الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عبارات فلسفية رائجة- 6 “المعرفة تذكّر”.. أفلاطون

شايع الوقيان♦

هذه العبارة ذات أهمية كبيرة في فلسفة المعرفة، وفلسفة التربية، على حدٍّ سواء، وقد وردت أول ما وردت في محاورة “مينون”، وكان مينون سفسطائياً ينكر إمكانية المعرفة. يقول: “إنك إما تعرف أو لا تعرف؛ فإذا كنت تعرف فلا مبرر لطلب المعرفة، وإن كنت لا تعرف فكيف تطلب شيئاً لا تعرفه؟ بل كيف ستعرف أنه هو ما تطلبه عندما تجده؟”.

هنا لمعت الفكرة في ذهن سقراط (وهو الشخصية التي يستخدمها أفلاطون في محاوراته وينسب إليها الأفكار، فصار المؤرخون لا يعرفون أين فكرته من فكرة سقراط)؛ فالمعرفة ليست فطرية نولد بها ولا مكتسبة نطلبها، بل هي “تذكر واسترجاع anamnesis”. فما المقصود؟

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 5 “ليس هناك حقائق بل تأويلات”.. نيتشه

علينا أولاً أن نضع في اعتبارنا أن الفكر الفلسفي الإغريقي يمثل طفولة الفلسفة الإنسانية، وهذا يعني أنه طرح الأسئلة الأولى البديهية التي يطرحها الأطفال على الكبار بالعادة: كيف أتينا إلى الوجود؟ كيف نعرف أننا نعرف؟ ما السماء؟ لماذا نموت؟ وهكذا؛ لكن صفة الطفولية هنا لا تنفي العمق عن الفكر اليوناني، ومحاورات أفلاطون تجمع حقاً بين طفولة التساؤلات وعمق الأجوبة.

أفلاطون

يلجأ أفلاطون كثيراً إلى التشبيهات والترميزات في محاوراته، فلا ندري أيقصدها بعينها أم أنه فقط يتخذها وسائلَ للإيضاح والشرح. وفي محاورة “فيدون” سوف يلجأ إلى مثل هذه الحكايات الرمزية.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 4 “لكي يوجد الشيء لا بد من إدراكه”.. جورج باركلي

يفترض أفلاطون أن النفوس البشرية كانت تعيش في عالم المُثل (عالم الحقائق الأبدية)، وتعرَّفت هناك على حقيقة كل شيء؛ لكن النفس (نفس كل شخص منا) تحلّ في الجسد مع الولادة. وهكذا تبدأ الحياة بحلول الروح أو النفس في الجسد؛ لكن بسبب مادية الجسد وكثافته، وغلبة الغرائز والشهوات والتحيزات، تنسى النفسُ كل شيءٍ تعلمته مسبقاً في عالم المُثل، ويسود الرأي الشخصي والظن doxa بدلاً من الحقيقة.

تمثال سقراط

ومن هنا فالتساؤل والتعلم يتمان عبر سلسلة من المحاولات لتذكر ما كانت النفس تعلمه. يقول سقراط “لقد سميت هذه العملية تعليماً؛ لأن كل تساؤل وكل علم هو تذكر وحسب” (مينون، ترجمة شوقي تمراز، مجلد 3، ص 215)؛ ولكي يبرهن على ذلك استدعى غلاماً كان عبداً عند مينون، وتناقش سقراط معه حول موضوع في الهندسة، ومع التساؤلات والحوارات وصل الغلام إلى الجواب الصحيح، رغم أنه لم يتعلم ولا يعرف القراءة والكتابة.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 3 “الجحيم هو الآخرون”.. سارتر

ومن هنا يرى أفلاطون أن التعلم تذكّر، وأن التعليم يجب أن يتم ليس بالتلقين وإنما بالحوار والنقاش، وسوف يصل الطالب إلى الجواب دون أن يخبره أحد. وهذا المنهج صار معروفاً في نظريات التعلم (البيداغوجيا) باسم “الحوار السقراطي”.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 2: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.. ديكارت 

والمعلم عند أفلاطون يشبه القابلة؛ أي المرأة التي تساعد النساء في الولادة، وكانت أم سقراط في الحقيقة تعمل قابلة. والمعلم يقوم بهذا الدور: استيلاد الأفكار الكامنة في نفس الطفل عبر منهج الحوار.

 اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

عبارة “المعرفة تذكر”، والأساس الفلسفي لها، انتشرت في الفكر اللاحق، وظهرت في الفلسفة والتصوف الإسلاميين. فنجد عند الغزالي مثلاً فكرة أن النفسَ كالمرآة، ولكي تعكس المعرفة الحقة يجب أن “نجلو” هذه المرآة، وتجلية النفس تتم من خلال التحرر من الجسد ورغباته وأهوائه، ومنهجية التخلية، والتجلية، والتحلية، معروفة في التربية الإسلامية. وقبل الغزالي كان ابن سينا يؤمن بالفكرة ذاتها، يقول في عينيته الشهيرة:

هبطت إليك من المحل الأرفعِ & ورقاءُ ذات تعزز وتمنّعِ

محجوبة عن كل مقلة عارفٍ & وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ

وصلت على كرهٍ إليك وربما & كرهت فراقَك وهي ذاتُ تفجّعِ

أنفت وما أنست فلما واصلت & ألِفَت مجاورةَ الخراب البلقعِ

.. إلى آخر القصيدة.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة