الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

عبارات فلسفية رائجة- 3 “الجحيم هو الآخرون”.. سارتر

شايع الوقيان♦

هذه العبارة المشهورة لم ترد في نص فلسفي؛ بل في مسرحية بعنوان «الأبواب المغلقة»، وهي عن ثلاثة أشخاص (امرأتين ورجل) يعيشون في الجحيم، وينتظرون في غرفة مغلقة، ولا يعلمون ماذا سيحدث لهم. أثناء الانتظار يشرعون في الحديث؛ فيبدأ كل شخص بمساءلة الشخصَين الآخرين، ويسألهما عن الذنوب التي اقترفاها، وكيف ماتا وما إلى ذلك.

كان الثلاثة ينتظرون الجلاد؛ ولكنه لا يأتي، فظن كل شخص أن الجلاد واحد منهم.

في هذه الغرفة ليس ثمة أمل في الخروج، وكانت واحدة من المرأتين تسأل الأخرى: ألستِ خائفة؟ فتجيب: سأخاف لو كان هناك أمل.

اقرأ أيضًا:  عبارات فلسفية رائجة 2: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.. ديكارت 

يحتدم النقاش بين الثلاثة إلى حدٍّ مؤلم. يحاول كل شخصٍ الهربَ.. ليس من الجحيم؛ بل من الآخر، من نظراته واتهاماته. لقد كان كل شخص يتغلغل في كينونة الآخر وينبشها ويعبث بأسرارها. وليس لأي أحدٍ مهرب من الآخر؛ فالقدر جمعهم معاً.

يصرخ غارسيان وهو يضرب الباب بقبضة يده:

“افتحوا.. أرجوكم افتحوا.. إني أرضى بكل عذاب.. بالكلّابات والرصاص المذوب والملاقط وكل ما يحرق ويمزق.. أريد أن أتألم ألماً حقيقياً”. فجأة ينفتح الباب؛ ولكن غارسيان يصاب بالهلع ولا يخرج. ويظل الجميع في الغرفة ويستأنفون الثرثرة المؤلمة، وكأنه مقدر لهم أن يكونوا مع بعض، وأن يعذبوا بعضاً.

يكمل غارسيان وهو يضحك بسخرية: “إذن هذا هو الجحيم! إنه ليس النار والحطب والحرق.. إنه الآخرون”.

سارتر

إننا وجود -مع- الآخرين، كما يقول هايدجر. وقد أخذ سارتر هذه المقولة وطورها، وبنى عليها موقفه الفلسفي. عبارة “الجحيم هو الآخرون” ليست بالسوء الذي نتصورها به، وقد حاول سارتر أن يزيل سوء الفهم الذي أحاط بها؛ فكل تركيزه كان على أثر الآخرين في صياغة وجودنا، ولكن الآخرين قد يصبحون جحيماً عندما تسوء علاقتنا بهم؛ فهل تبرير سارتر مقبول؟

 اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

سنرى.

إرفنج غوفمان

إن الحياة أشبه بالمسرحية، وقد قام العلامة الكندي إرفنج غوفمان، بتبني هذه الاستعارة. وكان يرى أن لكل شخص منا “ذاتَين”: الذات الأولى نقدمها على خشبة المسرح، أي نقدمها للناس ونحاول أن نلمِّعها ونوفِّق بينها وبين القواعد الاجتماعية المقبولة؛ ولكنَّ هناك “ذاتاً” تقبع وراء الكواليس، الذات الحقيقية التي نحاول أن نخفيها عن “عيون” الآخرين ونظراتهم. إن اقتحامَ عيون الآخرين لذواتنا المضمرة يجعل نظراتهم أشبه بالسهام الحارقة، وهنا يكون الآخرون فعلاً جحيماً لا يطاق؛ فإذا لم يعد لدى الإنسان “خصوصية” من أي نوعٍ فإنه أشبه بمن يسير عارياً في الشارع.

عبدالله المطيري

عينُ الآخر تؤلمني؛ يتحدث سارتر عن “النظرة”، أي نظرة الآخر. يشرحها عبدالله المطيري، قائلاً: “النظرة ليست فقط نظرة العين، ولكن يمكن فهمها لتشمل كل رؤية يتبناها الآخر عن ذاتي” (المطيري، فلسفة الآخرية، ص 169، بتصرف بسيط). ورغم أن سارتر حاول التخفيف من حدة عبارته التي تصور الآخرين بشكل سلبي؛ فإن فلسفته في مجملها -كما يذكر المطيري- قائمة على أن الذات تستطيع العيش لوحدها دون حاجة إلى الآخر، فالذات هي سيدة العالم (المطيري، نفسه، ص 160).

لماذا تؤلمني نظرة الآخر؟

يدرس سارتر ظاهرة الخجل دراسة فينومينولوجية؛ ففي الخجل تقوم نظرات الآخر بمحاصرتي، إنها تحولني إلى “شيء” كبقية الأشياء، شيء متناهٍ ومحدود بحدود معينة. هنا تفقد الذات لا تناهيها وسيطرتها على العالَم، ويحضر الآخرون بعيونٍ وقحة ومتطفلة!

هناك مثل شعبي ذائع في بعض مناطق المملكة  وهو “عيون الرجال رماح”؛ فعندما يهمّ الواحد منا بالحديث أمام الملأ فإن عيون الناس ترمقه بعنفٍ وتطارده وكأنه مذنب. هنا يشعر المرء بأنه محاصر وأن وجوده يكاد يتقلص ليصبح نقطة هندسية غير مرئية، وهذا هو معنى الخجل عند سارتر؛ والخجل يعلن عن حضور الآخرين بهذه الصورة المأساوية.

No Exit

مما تقدم نجد أن “الآخر” في فلسفة سارتر يحضر دائماً بوصفه تهديداً؛ ومن ثمَّ فالآخر يمكن الاستغناء عنه ليعيش المرء في النعيم. لكن إيمانويل ليفيناس سوف يقلب المعادلة، ويجعل الآخر هو النعيم. فلولا وجود الآخر لما كانت هناك قيم أخلاقية، ولما كانت هناك حرية. ومع ذلك فإن الآخر عند ليفيناس يحضر بوصفه التزاماً أخلاقياً صارماً خالياً من “المتعة”؛ فالمتعة مرتبطة بالأشياء التي نعلن ملكيتها. فالذات تتمتع بالعالَم قبل حضور الآخر، وما أن يحضر الآخر حتى تتوقف المتعة، وهذا هو مأخذ عبدالله المطيري على ليفيناس، وقد حاول تجاوزه عبر بهجة الضيافة، ومتعة اللقاء بالآخر.

 اقرأ أيضًا: قراءات في كتب كبار الفلاسفة 2: كتاب الجمهورية.. أفلاطون

أخيراً فقد تُرجمت المسرحية إلى الإنجليزية تحت عنوان «لا مخرج No Exit»، وإلى العربية بعنوان «الأبواب المغلقة» على يد هاشم الحسيني، وبعنوان «جلسة سرية» على يد سهيل إدريس، وترجمها مجاهد عبدالمنعم مجاهد، بنفس العنوان أيضاً.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة