الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

موقعها الفريد حولها إلى قِبلة للزائرين ومحطة عبور للمسافرين.. وكان سكانها بكل تبايناتهم ينظرون إليها كوطن يحتضن كل الأعراق والأديان

كيوبوست – منير بن وبر

في قلب مدينة عدن، جنوب اليمن، يقع أحد أقدم المساجد في الجزيرة العربية، وأول مسجد جامع في عدن؛ وهو مسجد أبان الذي تم إنشاؤه في عام 105 هجرية. يعتبر المسجد أحد أشهر وأعرق المعالم في عدن، ويقع بالتحديد في حي صِيرة، أو ما يُعرف أكثر بمدينة كريتر؛ وهي أحد أشهر وأهم الموانئ اليمنية منذ القِدم.

يُنسب بناء مسجد أبان إلى الحَكم بن أبان بن عثمان بن عفان؛ وهو الذي أطلق اسم والده على المسجد عندما كان والياً على عدن. يُعد أبان بن عثمان بن عفان من كبار التابعين، وأبوه هو الصحابي الشهير والخليفة الثالث للمسلمين عثمان بن عفان.

شاهد: عدن.. خزانة العرب ومعدن التجارات 

ولكن مسجد أبان ليس المسجد التاريخي الوحيد في عدن؛ فعدن حوَت كلَّ الطوائف والأديان حتى اغتنت بمعالم أثرية متنوعة، وطُرز معمارية فريدة، وحكايات تعايش خالدة. ومن بين المساجد العريقة الكثيرة في عدن “جامع عدن” الذي بناه الخليفة عمر بن عبدالعزيز، والذي تعتبر مئذنته (منارة عدن) أبرز معالم عدن على الإطلاق. وكذلك مسجد العسقلاني، المنسوب إلى شيخ الإسلام الحافظ بن حجر العسقلاني، ومسجد الشيعة الجعفرية، ومسجد الأحناف أو الحنفية في حارة اليهود.. وغيرها من المساجد.

إن دُور العبادة هي أبرز دليل ملموس على ارتباط الناس بأديانهم، وتنوعها دليل على تنوع الأعراق والأديان وانسجامها مع بعضها داخل بالمجتمعات، وهذا الانسجام هو حقيقة طبيعية لا يحجبها عن الناس سوى خطابات الكراهية والتعصُّب؛ فكما تقول المؤلفة البريطانية في مقارنة الأديان، كارن أرمسترونغ، فإن “الرحمة هي المفتاح في الإسلام والبوذية واليهودية والمسيحية”؛ فهذه الأديان، حسب كارن، “متشابهة إلى حد كبير”.

مسجد أَبَان في عدن قبل تجديده

القبول للجميع

يمكن رؤية مظاهر الرحمة والتسامح والانسجام في مجتمع عدن في تنوُّع دُور العبادة؛ وهو تنوُّع يدل على القبول غير المشروط للآخر. ومن الأمثلة على دُور العبادة نذكر كنيس عدن الكبير الخاص باليهود، المعروف أيضاً باسم كنيس درع أبراهام، والذي بُني في عام 1858م، ويتَّسع لألفَي شخص. كما بنى الهندوس معابد لهم؛ منها معبد مايشناف سريناجر، وقام أتباع الديانة الزرادشتية، وتُعرف أيضاً بالمجوسية، ببناء معبد لهم عُرف باسم معبد النار، وهو يقع بالقرب من جبال صهاريج عدن الشهيرة في مدينة كريتر.

اقرأ أيضاً: من منظور الفلسفة وعلم النفس.. ما الفرق بين التسامح والتناسي؟

وتماماً مثل الكُنس والمعابد تم إنشاء الكنائس المسيحية في عدن؛ ومنها الكنيسة الأنغليكانية التي بُنِيتْ عام 1854م بأعلى هضبة صغيرة تُشرف على مدينة عدن، وجرى تحويلها في ما بعد إلى مبنى للمجلس التشريعي. كما توجد أيضاً كنيسة القديس فرنسيس الأسيزي، والتي كانت مقر النيابة الرسولية الرومانية الكاثوليكية لجنوب شبه الجزيرة العربية من عام 1892 وحتى عام 1974.

كنيس عدن الكبير

وحتى أتباع الماسونية، المثيرة للجدل عالمياً، وجدوا لأنفسهم فرصة للاجتماع في مقرهم الخاص؛ حيث أنشأوا مبنى لهم منذ بدايات الاحتلال البريطاني لعدن. كان مقر الماسونية معروفاً لدى السكان؛ حتى إنهم كانوا يُطلقون عليه اسم “بنجلة الشيطان”، وذلك بسبب ما يحيط بالمكان من أساطير مخيفة، كما هو معروف عن الماسونية التي يكتنفها الغموض والسرية، وتحوم حولها نظريات المؤامرة. تم إنشاء مقر الماسونية في حي المعلا؛ وهو الحي الذي اكتسب مكانة كبيرة بعدما أنشأ البريطانيون به ميناء عدن الرئيس.

جذور تاريخية

اشتهر اليمن عموماً بوجود اليهود والنصارى منذ العهود القديمة؛ تعتبر الطائفة اليهودية في اليمن -مثلاً- من أقدم طوائف العالم، وهناك عدة روايات حول بداية وأماكن وجودهم؛ منها ما يعود إلى عهد نبي الله سليمان، وقصته مع ملكة سبأ بلقيس؛ ومنها ما يرجِّح أن أول وجود لهم كان في حضرموت، إلى الشرق من عدن. وقد كانت تجارة اللبان والبخور والذهب وموانئ جنوب الجزيرة العربية من بين أهم دوافعهم التاريخية للهجرة والاستقرار في البلاد. وتنطبق الحال ذاتها على المسيحية؛ حيث تُجمِع المصادر على قِدم وجودها باليمن، وتشدد على دور التجارة البحرية والحملات التبشيرية في انتشارها.

اقرأ أيضاً: فرقة نسائية إسرائيلية من أصول يمنية تبهر العالم بموسيقى اليمن وتراثه

تزايد الوجود الغربي، ومعه الأعراق الأخرى، بشكل كبير وتأثير عميق منذ بداية الاحتلال البريطاني لعدن سنة 1839م؛ حيث أصبحت عدن مركزاً مهماً على خط التجارة البحرية المزدهر بين أوروبا والشرق، وتم بها تأسيس عدد من الشركات وفروع الشركات الأجنبية.

المجلس التشريعي (الكنيسة الأنغليكانية سابقاً).. عدن- “كيوبوست”

ومن بين جميع الجاليات، كانت الجالية الهندية هي الأكبر؛ حيث كانوا يعملون في التجارة أو كجنود أو موظفين في الجيش البريطاني. ولا يزال تأثير الجالية الهندية واضحاً في عدن إلى اليوم، من خلال الكثير من وصفات الطبخ الهندي التي أصبحت وجبات شعبية، ناهيك بالملابس وبعض الكلمات والطراز المعماري.

لقد جعل موقع عدن الفريد منها قِبلة للزائرين ومحطة عبور للمسافرين وموطناً للمغامرين من كل حدب وصوب؛ من كل دين وعِرق، وفي حين أنه لم يكن من الممكن قط توحيد الجميع في دين واحد؛ فقد كان بالإمكان توحيد المحبة والاحترام من أجل التعايش السلمي الذي لا بديل عنه سوى الدمار. لقد كان سكان عدن بكل تبايناتهم ينظرون إلى عدن كوطن للجميع، وإلى أنفسهم كإخوة، وإلى فعل الخير والإحسان كدين يجمعهم؛ فكانت عدن بذلك مثالاً فريداً للتسامح والتعايش السلمي نتج عنه الرخاء والاستقرار والأمن، تماماً كما يقول المؤرخ الروماني سالوست: “الانسجام يُنمِّي الأشياء الصغيرة، ونقصانه يدمِّر الأشياء العظيمة”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة