الواجهة الرئيسيةرفوف المكتبةشؤون دولية

عرض كتاب: حرب الرقائق، صراع الهيمنة على التكنولوجيا الأخطر في العالم

"الفاينانشيال تايمز" صنفته ككتاب "الأعمال" الأفضل العام الماضي.. بينما اعتبرته مجلة "الإيكونومست" أفضل كُتب عام 2022

كيوبوست

بين يدينا كتابٌ اعتبرته “الفاينانشيال تايمز” كتاب “الأعمال” الأفضل في عام 2022، بينما اعتبرته مجلة “الإيكونومست” أفضل كُتب عام 2022، ومن جانبها وضعته “النيويورك تايمز” على الكتب الأكثر مبيعاً في العام نفسه.

قد يبدو عنوان الكتاب سبباً منطقياً لتصدره هذه القوائم، نظراً للأهمية الكبيرة لموضوع الرقائق، لكن الواقع أن محتواه الشيق المقدم في صورة أقرب للرواية، والتحليل التاريخي، وصولاً إلى العصر الحالي أسهم في أن يكون كتاباً على قدر كبير من الأهمية.

تمكن كريس ميلر مؤلف الكتاب – وهو أستاذ مساعد في جامعة توفتس الأمريكية، أن يقدم تحليلاً لموضوعٍ معقد لكن بتبسيط غير مخل لجذب عدد أكبر من القراء والمهتمين، بالإضافة إلى تحليلٍ معمق لحركة التطوير والانتشار للرقائق (أشباه الموصلات) التي باتت مسؤولة عن عمل كل شيء تقريباً، بدءًا من الهواتف المتحركة، ومرورا بالسيارات، ووصولاً إلى الأسلحة النووية.

غلاف كتاب “حرب الرقائق”

الكتاب مقسم إلى 8 أجزاء، عبر 54 فصلاً، مع مقدمة شملت جزءاً مميزاً تضمن لائحة بأغلب الشخصيات الفاعلة في مجريات صناعة الرقائق وتقنياتها، بالإضافة إلى شخصيات محورية من صناع القرار، من ضمن هذه الشخصيات موريس تشانغ مؤسس شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC) وهي أهم شركة للرقائق في العالم، وآندي غروف الرئيس السابق والمدير التنفيذي لشركة إنتل، وبالطبع جوردون مور مبتكر قانون مور في 1965 الذي تنبأ بأن عدد وحدات الترانزيستور التي يمكن للمهندس تركيبها في شريحة من السيليكون سيتضاعف كل عامين تقريباً مع بقاء التكلفة كما هي.

اقرأ أيضًا: كيف تغذِّي فوارق التكنولوجيا شكلاً جديداً من الشعبوية حول العالم؟

منافسة محمومة في مجالٍ غير تقليدي

ترتكز فكرة الكتاب بصورةٍ رئيسية على تحليل المنافسة المحمومة التي باتت تسيطر على العلاقات الدولية، والتي تتعدى المنافسة التقليدية على الموارد كالنفط، وعلى التفوق التسليحي التقليدي والنووي.

ويستهل ميلر الكتاب بالإشارة إلى يوم 18 أغسطس 2020 حيث أبحرت وحدات من البحرية الأمريكية عبر مضيق تايوان، لكن في هذا اليوم وفقاً لميلر، لم يكن قلق الصين منصباً كالمعتاد على تحركات البحرية الأمريكية، بل كانت أكثر قلقاً بشأن لائحة غامضة لوزارة التجارة الأمريكية تسمِّى قائمة الكيانات، والتي تحدُّ من نقل التكنولوجيا الأمريكية إلى الخارج.

في السابق استخدمت قائمة الكيانات في المقام الأول لمنع مبيعات الأنظمة العسكرية، مثل أجزاء الصواريخ أو المواد النووية، لكن القائمة امتدت إلى التحكم في رقائق الكمبيوتر، والتي أصبحت تهيمن على النشاطات المتنوعة بين الأنظمة العسكرية والسلع الاستهلاكية.

يبدو أن الهدف الأساسي كان كبح تقدم شركة Huawei، عملاق التكنولوجيا الصيني الذي يبيع الهواتف الذكية، ومعدات الاتصالات، وخدمات الحوسبة، وغيرها من التقنيات المتقدمة. خشيت الولايات المتحدة من المنافسة السعرية لمنتجات هاواوي في السوق الأمريكية، والمنافسة في مجال شبكات الاتصالات من الجيل التالي، ما يقوِّض هيمنة أمريكا على البنية الأساسية للتكنولوجيا في العالم لصالح نفوذ الصين الجيوسياسي.

منافسة بين الولايات المتحدة والصين بسبب الرقائق الإلكترونية

لمواجهة هذا التهديد، منعت الولايات المتحدة شركة Huawei من شراء رقائق كمبيوتر متقدمة مصنوعة من التكنولوجيا الأمريكية، وبالفعل واجهت الشركة تعثراتٍ بات معها من المستحيل إنتاج خطوط إنتاج كاملة، وتراجعت الإيرادات وواجهت الشركة الاختناق التكنولوجي. واكتشفت هاواوي أنها مثل جميع الشركات الصينية الأخرى تعتمد بشكلٍ قاتل على الأجانب لصنع الرقائق التي تعتمد عليها جميع الإلكترونيات الحديثة.

لا تزال الولايات المتحدة تسيطر على رقائق السيليكون، وتنفق الصين أموالاً كل عام على استيراد الرقائق أكثر مما تنفقه على النفط، وباتت بكين أكثر قلقا بشأن الحصار الذي يقاس بالبايت بدلاً من البراميل. تكرس الصين أفضل عقولها ومليارات الدولارات لتطوير تكنولوجيا أشباه الموصلات الخاصة بها في محاولة لتحرير نفسها من اختناق الرقائق الأمريكية. إذا نجحت بكين فإنها ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وتعيد ضبط ميزان القوى العسكرية.

 شاهد: فيديوغراف: الذكاء الاصطناعي.. سلاح ذو حدين

أشباه الموصلات… تحديات ضخمة

اليوم لا توجد شركة تصنع الرقائق بدقة أكبر من شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات، والمعروفة باسم TSMC. في عام 2020 بينما كان العالم يترنح بين عمليات الإغلاق المدفوعة بفيروسٍ، يبلغ قطره حوالي مائة نانومتر، كانت TSMC تنتج الرقائق بكثافة فباعت لـ Apple أكثر من 1 كوينتيليون ترانزستور – أي رقم به ثمانية عشر صفراً.

انتشرت أشباه الموصلات في جميع أنحاء المجتمع لأن الشركات ابتكرت تقنيات جديدة لتصنيعها بالملايين، بالإضافة إلى جهود خبراء التصنيع والمتخصصين في سلسلة التوريد ومديري التسويق بقدر جهود الفيزيائيين والمهندسين الكهربائيين.

تتطلب سلسلة توريد أشباه الموصلات اليوم مكونات من العديد من المدن والبلدان، وتبدو نجاحات الدول في إنتاجها متفاوتة، ففي حين تأخرت أوروبا في هذا المجال شقت الحكومات الآسيوية، في تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، طريقها إلى صناعة الرقائق من خلال دعم الشركات، وتمويل برامج التدريب، والشراكة مع وادي السيليكون، واستمرت في الاعتماد بشكلٍ أساسي على الأدوات والبرامج الأمريكية.

مع أغسطس 2020 أدرك العالم حجم الاعتماد على تايوان في تصنيع الرقائق وحجم التحدي الذي يمثله نقص الإمدادات وإغلاق المصانع لأسابيع لأنها لم تستطع الحصول على أشباه الموصلات التي تحتاجها. تسبب النقص حتى في أبسط الرقائق في إغلاق المصانع على الجانب الآخر من العالم، وبدا الأمر وكأن الصورة المثالية للعولمة قد أظهرت أسوأ ما فيها.

اقرأ أيضًا: أمريكا قد تخسر سباق التكنولوجيا مع الصين

عندما سُئل جو بايدن وأنجيلا ميركل عن سبب إغلاق مصانع السيارات في بلادهما، كانت الإجابة تتعلق بتعطل سلاسل توريد أشباه الموصلات، وتعقيد دائرة الإنتاج، التي تتم عبر أكثر من دولة وعبر تزاوج خبرات عدة، على سبيل المثال يتم تصميم شريحة من قبل فريق من المهندسين في كاليفورنيا، عند اكتمال التصميم يرسل إلى منشأة في تايوان والتي تشتري رقائق السيليكون فائقة النقاء من اليابان. يتم تنفيذ التصميم باستخدام بعض الآلات الأكثر دقة في العالم، ويتم إنتاج هذه الأدوات بشكلٍ أساسي من قبل خمس شركات، واحدة هولندية، وواحدة يابانية، وثلاث شركات من كاليفورنيا، والتي بدونها من المستحيل صنع رقائق متقدمة. ثم يتم تعبئة الشريحة واختبارها، غالباً في جنوب شرق آسيا، قبل إرسالها إلى الصين لتجميعها في هاتف أو كمبيوتر. إذا توقفت أي خطوة من خطوات عملية إنتاج أشباه الموصلات، فإن إمداد العالم يتعرض للخطر.

الأزمة أنه بخلاف النفط، الذي يمكن شراؤه من العديد من البلدان فإن إنتاج الرقائق محصور في إطار ضيق. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الصين والولايات المتحدة على الهيمنة على القطاعات التكنولوجية، فإن المستقبل يعتمد بصورة “مخيفة” على جزيرة صغيرة تعتبرها بكين مقاطعة متمردة في حين تلتزم أمريكا بالدفاع عنها بالقوة.

والأخطر أنه يمكن لضربة صاروخية واحدة على منشأة تصنيع الرقائق الأكثر تقدماً في TSMC أن تتسبب بسهولة في أضرار بمئات المليارات من الدولارات بمجرد تأخير إنتاج الهواتف والسيارات وشبكات الاتصالات وغيرها من التقنيات. إن إبقاء الاقتصاد العالمي رهينة لواحدٍ من أخطر النزاعات السياسية في العالم قد يبدو وكأنه خطأ ذو أبعاد تاريخية لا يغتفر، الذي كان أحد دوافعه في الحقيقة قرارات المسؤولين في الشركات الباحثين عن العمالة الرخيصة.

نموذج لأحد مصانع انتاج الترانزستورات في هولندا

معضلة تايوان

سأل أحد المحللين الماليين رئيس TSMC مارك ليو “هل يشعر عملاؤك بالقلق عندما تهدِّد الصين من وقتٍ لآخر بحربٍ ضد تايوان؟” لطالما كانت إجابة ليو بالنفي، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك أخذاً في الاعتبار أنه لفترة من الوقت في عام 2021 كانت الشركة الأكثر قيمة للتداول العام في آسيا وواحدة من أكثر عشر شركات قيمة للتداول العام في العالم، وكلما أصبحت شركة TSMC لا غنى عنها، زادت المخاطر على منشآتها. دأب ليو على قول التالي: “لا يوجد سبب للقلق.. فيما يتعلق بغزو الصين، دعني أخبركم، الجميع يريد أن يكون مضيق تايوان سلمياً.. السلام في مضيق تايوان يصب في مصلحة كل بلد نظراً لاعتماد العالم على سلسلة توريد أشباه الموصلات من تايوان، ولا أحد يريد تعطيلها”.

واقعياً لن تجد الصين صعوبة كبيرة في تدمير المطارات والمنشآت البحرية في تايوان، وكذلك الكهرباء والبنية التحتية الحيوية الأخرى، وفي هذه الحالة سيكون الرد الأمريكي تعطيل مئات الأنظمة العسكرية الصينية الموجودة على الأراضي الصينية. من المؤكد أن رئيس TSMC محق في أن لا أحد يريد “تعطيل” سلاسل توريد أشباه الموصلات حتى الصين نفسها. لكن كلاً من واشنطن وبكين ترغبان في مزيدٍ من السيطرة عليها.

الرقائق الإلكترونية

فهل يمكن أن يكمن الحل في تأسيس مصنع جديد في مكان غير تايوان، لكن مثل هذا الجهد سيتطلب عاملين مدربين، وهو أمر من الصعب توفيره بسهولة ما لم يكن من الممكن بطريقةٍ ما تهريب العديد من موظفي TSMC من تايوان.

في فترة تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان، جادلت رئيسة تايوان تساي إنغ وين مؤخراً في مجلة “فورين أفيرز” بأن صناعة الرقائق في الجزيرة هي “درع سيليكون” يسمح لتايوان بحماية نفسها والآخرين من المحاولات العدوانية من قبل الأنظمة الاستبدادية لتعطيل سلاسل التوريد العالمية. هذه طريقةٌ متفائلة للغاية للنظر إلى الموقف. من المؤكد أن صناعة الرقائق في الجزيرة تجبر الولايات المتحدة على أخذ دفاع تايوان بجدية أكبر. ومع ذلك، فإن تركيز إنتاج أشباه الموصلات في تايوان يعرض الاقتصاد العالمي للخطر إذا لم يردع “درع السيليكون” الصين.

اقرأ أيضاً: خطران مباشران على الاقتصاد العالمي بعد غزو تايوان

في استطلاع عام 2021، أفاد معظم التايوانيين أنهم يعتقدون أن الحرب بين الصين وتايوان إما غير مرجحة (45%) أو مستحيلة (17%). ومع ذلك، فإن الغزو الروسي لأوكرانيا هو تذكير بأنه لا ترجيح سليماً في بعض الحالات.

لذلك فإن المستقبل يشير إلى ضرورة الاعتماد على بدائل أخرى، وحالياً هناك حديث حول استبدال “الترانزستورات” بصورتها الحالية بأخرى على شكل أنبوب. وهناك أموال أكثر من أي وقتٍ مضى تتدفق إلى صناعة الرقائق وتطويرها ومن ذلك جهود شركات Nvidia وGoogle وAmazon التي دخلت في أعمال تصميم الرقائق لتحسين كفاءة الخوادم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة