؤساء الولايات المتحدة؛ ففي خضم أكثر تقاطعات الكوارث ازدحاماً في العصر الحديث، قدم الرئيس ترامب نفسه على أنه رئيس صدامي؛ حيث أدان وسائل الإعلام ووصف عملها بـ”أخبار مزيفة”، كما وصف المتظاهرين في الشوارع -بعضهم مسلح والبعض الآخر لا- بأنهم “فوضويون يساريون متطرفون” يجب سحقهم من قِبل الحرس الوطني. وكان نموذجه أقرب إلى ريتشارد نيكسون، الذي ساعده موقفه المتصلب القائم على فرض القانون والنظام ضد المحتجين على حرب فيتنام، في الفوز بالبيت الأبيض عام 1968.

اقرأ أيضاً: تداعيات انتشار العنف في الولايات المتحدة الأمريكية

الآن، وقد طغى هذا المزيج من الأزمات، تبرز في تلك اللحظة قوة البيت الأبيض باعتباره منبراً متنمراً، بينما أظهرت الصعوبة التي يواجهها أي صوت آخر ينادي بالوحدة الوطنية إذا لم يقم الرئيس بذلك. وبدلاً من أن تخشى الإدارة الأمريكية على مستقبل البلاد في ظل الأزمة، جاء موقفها معززاً للانقسامات في وقتٍ يسود فيه الموت والخوف والعنف.

وفي غضون أشهر قليلة، تكدست الكوارث الواحدة فوق الأخرى؛ حيث جائحة (كوفيد-19) التي تجاوزت خسائرها القاتلة 100000 أمريكي، والآثار الاقتصادية المترتبة على الاستجابة لحالة الطوارئ الصحية التي تسببت بشكل مذهل في فقدان 40 مليون شخص وظائفهم، ثم أخيراً وفاة رجل أسود مكبل اليدين في مينيابوليس، بعد أن جثا ضابط شرطة على رقبته، في مشهد وحشي يذكِّر بظلم طال أمده.

متظاهرون يحملون صورة جورج فلويد في ولاية مينيابوليس

وقد أثار مقطع الفيديو الخاص بجورج فلويد وهو يتوسل من أجل التنفس، احتجاجات في مينيابوليس وفي جميع أنحاء البلاد، والتي بدأت بشكل سلمي إلى حد كبير، ثم انفجرت ليلة “السبت” في الحرق المتعمد والتخريب؛ بما في ذلك الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض. حيث بدأت الاحتجاجات في وسط واشنطن بعد أن غرَّد ترامب بكلمات ذات تاريخ عنصري، قائلاً: “عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار”.

كما وبَّخ رؤساء البلديات في شيكاغو وأتلانتا المتظاهرين، واستدعى حكام ما لا يقل عن اثنتي عشرة ولاية، ومقاطعة كولومبيا، الحرسَ الوطني لاستعادة النظام. بينما أقام الزعماء الدينيون الصلوات من أجل التهدئة.

اقرأ أيضاً: كيف كشف وباء كورونا عن استمرار المعاناة التاريخية للسود في الولايات المتحدة؟

ولكن حتى جو بايدن، الخصم الديمقراطي المفترض لترامب في الانتخابات الرئاسية المتوقعة خريف هذا العام، لم يتمكن من تخطي هذا الضجيج. وقال نائب الرئيس السابق، في بيان عاطفي نُشر على موقع “ميديوم دوت كوم”: “إننا أمة غاضبة من الظلم”؛ حيث شجب وحشية الشرطة والاحتجاجات العنيفة. ولم يتمكن أيضاً رئيس سابق من تخطيه؛ فقد أصدر باراك أوباما، يوم الجمعة الماضي، بياناً قال فيه إنه يشاطر الكثيرين “الأسى” الذي يشعرون به إزاء وفاة فلويد.

وبينما يتضح جلياً أنه لا أحد يملك المنصة الرئاسية أو السلطة لضبط لهجة النقاش الوطني، أصدر ترامب، يوم السبت الماضي، تحذيراً للمتظاهرين بأنهم سيواجهون “كلاباً شرسة وأسلحة مشؤومة”. وقد جلب ذلك توبيخاً استثنائياً من عمدة المدينة التي يعيش فيها، موريل بوزر. وقالت عمدة واشنطن، في تغريدة على “تويتر”، يوم الأحد: “لا توجد كلاب شرسة أو أسلحة مشؤومة”. وفي إشارة أخرى إلى الغضب والازدراء في الحوار الوطني، أضافت: “هناك فقط رجل خائف.. خائف ووحيد”.

تطورت المظاهرات إلى اشتباكات مع الشرطة في أكثر من ولاية من بينها نيويورك- مايو 2020

وفي البيت الأبيض، أفادت التقارير بأن مستشاري الرئيس كانوا منقسمين حول ما إذا كان ينبغي عليه إلقاء خطاب على الأمة، كما فعل أسلافه في بعض الأحيان خلال الأوقات العصيبة. حيث كان آخر خطاب مطول لترامب، في مارس الماضي، من المكتب البيضاوي ولمدة 11 دقيقة حول فيروس كورونا. وقد قال المراقبون المستقلون إنه خطاب مليء بمعلومات مضللة، وأنه كان مسؤولاً عن فوضى السفر وهبوط سوق الأسهم الذي أعقب ذلك.

اقرأ أيضاً: منظمة العفو: ترامب يمثل تهديداً لحقوق الإنسان

بينما قال مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، في معرض حديثه إلى برنامج شبكة “سي إن إن”: “سواء كان لديه خطاب من المكتب البيضاوي أو يتحدث إلى الصحافة، فهو متاح وسيظل متاحاً للبلاد ويعبر عن وجهات نظره حول هذه الأحداث المأساوية”. وفي الواقع، كان ترامب يدلي بآرائه حول هذه الأحداث على قناة اتصاله المفضلة، وهي حسابه على “تويتر”، الذي يضخ من خلاله تصريحات تتعمد عدم التوحيد بل شحذ حدة الانقسام الثقافي وإذكاء قاعدته الحزبية.

ومن بين تلك التغريدات قال ترامب: “تهانينا لحرسنا الوطني على العمل العظيم الذي قاموا به فور وصولهم إلى مينيابوليس بولاية مينيسوتا، الليلة الماضية”، وأضاف: “لقد أوقفت أعمال (أنتيفا) التي يقودها الفوضويون، من بين آخرين، بسرعة”. كما نشر تغريدة أخرى قال فيها: “إن الولايات المتحدة الأمريكية ستصنف (أنتيفا) كمنظمة إرهابية”، في إشارة إلى حركة ذات انتماء فضفاض من المناهضين للفاشية.

المرشح للرئاسة ونائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن يزور موقعاً للاحتجاج على وفاة جورج فلويد- “رويترز”

ثم غرد قائلاً: “إن وسائل الإعلام العرجاء تبذل قصارى جهدها لإثارة الكراهية والفوضى، وما دام الجميع يدركون ما يفعلونه، وأنهم أخبار مزيفة وأشخاص سيئون حقًا ولديهم أجندة مريضة، فبوسعنا أن نعمل من خلالهم على تحقيق العظمة”.

وقد جاءت هذه التغريدة في أعقاب الهجمات على الصحفيين من قبل المتظاهرين في ديترويت ومينيابوليس وفينكس وأماكن أخرى. وأطلق ضباط الشرطة رذاذ الفلفل على الصحفيين الذين كانوا يغطون المظاهرات في لويزفيل، كما اعتقلوا صحفيين في مينيابوليس ولاس فيغاس.

اقرأ أيضاً: فريد زكريا يُبَشِّر الديمقراطيين بسقوط أيديولوجيا “المحافظين” وصعود “التقدمية اليسارية”

وللمرة الأولى، أضاف “تويتر” نفسه ملصقات تحذيرية إلى تغريدتين كتبهما ترامب والبيت الأبيض حول احتجاجات مينيابوليس، قائلاً إنها تمجد العنف. ووصف حاكم ولاية ماريلاند لاري هوغان، وهو جمهوري، خطاب ترامب بأنه “غير مفيد”. كما وجهت عمدة أتلانتا كيشا لانس بوتومز، وهي ديمقراطية، مناشدة عامة للرئيس، وقالت في برنامج على شبكة “سي بي إس”: “هناك أوقات يجب أن تتوقف فيها فحسب، وهذه واحدة من تلك الأوقات”، مضيفةً أنه “يزيد الأمر سوءاً”.

لقد خلفت الحروب والركود والأوبئة والاضطرابات المدنية ندوباً في التاريخ الأمريكي غيرت مسار البلاد، أحياناً نحو الأفضل، وأحياناً إلى الأسوأ. ومن المؤكد أن تحديات اليوم ستتردد أصداؤها خلال العام، وما بعده، بطرق يستحيل في الوقت الحاضر التنبؤ بها.

المصدر: موقع يو إس إيه توداي

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة