الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عبارات فلسفية رائجة- 4 “لكي يوجد الشيء لا بد من إدراكه”.. جورج باركلي

شايع الوقيان♦

هذه العبارة للفيلسوف البريطاني التجريبي جورج باركلي، وهي تمثل بداية الفلسفة المثالية في الفكر الحديث. فماذا يعني بها؟ وماذا كانت ردة فعل الأديب الشهير الدكتور صمويل جونسون عندما سمع بها؟

علينا قبل الإجابة أن نجيب عن سؤال ملحّ، ودائماً ما يُطرح عليَّ: هل جورج باركلي فيلسوف تجريبي أم مثالي؟، الجواب كلاهما. هو فيلسوف تجريبي في نظرية المعرفة؛ إذ يرى أن التجربة الحسية هي أصل المعرفة ومنطلقها الأول، ولكنه مثالي في نظرية الوجود؛ أي يرى أن الوجود ليس مادياً كما نتصور، بل هو عقلي. وسنعرف مقصده عندما نتقدم في القراءة.

جورج باركلي

لنبدأ الرحلة مع جون لوك:

كان هذا الفيلسوف يرى أن عقل الإنسان صفحة بيضاء خالية من أي فكر وأية معلومة، ثم تأتي التجربة وتنقش فيها المعارفَ والأفكارَ. وهذا الرأي كان مألوفاً في الفلسفة العربية- الإسلامية؛ فها هم إخوان الصفا يقولون:

“واعلم أن مَثَل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم، واعتقاد من الآراء، كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، فإذا كتب فيه شيء حقاً كان أم باطلاً، فقد شُغِل المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر، ويصعب حكه أو محوه. فهذا حكم أفكار النفوس، إذا سبق إليها علم من العلوم واعتقاد من الآراء، أو عادة من العادات، تمكن فيها، حقاً كان أو باطلاً، ويصعب قلعها ومحوها”. ويقولون أيضاً “كل ما لا تدركه الحواس لا تتخيله الأوهام، وكل ما لا تتخيله الأوهام لا تتصوره العقول”. ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً}.

اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة- 3 “الجحيم هو الآخرون”.. سارتر

حسب جون لوك إذن، معرفتنا تبدأ بالمحسوسات؛ أي الأشياء التي ندركها بالحس. وهذه الأشياء لها نوعان من الصفات:

1- صفات أولية؛ مثل الشكل والصلابة والحركة والامتداد (أي كون الشيء مادياً).

2- صفات ثانوية مثل اللون والرائحة والطعم والملمس، ونحو ذلك.

لكن حسب لوك، الصفات الثانوية ليست موجودة في الأشياء ذاتها بل في أدواتنا الحسية؛ فعندما أدرك “التفاحة” فإني أدرك شكلها ومادتها وصلابتها (وهذه صفات أولية موجودة فيها)، ولكن لونها ورائحتها وطعمها وملمسها موجودة فقط في أنفي ولساني ويدي وعيني، والدليل أني عندما أصاب بالزكام لا أعود أستطعم التفاحة ولا أشم رائحتها.

جون لوك

وكما يقول المتنبي:

ومن يكُ ذا فمٍ مرّ مريض & يجد مراً به الماءَ الزُّلالا

من هنا فالصفات الثانوية صفات ذاتية فينا، وليست موضوعية في الأشياء ذاتها.

جاء جورج باركلي بعد لوك، وتساءل: إذا كانت أدوات الحس (من شم وسمع ولمس ونظر وذوق) هي منفذنا الوحيد إلى عالم الأشياء المادية؛ فهذا يعني أن كل معرفتنا الحسية ذاتية بالضرورة. وهكذا فالشكل والصلابة والامتداد والحركة كلها تدرَك بالحس أيضاً كاللون والطعم والرائحة، وليس لدينا دليل على أنها كامنة في الأشياء ذاتها.

اللون الأخضر ليس موجوداً في الواقع الخارجي؛ بل هو ترجمة يقوم بها العقل بعدما يتلقى مؤثرات حسية (تسمى اليوم موجاتٍ كهرومغناطيسية) لا لون لها في ذاتها. وهكذا فالصفات الثانوية كلها أفكار في العقل؛ لكن باركلي أضاف إليها أيضاً الصفات الأولية. يقول “ليس هناك ما يبرر هذه التفرقة على الإطلاق؛ فالامتداد والشكل والحركة أفكار توجد في العقل”، ويكررها في موضع آخر “الامتداد لا وجود له بدون العقل”. إذن، الصفات الأولية، كالثانوية، تتوقف على الحس، فلا مبرر للتمييز بينهما.

اقرأ أيضًا:  عبارات فلسفية رائجة 2: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.. ديكارت 

كان الفلاسفة قبل باركلي يقولون: صحيح أن الصفات الثانوية ذاتية؛ لكنَّ هناك “جوهراً مادياً” يقع خارج العقل. فيرد باركلي: إذا كان مادياً فيجب أن يُدرَك بالحس، وإلا فليس “مادياً” بل غير مادي (= أي عقلي). لننظر في مثال التفاحة؛ يقول: لو أزلنا منها الطعم ثم الرائحة ثم الملمس ثم اللون.. هل سيبقى شيء؟ يجيب: لا. فالشيء ليس سوى هذه الصفات الثانوية مجتمعةً، أما “الجوهر” الذي يحمل هذه الصفات فليس سوى اختلاقٍ (أو تركيب construction) قام به العقلُ لأسباب عملية كالاختصار.

وهكذا أنكر باركلي الجوهر المادي بضربة واحدة، وقال عبارته الشهيرة: “كل شيء لا يقبل الإدراك ليس موجوداً” أو “لكي يوجد الشيء لا بد أن يدرَك”؛ ومن ثمَّ فقد ربط بين الإدراك والوجود، فالطاولة التي في غرفتي أدركها الآن؛ لكن عندما أترك الغرفة بحيث لا يكون فيها أحدٌ ليدركها فإنني -يقول باركلي- أستطيع القول باطمئنان: إن الطاولة لم تعد موجودة! (حسب المنهج التجريبي، هذا كلام معقول؛ فلكي أعرف أن الطاولة لا تزال موجودة يجب أن أعود إلى الغرفة وأراها، وبدون هذا الصنيع يستحيل أن أعرف أنها موجودة).

ههنا هب الأديب البريطاني الساخر صمويل جونسون (وهو غير صمويل جونسون الأمريكي الذي التقاه باركلي عندما زار أمريكا في رود آيلند)، وقام بركل حجرٍ على الطريق، قائلاً: “ها أنا ذا أدحض فكرة باركلي”. ويقصد أن الحجر موجود، وأنه مادي. ومن البيِّن أن جونسون لم يكن واعياً بأبعاد الفكرة؛ فحتى ركْل الحجر يظل أمراً حسياً، وكل ما أتلقاه عند الركل ليس سوى انطباعات حسية؛ كالضغط على القدم وكالألم الناجم عن “فكرة” الصلابة التي عرفناها هي أيضاً عبر الحس.

الأديب البريطاني الساخر صمويل جونسون

إن فكرة باركلي فعلاً صادمة للحس المشترك البشري. وكان جريئاً جداً عندما طرحها للناس؛ لكن علينا أن نتذكر أن الفيزياء المعاصرة، لا سيما فيزياء الكم، تميل إلى فكرة باركلي أكثر من فكرة جون لوك؛ فالمادة لم تعد كما نعرفها جوهراً صلباً غير قابل للنفاذ، بل هي بنية مركبة ومعقدة من نواة وإلكترونات، وتحتوي في أغلبها على فراغ هائل.

وبلغ الأمر ببعض العلماء أن شكك في وجود المادة ومكوناتها كالإلكترونات وتعامل معها بوصفها داولاً رياضية أو فرضية مختلقة (constructed) تساعدنا على فهم العالم بشكل أفضل.

جورج باركلي كان رجلَ دين، ومن هنا فقد التجأ إلى تصوره عن (الله) للاحتفاظ بموضوعية العالم المادي؛ فحتى لو لم ندرك العالَم فإنه سيظل موجوداً لأن الله يدركه باستمرار.

 اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

اشتهرت العبارة بصياغتها اللاتينية (esse est percipi) وظهرت في مقالات مجموعة لباركلي، وفي كتابٍ بعنوان «تعليقات فلسفية»، ولكنها منتشرة -حسب مضمونها- في كتبه الفلسفية مثل «مقالة في مبادئ المعرفة البشرية» وكتاب «المحاورات الثلاث بين فيلاس وهيلونوس»، وقد ترجم يحيى هويدي هذه المحاورات إلى العربية قبل عقود، وأعيدت طباعتها عام 2015 ضمن إصدارات المركز القومي للترجمة.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة