الواجهة الرئيسيةمقالات

عبارات فلسفية رائجة 2: “أنا أفكر إذن أنا موجود”.. ديكارت

شايع الوقيان♦

لعل هذه العبارة الديكارتية من أشهر العبارات الفلسفية رواجاً حتى خارج حقل الفكر الفلسفي. وقد وردت العبارة في كتابه (مقال في المنهج) في القسم الرابع، يقول: “أنا أفكر إذن أنا موجود، هذه الحقيقة من الثبات واليقين؛ بحيث لا يستطيع اللا أدريون زعزعتها بكل ما في فروضهم من شطط بالغ، وأستطيع مطمئناً أن أتخذها مبدأ أول للفلسفة التي أتحراها” (راجع ترجمة محمود الخضيري، طبعة 1985، ص 214).

فما معنى هذه العبارة الثورية التي أحدثت تحولاً جذرياً في تاريخ الفكر الفلسفي؟

من الخطأ فهم العبارة على ظاهرها؛ لأنها ستكون بسيطة وربما مبتذلة. ولو قُلنا هذه العبارة لشخص لا يعرف سياقها فلربما قال: صحيح، أنا أفكر وأنا موجود.. فما الجديد في ذلك؟

  اقرأ أيضًا: عبارات فلسفية رائجة 1: “العلم لا يفكر”.. مارتن هايدجر

لنعرف معناها الصحيح يجب أن نعود إلى القرن السابع عشر؛ في الوقت الذي كتب فيه ديكارت كتاب (مقال في المنهج) سادت نزعة شكية خطيرة تنكر إمكان المعرفة، فعقولنا غير قادرة على بلوغ الحقيقة، وهذا قدرنا المحتوم، ونزعة الشك عموماً ليست جديدة في تاريخ الفلسفة؛ بل إنها تصاحب الفلسفة باستمرار. والشك الذي نقصده هو الشك المذهبي وليس الشك المنهجي الذي أتى به ديكارت. والشك المذهبي ينكر أن نكون قادرين على بلوغ الحقيقة كما أشرنا أعلاه.

ديكارت

تساءل ديكارت بينه وبين نفسه: هل ما يقوله الشكاك (واللا أدريون) صحيح؟

علينا أن نتذكر أن ديكارت سيمارس الشك، رغم أنه ليس من الشكاك؛ بل هو حقاً يؤمن بإمكانية المعرفة، ولكنه سيمارس الشك كمنهج للوصول إلى اليقين، وسوف يجعل مبدأه العبارة التالية: “علينا أن نرفض تماماً كل ما نشك فيه، ولو بنسبة ضئيلة”.

يبدأ ديكارت بالحواس؛ فكل ما يأتينا عبر الحواس الخمس يمكن الشك فيه.. أليست الحواس تخدعنا أحياناً فنظن أن الشمس تدور حول الأرض بينما العكس هو الصحيح؟ وألسنا في الأحلام أو في الهلوسات نرى أشياء غير موجودة؟ إذن فالمحسوسات مشكوك فيها وسنرفضها. ثم يتناول بعد ذلك المعارف التي تأتينا عبر التواتر والنقل؛ فهي بدورها لا تقدم برهاناً على صحتها، وأما العقل فإننا نخطئ في استدلالاتنا، ونظن أننا سائرون في الطريق الصحيح.

غلاف نسخة مترجمة من الكتاب إلى العربية

هكذا قام ديكارت بالشك في كل شيء، حتى جسده؛ فهو يُعرَف بالحس، ولذا شك في وجود جسده؛ لكنَّ هناك شيئاً لا يمكن الشك فيه، وهو أنه يمارس الشك. هناك كائن ما هو “أنا” يمارس الشك، وما دام الشك جزءاً من التفكير فإنني موجود؛ لأني أفكر.

هذا هو المعنى الصحيح للعبارة؛ وهي قسمان:

1- الدوبيتو: أنا أشك، إذن أنا موجود.

2- الكوجيتو: أنا أفكر، إذن أنا موجود.

كتاب مبادئ الفلسفة

الدوبيتو جزء من الكوجيتو؛ وهكذا برهن ديكارت على يقينية وجود الأنا أو الذات بوصفها كائناً مفكراً. يقول في كتاب (مبادئ الفلسفة) “إن مما تأباه عقولنا أن نتصور أن ما يفكر لا يكون موجوداً حقاً حينما يفكر، وعلى الرغم من أشد الافتراضات شططاً؛ فإننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بأن هذه النتيجة: أنا أفكر، إذن أنا موجود، صحيحة”، (ترجمة عثمان أمين، نشرة دار الثقافة، ص 56).

بعدما أثبت وجودَ الأنا ككائن مفكر انتقل إلى إثبات وجود الله والعالم، وقد شرحنا ذلك في سلسلة (قراءات في كتب كبار الفلاسفة: مقال في المنهج.. ديكارت)، والذي نُشر عبر “كيوبوست”.

هوسرل

لماذا تعتبر هذه العبارة ثورية في تاريخ الفكر الحديث؟

من الجدير بالذكر أن الفلسفة قبل ديكارت كانت ذات طابع لاهوتي، وكانت المسائل التي تشغل الفلاسفة هي مسألة وجود الله والثالوث والروح والخطيئة ونحو ذلك؛ لكن ديكارت نقل التفكير الفلسفي من مسألة الوجود وما بعد الطبيعة إلى مسألة المعرفة: كيف لعقولنا أن تعرف؟ وقد أقام نسقه الفلسفي على مفهوم الذات (العقل)، ومن ثمَّ صار ديكارت رائد العقلانية الحديثة؛ بل وأبا الفلسفة الحديثة كما يوصف، وقد جاء الفلاسفة بعده وواصلوا البحث في العقل والمعرفة؛ فها هو جون لوك يكتب “مقال في الفهم البشري”، وكذلك فعل باركلي وهيوم واسبينوزا ولايبنتز وكانط وهوسرل.. وغيرهم.

في التراث العربي- الإسلامي كان لابن سينا حجة مشهورة اسمها “الرجل المعلق في الهواء”، وقد وردت في كتاب “الشفاء”. يقول ابن سينا: لنفترض أن رجلاً خلق معلقاً في الهواء؛ لكن حجب بصره عن مشاهدة الأشياء الخارجية، ويهوي في الخلاء دون أن يصدمه الهواء، ولا تتلامس أعضاؤه ببعض؛ فهل سيكون قادراً على إثبات وجود ذاته؟ يجيب ابن سينا: لا شك في ذلك؛ فالذات تثبت وجودَها الخاص (انظر: النفس البشرية عند ابن سينا، تقديم وتحقيق ألبير نصري نادر، دار المشرق، ط4، ص 14-15).

أرسطو

فالرجل المعلق في الهواء لم يتلقَّ أي مثيرات من الخارج؛ ولكنه كان واعياً بذاته وبأنه موجود.

ومع ذلك فأطروحة ابن سينا لم تحدث الثورة التي أحدثتها عبارة ديكارت؛ لأن من أتى بعده لم يبنِ عليها وينطلق منها في تأسيس فلسفة عقلية جديدة، بل استمر الفلاسفة العرب في تكرار الموضوعات التقليدية التي ورثوها عن أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، مع إضافات ناجمة عن تأثرهم بالإسلام.

♦ كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة