الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عبارات فلسفية رائجة- 5 “ليس هناك حقائق بل تأويلات”.. نيتشه

شايع الوقيان♦

هذه العبارة وردت في كتاب نيتشه «إرادة القوة»، وتعتبر شعاراً مؤسِّساً لتيار ما بعد الحداثة. فما معنى هذه العبارة؟

نيتشه فيلسوف عدمي، بمعنى أن الحياة لا تحتوي على أي قيم أو دلالات كامنة فيها؛ بل نحن مَن يضيف إليها هذه القيم والدلالات. وهذه الفلسفة تسمى أحياناً بـ(المنظورية) أو (Perspictivism)؛ فكل الحقائق والمعارف التي لدينا تمثل وجهات نظرنا فقط وليست مطلقة، ولكن لو سألنا نيتشه ما المعيار الذي يجعل وجهة نظر أفضل من الأخرى؟ لأجاب: لا شيء سوى القوة؛ فالقوي هو مَن ينشر وجهة نظره، ويروج لها حتى تصبح كأنها حقائق مطلقة وليست وجهات نظر لأصحابها، وهكذا فالقوة تسبق المعرفة، والحقيقة التي تحكم البشر هي الصراع.

غلاف كتاب “إرادة القوة”

تذكرْ قانون الغاب: القوي يفرض سلطانه. والبشر كبقية الحيوانات تستعمل منطق القوة؛ ولكن بسبب قدرتها على التفكير المجرد، وامتلاكها اللغة، قامت بتحويل منطق القوة إلى منطق المعرفة.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 4 “لكي يوجد الشيء لا بد من إدراكه”.. جورج باركلي

يذكر نيتشه في مقال بعنوان (تصور غير عادي للحقيقة والكذب) “أن الحقيقة مجرد أوهام نحن اختلقناها، وأنها مجرد جيش من الاستعارات والكنايات التي نسينا أصلها؛ كالعملة المعدنية التي فقدت قيمتها لكنها لا تزال متداولة بين الناس”. في علم البلاغة، الاستعارة تختلف عن الحقيقة في أنها إعطاء معنى ذاتي لكلمة مألوفة.. وهكذا، فالحقائق مجرد استعارات لغوية تدل على مَن يؤلفها.

عندما يختصم رجلان في مناقشةٍ ما، فإنهما بالعادة يرجعان إلى مبدأ متفق عليه بينهما؛ كالوحي أو العلم أو العادات والتقاليد، فيقول الواحد للآخر: “إن رأيي قد ثبت -شرعاً وبنص الكتاب المقدس- أنه صحيح”؛ فالشرع هنا له مشروعية مطلقة (حقيقة)، ولكن نيتشه يصر على أن الشرع ليس سوى تأويل من ضمن التأويلات التي تطرحها جماعة من الناس لهم اهتمامات مشتركة، واستطاعوا بفضل القوة تحويلها إلى قوانين عامة، وقُل مثل ذلك على العلم والعقل.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 3 “الجحيم هو الآخرون”.. سارتر

ما دام الأمر متعلقاً بالتأويلات فمصدر التشريع إذن ليس العلم ولا الدين ولا العقل؛ بل تأويلاتنا “الذاتية”. ومن هنا سمى نيتشه فلسفته بـ”المنظورية”؛ لكن إذا لم يعد هناك معيار أو محك يفصل بيننا، فما البديل؟ يقول نيتشه: القوة. إن القوي هو مَن يفرض تأويلاته على الآخرين ويجعلها قانوناً عاماً. يقول في «إرادة القوة»: “إن رغباتنا وحاجاتنا الخاصة هي التي تؤوّل العالَم، وكل رغبة تنطوي على شهوة عارمة للسيطرة، وتحويل الرأي إلى قانون”.

فريدريك نيتشه

ما الحقيقة؟ أليست سوى آراء أناس وشعوب عاشوا في فترة زمانية ومكانية معينة؟ ألم يكن الرق والقِنانة أمراً مقبولاً في فترة من فترات التطور البشري؟ ألسنا الآن نقتل الحيوانات ونأكلها دون شعور بوخز الضمير؟ هل نستبعد أن تتوقف الأجيال القادمة عن ذلك وتعتبره عملاً وحشياً مثلما أننا اليوم نعتبر الرق والاستعباد ممارسات وحشية؟

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 2: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.. ديكارت 

الحقيقة إذن متغيرة، وليست ثابتة. وما دامت متغيرة فهي إذن مرتبطة بوجهات نظر تاريخية معينة، وبالتالي برغبات فئات معينة من الناس هي التي تملك زمام القوة. لقد ارتأت فئة من الناس في العصور الحديثة أن العبودية أمر شائن، وفرضت رأيها على كل البشر؛ فتم إلغاء الرق في كل مكان تقريباً، لكن السؤال المهم: هل كان إلغاء الرق بسبب الحقيقة (أي حقيقة أن الرق عمل وحشي) أم بسبب قوة مَن حمل هذا الرأي؟ أعتقد أن عبارة نيتشه تقدم لنا الجواب بوضوح.

 اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

فلسفة نيتشه، كما تجلت في هذه العبارة الرائجة، فلسفة عدمية بحق، وتشاؤمية؛ فنحن نعرف، بناءً على آراء فلاسفة التنوير والعقلانية، أن إلغاء الرق يمثل تطوراً نبيلاً للبشرية، ونضجاً للعقل الإنساني؛ لكن نيتشه “يحفر” في الأعماق ويبرهن على أن الأمر مجرد صراع تأويلات، والمنتصر هو الذي ساد تأويله.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة