الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

“عروس الشرقية”.. ما لا يُحكى عن العذرية وزواج القاصرات في مصر

جاءت الواقعة لتؤكد أن القاصرات في مصر بحاجة ماسة إلى قانون يحمي حقوقهن

كيوبوست- صفاء الشبلي

“الشريفة العفيفة وصلت يا بلد”؛ صوت يصدح على سيارة محملة بمكبرات الصوت تجوب أطراف قرية المسلمية التابعة لدائرة صان الحجر القبلية بمحافظة الشرقية المصرية، بينما تجلس فتاة على كتفَي والدها مُمسكةً بغترته البيضاء وملوحةً لعدد كبير من أهل القرية الذين يزفونها فرحين بإثبات عذريتها.

ما سبق ليس جزءاً من مشهد سينمائي وإنما مشهد حقيقي لطفلة لم تتجاوز الـ16 عاماً أيقظت المسكوت عنه في مصر، في ما يخص سلوكيات التعامل مع عذرية الفتيات بشكل عام والتعامل مع القاصرات بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: رحيل نوال السعداوي.. رائدة الدفاع عن حقوق المرأة

ما القصة؟

الفتاة “م.ع” الملقبة بـ”فتاة الشرقية” تزوجت عرفياً، حسب المُتبع في ريف مصر حال تزويج القاصرات ممن لم يبلغن الـ18 عاماً؛ وهي السن القانونية للزواج ثم عقد القران على يد مأذون. وفي 17 نوفمبر الماضي، تزوجت الفتاة من أحد الشباب الذي يعمل عامل بناء، إلا أنه في يوم الدخلة فشل الشاب في فض غشاء بكارتها، وعند توقيع الكشف الطبي عليها قال الطبيب إنها ليست عذراء، فما كان منه إلا أن قام بتطليقها وتقطيع ورقة الزواج العرفي، لينتشر الخبر في أرجاء القرية كافة.

اقرأ أيضاً: “لماذا يريد الرجل وترفض المرأة؟”.. كتاب جديد يطرق الممنوع

قصة “م.ع” ليست بعيدة عن قصص أخرى مُشابهة لفتيات أخريات ربما فقدن حياتهن بسبب عدم نزول دم ليلة الدخلة؛ حتى إنه في بعض القرى المصرية قد تقوم العائلات بما يُسمى “الدخلة البلدي”، بحيث تخضع الفتاة لفض بكارتها على مرأى ومسمع من الجميع لإثبات شرفها لكل  أهلها وأقاربها وكل قريتها، وعقب “الدخلة” تبدأ احتفالات من نوع خاص بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، لتوقظ أهل القرية مُعلنةً شرف وعفة العروس.

 كشف عذرية.. لماذا؟

المجتمع المصري لا يقبل بغير نزول الدم في كل الأحوال، ولعل هذا هو ما دفع والد “عروس الشرقية” لاصطحاب ابنته إلى أحد المستشفيات لتوقيع “كشف العذرية”؛ ليوقف العار الذي يُمكن أن يُلاحقه وأُسرته إن كانت ابنته غير عذراء.

عروس الشرقية

الأب معذور والإسلام بريء

ورغم انتقادات عدة وجِّهت إلى والد الفتاة بسبب ما قيل عن تعريضها إلى تجارب سيئة لا تتحملها سنها الصغيرة، بما فيها كشف العذرية؛ فإن الأب في هذه الحالة معذور، حسب الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، في تصريحاتها لـ”كيوبوست”، كما أكدت أن ما حدث هو بالفعل “استهانة” بالفتاة بوجه خاص، وبأية امرأة تعرضت إلى مثل هذا الموقف بوجه عام.

وتقول نصير إن موضوع نزول الدم ليلة الدخلة مسألة جسدية لكنها أخذت بُعداً أخلاقياً كضبط للمرأة؛ فجرى العرف أن المرأة الشريفة هي التي “تنزف” في يوم عرسها، ولذا ارتبطت بها ثقافة واسعة الانتشار في مصر منذ قديم الأزل؛ وهي عادات ليست من الإسلام في شيء.

آمنة نصير

وتتابع: “في مصر يعتبر غشاء البكارة الأصل والفصل في عفة المرأة؛ لذا لا ألوم والد (عروس الشرقية) الذي أراد أن يُبرِّئ ابنته من وصمة أمام المجتمع، وما حدث كان رغماً عنه، فهو كأب لا يريد أن تكون ابنته مصدر عار عليه وعلى أُسرتها.. هي مسألة ثقافة بيئية وتقليد مصري بعيد عن الإسلام، ولا أعتقد أنه يمكن أن تتغير وجهة نظر المجتمع ناحية غشاء البكارة، الذي يعتبره قطاع كبير من المصريين محكاً أساسياً لقياس عفة الفتيات”.

عن كشف العذرية

ما حدث في قضية “عروس الشرقية” استدعى تساؤلاً مهماً: هل يمكن اعتبار غشاء البكارة وسيلة وحيدة للكشف عن عذرية الفتيات؟ خصوصاً أن السبب الرئيسي لخلاف عائلتَي العروسَين هو الكشف على الفتاة لدى طبيب نساء وتوليد في بداية الأمر، والذي زعم عدم بكورتها.

صورة من التقرير الطبي

دكتور حسام الشنوفي، أستاذ النساء والتوليد بطب قصر العيني، يقول لـ”كيوبوست”: إن المرأة تفقد غشاء البكارة إذا ما حدث إيلاج للعضو الذكري في المهبل، وعلى عكس ما قد يتداول من أن غشاء البكارة له أنواع متعددة بعضها يحتاج إلى تدخل جراحي لفضه أو حتى ما يزعمه البعض من أن بعض الفتيات لا تملك غشاء البكارة؛ إلا أنه وبعكس هذا كله فوجوده دليل على العذرية، حسب الشنوفي.

ويشرح الشنوفي: “العذراء هي مَن تملك غشاء بكارة دون قطع فيه، لماذا دون قطع؟ لأنه حتى مع أول علاقة بين رجل وعذراء يظل غشاء البكارة موجوداً، إلا أنه يختفي تماماً بعد علاقات متعددة أو حدوث ولادة”.

حسام الشنوفي

ويتابع: “لا يمكن أن يحكم طبيب أمراض نساء على كون الفتاة عذراء أو لا؛ مَن يستطيع أن يحكم على عدم خوض الفتاة تجربة جنسية لا بد أن يكون طبيباً شرعياً متخصصاً وله باع في إعطاء شهادات كشف العذرية”.

ويلفت: “الطبيعي أنه عندما يحدث إيلاج يكون هناك غشاء بكارة؛ لكنه يكون مقطوعاً، وهو ما يستطيع تحديده طبيب شرعي وليس طبيب نساء؛ وهو الأمر الذي يجب توعية المجتمع بشأنه، ويمكن أن يكون هناك غشاء بكارة لكن لا يحدث نزيف مع أول علاقة زوجية، وفي حدود علمي إن لم يكن هناك غشاء بكارة حال توقيع الكشف الطبي من طبيب شرعي وليس طبيب نساء، فهذا يعني أن الفتاة قامت بعلاقات جنسية سابقة، أما إن كان هناك قطع جزئي فربما يثبت ذلك أن الفتاة قد تعرضت إلى محاولة اعتداء جنسي أو تعرضت إلى علاقة جنسية لمرة واحدة مثلاً”.

“عروس الشرقية” جرس إنذار

ولا يوجد في القانون المصري مادة صريحة تُحدد عقوبات لتزويج القاصرات؛ لكن حدوث ذلك عادة ما يتم تصنيفه تحت بند التزوير في أوراق رسمية أو الاحتيال والنصب على القاصرات والاتجار بالبشر وهتك العرض، ولعل هذا ما تم في واقعة “عروس الشرقية”؛ فعقب انتشار فيديو تبرئتها تم إلقاء القبض على والدها وعريسها. وقالت النيابة العامة، في بيان لها، إن تحقيقاتها “لم تنسب أية جريمة في حق الزوج أو ذوي الزوجَين”، ليفلت الأب والزوج من جريمة تزويج قاصر وهتك العرض، رغم إقرار الأب والزوج في محضر شرطي أن الفتاة تزوجت وطُلقت بعد ساعات فقط من الزفاف بدعوى عدم عذريتها، وأن الزوج وأهليته قد شهَّروا بها.

اقرأ أيضاً: هل تحوّل العنف ضد المرأة في تونس إلى ظاهرة؟

وحسب بيان النيابة، فقد ظهرت رواية جديدة تقول إن الفتاة القاصر ذات الـ16 عاماً تزوجت عرفياً بموافقتها وموافقة والدها، ثم انتقلت مع زوجها إلى مسكنهما، ونُشبت خلافات زوجية عادية بينهما؛ وهو الأمر الذي أدى إلى انفصالهما بعد جلسة عرفية.

وتابع البيان: “أكدت الفتاة ووالدها في التحقيقات أن زوجَ الأخيرةِ لم يدخل بها ولم  يلمسها، وأنها لم تتعرض من ذلك لأي خطر، ونفيا ما قرره الزوج بمحضر الشرطة من تبينه موضعياً عدم عذريتها، ولم يتهما أحداً بأي اتهام.. كما أكد الزوج أن يده لم تَطُل الفتاة، ولم يكشف حتى عن جسدها، منكراً ما قرره في محضر الشرطة”.

وبرر الأب أن توقيع الكشف على ابنته كان بسبب شعورها ببعض الألم بعضوها التناسلي. أما عن احتفال الأهالي بها فقد حدث دون أسباب واضحة يعلمها، وأن الأمر لا يتعدى لدى الأهالي سوى سوء تفاهم لاعتقادهم عدم عذريتها.

محمد ميزار

المستشار القانوني محمد ميزار، يقول لـ”كيوبوست”: زواج القاصرات كارثة مجتمعية ومسلسل لا تنتهي حلقاته، وفي كل الحلقات مأساة لطفلة تُذبح جسدياً ومعنوياً تحت ستار الأعراف وما يُعرف بستر البنات، ومهما كان مسمى العقد؛ عرفياً أم رسمياً بتغيير السن، فهناك زواج قد تم بالمخالفة للقانون، والذي حدَّد السن بثمانية عشر عاماً، وسواء احتفظ الطرفان بالعقد أو تم تقطيعه، فهذا الفعل لا يمحو أثر ارتكاب الجريمة.

ويتابع ميزار: “الدستور جرَّم زواج القاصرات لمخالفته الدستور المصرى؛ حيث نصت المادة 80 من الدستور المصري على أنه (يعد طفلاً كل مَن لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره)، ومخالف أيضاً للفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 على أنه (يقصد بالطفل في مجال الرعاية والمنصوص عليها في هذا القانون كل مَن لم تتجاوز سنه الثماني عشرة سنة ميلادية كاملة)”.

ويستطرد المستشار القانوني: “بمراجعة النصوص القانونية الخاصة بالزواج، نجد أن القانون رقم 143 لسنة 1994 الخاص بالأحوال المدنية والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، نصَّ على أن (ألا يجوز توثيق عقد زواج لمَن لم يبلغ من الجنسَين 18 سنة ميلادية؛ أي بمنع الزواج لمَن هو دون الـ18 عاماً)، لكن لم يضع القانون عقوبات لمَن خالف ذلك”.

اقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة في تركيا.. سياسة عنصرية انتهجها النظام

وشرح: “هنا تقع الجريمة على الأب الولي الشرعي للفتاة، وكذلك الزوج، ومَن باشر عقد القران وهو عالم بأن الفتاة قاصر لو ثبت صحة ما جاء بالبلاغ عن جريمة الاستغلال والاتجار بالبشر. أما في ما يتعلق بجريمة التشهير والادعاء بعدم العذرية فهذا الأمر هو حق أصيل لوالد الفتاة كونه الولي الطبيعي والشرعي لها، أخذاً في الاعتبار أن هذا الأمر لم نجد له دليلاً ملموساً موثقاً سوى رد فعل والد الفتاة بالفيديو الموثق والمتداول”.

ولفت: “فكرة العدول عن الأقوال بالنيابة العامة وبالتحقيقات وما جاء من اتهامات بمحضر الشرطة هو لعلم الطرفَين في ما بعد، الأب والزوج، أنهما سيتعرضان إلى المساءلة القانونية والحبس، كما أن نفي الفتاة خضوعها لواقعة كشف العذرية إلا لشعورها بألم في الأعضاء التناسلية هو أمر يُثير الشبهة في صحة أقوالها، والتي قد يكون هناك نوع من الضغوط عليها للإدلاء بتلك الأقوال، وإلا ما الداعي للحصول على تقرير بذلك يثبت أمر العذرية”.

عوس الشرقية فوق الأعناق

المجتمع المدني والعنف ضد المرأة

فتحي فريد، الناشط الحقوقي، يقول لـ”كيوبوست”: إن ما حدث في واقعة “عروس الشرقية” يدل على أن كل منظمات المجتمع المدني حصلت على صفر في دورها للتوعية بحقوق المرأة ومكافحة كل أنواع العنف ضدها.

وتابع فريد: “الواقعة أكدت فشلاً ذريعاً للمجتمع المدني المصري وغياب أية رؤية واضحة لعلاج مشكلات العنف ضد المرأة؛ فأعتقد أن جميع العاملين في هذا الحقل عملوا دون هدف حقيقي، وكانت النتيجة أنه ليوم وفي 2022 بعد عمل مستمر لعقود لكل منظمات المجتمع المدني في مجال مكافحة العنف ضد المرأة، فالمحصلة صفر.. لا نتائج، والدليل والنتيجة ما حدث مع فتاة الشرقية، ولا بد من إعادة النظر من جديد في مشكلات المرأة المصرية”.

اقرأ أيضاً: “ردَّة حضارية”.. تنامي ظاهرة التحرش في مصر

وأوضح: “لم نستطع كمنظمات مجتمع مدني تغيير ثقافة سكان مصر في القرى والنجوع حول معتقداتهم حول غشاء البكارة، حتى حملات طرق الأبواب التي ينظمها المجلس القومي للمرأة قد فشلت في دورها المنوطة به تقديمه تجاه المرأة والتوعية بحقوقها”.

فتحي فريد

وكشف فتحي فريد أن هناك مئات الفتيات خضعن لكشف العذرية؛ لأن المجتمع لم تتغير وجهة نظره ناحية هذا النزيف الذي يعتقد المجتمع بأهمية نزوله يوم الدخلة، وحال عدم نزوله قد تتعرض بعضهن إلى القتل.

وأشار: “في تلك الواقعة لا يمكن أن نلوم الأب، يمكننا لومه في نقطة وحيدة وهي تزويج ابنته وهي قاصر؛ لكن إن حذفنا فكرة كونها قاصراً وتعاطينا مع باقي المشهد بأنها بالغة، فللأسف الأب ليس أمامه بديل سوى أن يثبت للمجتمع أن ابنته شريفة، وإلا سيُعاني النبذ من مجتمعه وبيئته الاجتماعية”.

 وأكد: “لا يوجد تشريع حاسم ناحية زواج القاصرات في مصر؛ حتى إن النائب العام المصري في بيانه طالب المشرع بوضع قوانين لحماية القاصرات”.

وطالب فريد بضرورة إصدار قانون موحد لتجريم العنف ضد النساء، وتغليظ عقوبة زواج القاصرات قبل سن 18 عاماً، وضرورة قيام منظمات المجتمع المدني بدور فاعل في التوعية وتغيير وجهة نظر المجتمع ناحية غشاء البكارة والعذرية؛ وهو أمر يمكن تحقيقه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة